"هل يجب العدل بين الزوجات في الجماع؟ دراسة فقهية موسعة"
تعرف على حكم العدل بين الزوجات في الجماع في الإسلام، مع بيان الأدلة الشرعية وأقوال الفقهاء حول القسم والنفقة والميل القلبي، وهل يجب على الزوج أن يسوي بين زوجاته في الوطء أم لا. مقالة موسعة توضح حقوق الزوجة وضوابط التعدد الشرعي."

جدول المحتويات
-
مقدمة
من المسائل التي تثار بكثرة في باب عشرة النساء ضمن كتب الفقه الإسلامي، مسألة العدل بين الزوجات في الجماع، وهل هو واجب شرعًا أم لا. وقد تناول العلماء هذه القضية بالتفصيل، لارتباطها المباشر بمقصد المعاشرة بالمعروف الذي أمر الله به في قوله تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].ولأنّ التعدد باب قد يفتح على الأزواج مسؤوليات عظيمة، فقد جاء الشرع الحكيم ببيان حقوق الزوجات، وتحذير الأزواج من الميل الظاهر الذي يوقع الظلم على بعضهن.
-
معنى العدل بين الزوجات
العدل المقصود في التعدد لا يعني المساواة المطلقة في كل شيء، وإنما التسوية في الحقوق التي يقدر الزوج عليها مثل:
- القسم (المبيت).
- النفقة.
- الكسوة.
- السكن.
أما الأمور الخارجة عن إرادته مثل الميل القلبي ودرجة الشهوة والنشاط الجنسي، فهي مما لا يدخل تحت التكليف.
قال تعالى:
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129].
وقد فسّر ابن عباس رضي الله عنه هذه الآية بأنها في الميل القلبي والجماع، أي لا يمكن للإنسان أن يسوي فيهما تمام التسوية. - القسم (المبيت).
-
وجوب العدل في القسم والنفقة
اتفق الفقهاء على أن الزوج إذا كان له أكثر من زوجة وجب عليه أن يعدل في القسم بينهن (المبيت) والنفقة والكسوة والسكنى.
الأدلة الشرعية
1. قول الله تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].2. حديث رسول الله ﷺ:
«إِذَا كَانَ عِندَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ، فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ» رواه الترمذي وصححه الحاكم.3. اقتداءً بعدل النبي ﷺ بين نسائه في القسم، كما روت السيدة عائشة رضي الله عنها أنه كان في مرضه يسأل: "أين أنا غداً؟" يريد يومها، حتى أذن له أزواجه أن يكون عندها، فمات في بيتها ﷺ.
-
العدل في الجماع
1- الأصل الشرعي
الجماع من الحقوق الأساسية للزوجة، وهو داخل في إطار المعاشرة بالمعروف، وبه تتحقق العفة وتدفع الضرر. فإذا كان الزوج قادراً وجب أن يُعطي كل زوجة حقها بالعدل، ما دام يملك القدرة والرغبة.
2- رأي الفقهاء
- إذا كان الزوج لا يجد رغبة أو نشاطًا، لا يُكلَّف بالعدل في الجماع، لأنه أمر لا يملكه.
- أما إذا كان عنده رغبة لكنه يميل إلى إشباعها مع زوجة دون أخرى عمدًا، فهذا حرام وظلم، لأنه يوقع الضرر على الأخرى.
3- قول عائشة رضي الله عنها
كانت تقول:
«كان رسول الله ﷺ يقسم ويعدل، ثم يقول: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ"» رواه أبو داود.
أي إنّه كان يعدل فيما يقدر عليه من القسم، لكنه يبرئ نفسه من الميل القلبي الذي لا يملكه. - إذا كان الزوج لا يجد رغبة أو نشاطًا، لا يُكلَّف بالعدل في الجماع، لأنه أمر لا يملكه.
-
الفرق بين الميل القلبي والعدل في الحقوق
- الميل القلبي: أمر طبيعي لا يُحاسب عليه الزوج إذا لم يُترجم إلى ظلم عملي.
- العدل في الحقوق: واجب شرعي، ويحاسب الرجل إن فرّط فيه.
- الميل القلبي: أمر طبيعي لا يُحاسب عليه الزوج إذا لم يُترجم إلى ظلم عملي.
-
أقوال العلماء في وجوب العدل في الجماع بين الزوجات
- الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: اتفقوا على وجوب العدل في القسم والنفقة، وأما الجماع فليس فيه وجوب التسوية إذا لم يملك الزوج القدرة أو كان نشاطه متفاوتاً.
- ابن عابدين: قال إن الزوج إن ترك الوطء لعدم الداعية عُذر، أما إذا تركه تفضيلاً لضرة على أخرى مع القدرة، فهو ظلم.
- رأي فريق موقع مؤمنة:
أثر ترك العدل في الجماع على الزوجة
من الجوانب المهمة التي يجب الانتباه إليها أن العدل في الجماع لا يقتصر على كونه إشباعًا لغريزة فطرية، بل هو في حقيقته حفظ لكرامة المرأة وصون لمشاعرها.
فالمرأة إذا هُجرت في فراشها بغير مبرر، قد تشعر أنها غير مرغوب فيها، مما يولد في نفسها كسرًا داخليًا وجرحًا عاطفيًا عميقًا، وربما يقودها ذلك إلى الغيرة المفرطة أو الشعور بالنقص والحرمان. ولهذا جاء الإسلام بجعل الهجر في المضجع نوعًا من العقوبة الشرعية المؤقتة في حال النشوز، لا أن يكون أسلوبًا دائمًا أو تفضيلاً لإحدى الزوجات على الأخرى.
