فضل وأسرار سورة يوسف وقراءتها للمهموم والحزين والزواج
اكتشف فضل وأسرار سورة يوسف، ومعانيها العميقة في مواساة المهمومين، ودروسها في الصبر والثبات والفرج بعد الشدة، مع بيان ما صح وما لم يصح عن فضلها، لتعرف لماذا وصفها الله بأنها "أحسن القصص".

-
مقدمة
القرآن الكريم كتاب الله المعجز، أنزله هدى ورحمة وشفاءً للمؤمنين، ومن بين سوره العظيمة التي تحمل بين طياتها العبر والعظات سورة يوسف، التي قصّ الله فيها قصة نبيه يوسف عليه السلام بأدق تفاصيلها، وسمّاها "أحسن القصص". وقد ارتبطت هذه السورة في الوعي الإسلامي بالطمأنينة، وتبشير القلوب المهمومة بفرج الله القريب بعد الشدة. ومع ذلك، لا بدّ من بيان حقيقة فضلها وما ورد في شأنها من أحاديث وآثار، حتى لا يختلط الحق بالباطل.
-
نزول سورة يوسف وعلاقته بعام الحزن
نزلت سورة يوسف في مكة المكرمة في مرحلة شديدة على النبي ﷺ عُرفت بـ عام الحزن، حيث فقد زوجته خديجة رضي الله عنها، وسنده عمه أبو طالب. فجاءت السورة بمثابة تثبيت ومواساة، تذكّر النبي ﷺ بأن طريق الصبر يعقبه تمكين، كما قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].
إذن، نزولها كان في ظرف مليء بالابتلاءات، فكانت بلسمًا للرسول ﷺ وأصحابه.
-
هل ورد حديث في فضل قراءة سورة يوسف للمهموم؟
أجمع العلماء على أنه لم يصحّ حديث عن النبي ﷺ يخص سورة يوسف بفضل معين مثل تيسير الزواج أو كشف الكرب. وكل ما ورد في ذلك أحاديث ضعيفة أو موضوعة، منها:
- حديث: "علِّموا أرقاءكم سورة يوسف؛ فإنّه أيُّما مسلمٍ تلاها ... هوَّنَ اللهُ عليه سكرات الموت"، وهو حديث موضوع لا يصح.
إذن، القول بأن قراءة سورة يوسف واجبة أو سنة للمهموم أو لتيسير الزواج لا أصل له في الشرع.
لكن هذا لا ينفي أن القرآن كله شفاء ورحمة، وسورة يوسف خصوصًا تشتمل على معانٍ عظيمة تبث الأمل، فهي سبب في التدبر والاعتبار، لا في العبادة المبتدعة.
- حديث: "علِّموا أرقاءكم سورة يوسف؛ فإنّه أيُّما مسلمٍ تلاها ... هوَّنَ اللهُ عليه سكرات الموت"، وهو حديث موضوع لا يصح.
-
أسرار سورة يوسف ومعانيها العميقة
1- الصبر على البلاء سبيل التمكين
يوسف عليه السلام مرّ بمحن عظيمة: حسد إخوته، إلقاؤه في البئر، السجن ظلمًا... لكنه صبر، فكانت العاقبة أن جعله الله عزيز مصر. وهذه سنة ربانية، أن الصبر يعقبه نصر وتمكين.
2- الفرج بعد الشدة
قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وتجسّدت هذه الآية في قصة يوسف، حيث تحوّل سجنه إلى طريق للملك والعز.
3- الثبات أمام الفتن
ابتلي يوسف بفتنة امرأة العزيز، فاختار السجن على الوقوع في المعصية، فأكرمه الله بالبراءة والرفعة.
4- أهمية الكتمان في قضاء الحوائج
قال يعقوب ليوسف: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: 5]. وهنا درس في أن بعض النعم ينبغي كتمانها دفعًا للحسد.
5- قيمة العفو والصفح
رغم ظلم إخوته، قال يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: 92]. فالعفو خلق الأنبياء.
-
أثر سورة يوسف في نفوس الصحابة
- عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقرأها في صلاة الفجر، ويبكي عند قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].
- عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يكثر قراءتها في صلاة الصبح حتى حفظها كثير من الصحابة عنه.
وهذا يدل على أن للسورة وقعًا خاصًا في النفوس، لا أنها عبادة مخصوصة.
- عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقرأها في صلاة الفجر، ويبكي عند قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].
-
حكم تخصيصها للزواج أو كشف الهمّ
أكد العلماء أن تخصيص سورة يوسف أو غيرها بعمل أو نية معينة دون دليل شرعي يُعتبر بدعة. فلا يُقال: "اقرأها أربعين يومًا للزواج" أو "لحل الكرب"، لأن العبادة مبناها على التوقيف.
لكن من قرأها تدبرًا واعتبارًا وطلبًا للطمأنينة فلا حرج، بل هو مأجور على تدبره. -
القرآن لما قُرئ له
جاء عن بعض السلف أنهم قالوا: "القرآن لما قُرئ له"، أي أن أثر تلاوة القرآن يتعلّق بالنية التي يحملها القارئ عند القراءة، فإن قرأه طلبًا للشفاء نفعه الله به، وإن قرأه طلبًا للهداية هُدي به، وإن قرأه عبادةً وتدبّرًا أثابه الله عز وجل.
لكن ينبغي التنبيه إلى أن هذا لا يعني تخصيص سورة بعينها لقضاء حاجة معيّنة من غير دليل شرعي، بل الأصل أن القرآن كلّه خير وهدى وشفاء، قال تعالى:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82].إذن، من قرأ سورة يوسف وهو يحمل في قلبه نية التثبّت والصبر والتفاؤل بفرج الله، نفعه الله بها لما تحمله من قصص وعبر تبث الطمأنينة، لا لأن السورة مخصوصة بذلك، بل لأن القرآن كلّه بركة ورحمة.
وبهذا نفهم أن الأثر الإيماني والنفسي للقرآن يتحقق بالنية والإيمان، لا بالتخصيص المبتدع لسورة دون أخرى.
-
خاتمة
سورة يوسف من أعظم سور القرآن التي تحمل رسائل عميقة للمؤمنين: الصبر، الثبات، الرجاء، والعفو. لم يثبت في الشرع أن قراءتها خاصة تجلب الزواج أو تزيل الهم، لكن معانيها تزرع في القلب الطمأنينة وتذكّر المؤمن أن بعد العسر يسراً. فهي بحق بلسمٌ للمهمومين، لكن بالمعنى الإيماني لا بالوصفة المبتدعة.