ومن هنا يتضح أن التسوية بين الزوجات في هذا الجانب أدعى إلى:
تحقيق التقوى: لأن العدل من أعظم مظاهرها.
امتثال الأمر الشرعي: لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: 3].
حماية الأسرة من التفكك والغيرة المدمرة.
العدل بين الزوجات في زماننا المعاصر: درع وقاية من الفتن
في عصرنا الحالي حيث كثرت وسائل الانحراف، وسهُل الوصول إلى أبواب الفساد عبر الإنترنت ومواقع التواصل، أصبح تحقيق العدل بين الزوجات ليس مجرد واجبًا شرعيًا، بل ضرورة حياتية وأخلاقية لحفظ الأسرة من التصدع، وصون المجتمع من الانحراف.
فالمرأة إذا لم تُعطَ حقها العاطفي والجسدي والإنساني، قد تُفتن بغير زوجها، والرجل إذا لم يتق الله في زوجاته، فُتح عليه باب الشهوة المحرمة والنظر إلى الحرام. ومن هنا يظهر أن العدل أولى في زماننا من أي وقت مضى، لأنه صمام أمان يحفظ الزوج من الانجرار وراء الفتن، ويحفظ الزوجة من الشعور بالحرمان والظلم، ويضمن استقرار البيت في وجه العواصف الأخلاقية التي يثيرها الإعلام الحديث.
وبذلك فإن التعدد مع غياب العدل قد يتحول إلى أداة هدم، بينما مع تحقق العدل يصبح وسيلة بناء، وإسهامًا في صيانة المجتمع من الانهيار الأخلاقي.
- الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: اتفقوا على وجوب العدل في القسم والنفقة، وأما الجماع فليس فيه وجوب التسوية إذا لم يملك الزوج القدرة أو كان نشاطه متفاوتاً.
-
تطبيقات عملية
1. رجل يجامع زوجته الأولى بانتظام، ويترك الأخرى بحجة الميل لواحدة دون الثانية، فهذا حرام.
2. رجل مريض أو فاقد للشهوة، لا يُكلف بالتسوية، لأنه غير قادر.
3. إذا كانت إحدى الزوجات تطلب حقها الشرعي في الجماع، والزوج قادر، وجب أن يُعطيها حقها.
-
الحكمة الشرعية من عدم جعل العدل في الجماع من العدل المطلوب
التشريع الإسلامي يوازن بين قدرة الإنسان وحدود طاقته، وبين حق الزوجات في العدل والإنصاف. لذلك:
- ما كان تحت قدرة الزوج: وجب عليه التسوية فيه.
- ما كان خارج قدرته: رُفع عنه الحرج.
- ما كان تحت قدرة الزوج: وجب عليه التسوية فيه.
-
العدل في الجماع بين الظروف العادية والظروف الاستثنائية
الأصل في الحياة الزوجية أن يُعاشر الرجل زوجاته بالعدل، وخاصة في جانب الجماع، لأنه حق أصيل للزوجة، وتركه في الأحوال العادية قد يفتح باب المفسدة والحرمان، ويكسر قلب المرأة ويجعلها تشعر بعدم القَبول أو أنها مهملة، مما يزرع الغيرة والحقد ويؤدي إلى توتر الأسرة.
لكن مع ذلك، هناك ظروف استثنائية قد تحول دون المساواة التامة، ومن ذلك:
- المرض: إذا أصيب الزوج بمرض يمنعه من الجماع أو يُضعف قوته، فلا يُكلّف بما لا يستطيع.
- السفر: قد يضطر الزوج إلى السفر بواحدة من زوجاته لضرورة علاج أو رعاية، فيغيب عن الأخرى بغير إرادة منه.
- النفاس أو الحيض: إذ لا يجوز للزوج أن يجامع زوجته في هذه الفترة، مما يؤدي طبيعيًا إلى ميلٍ وقتي للزوجة الأخرى.
- ضعف الشهوة أو الإرهاق: إذا لم يجد الزوج داعية أو انتشارًا، فلا يُلزم بالتسوية في الجماع.
هذه الحالات لا تعد ظلمًا إذا كان الزوج معذورًا، لأن الشريعة تراعي قدرة الإنسان وحدود طاقته. أما في الظروف العادية، فترك العدل عمدًا يفتح أبواب الفتنة، ويُعد من الظلم الصريح، وهو ما نهى الله تعالى عنه.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]. -
خاتمة
العدل بين الزوجات من أهم أركان التعدد في الإسلام، وهو شرط لاستقامة الأسرة وصلاح المجتمع.
- يجب العدل في القسم والنفقة والسكنى.
- يجب العدل في الجماع إذا كان الزوج قادراً وتضررت الزوجة بتركه.
- لا يجب العدل في الميل القلبي والشهوة لأنها خارج التكليف.
وعلى الزوج أن يتقي الله في نسائه، وألا يظلم إحداهن، فإن الظلم سبب للهلاك في الدنيا والآخرة. قال رسول الله ﷺ:
«اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه مسلم. - يجب العدل في القسم والنفقة والسكنى.