فضل سورة يس وحكم قراءتها لقضاء الحاجات: دراسة شرعية حديثية موسّعة

مقالة موسعة توضح حقيقة فضل سورة يس، ومدى صحة الأحاديث الواردة في فضلها، وحكم قراءتها لقضاء الحاجات، مع تحليل فقهي موسع لأقوال العلماء وتوثيق الروايات وتمييز الصحيح من الضعيف والموضوع.

فضل سورة يس وحكم قراءتها لقضاء الحاجات: دراسة شرعية حديثية موسّعة
فضل سورة يس وحكم قراءتها لقضاء الحاجات: دراسة شرعية حديثية موسّعة
  • مقدمة

    تعد سورة يس من السور المكية ذات المقاصد العقدية العميقة، وقد ارتبط اسمها عند كثير من الناس بفضائل متعددة، بعضها صحيح من حيث المعنى العام لفضل القرآن، وبعضها لا أصل له، وبعضها من الموضوعات التي شدّد العلماء على ضرورة التحذير منها. وتزايد السؤال عنها، خصوصًا فيما يتعلق بعبارة: “يس لما قرئت له”، التي انتشرت كثيرًا بين الناس دون سند صحيح.

    تهدف هذه المقالة إلى تقديم تحليل شرعي موسع يعتمد على المصادر الموثوقة، ويجمع بين التحقيق الحديثي، والفقه، وتوجيهات الأئمة، لإيضاح الحقيقة كاملة للقارئ، مع إبراز الجانب الروحي والعملي للقرآن الكريم كمنهج حياة ورحمة وهداية.

  • سورة يس… نظرة تحليلية في مقاصدها و موضوعاتها

    تتميز سورة يس بطابع مكي يغلب عليه الخطاب العقدي، ومن أبرز موضوعاتها:

    1.   إثبات التوحيد بجميع صوره: الإلهية، الربوبية، والأسماء والصفات.

    2.   التذكير بالبعث والنشور باعتباره محورًا رئيسيًا في السورة.

    3.   عرض مشاهد العذاب والنعيم بأسلوب مؤثر يخاطب الوجدان.

    4.   قصة أصحاب القرية التي تعكس صراع الحق والباطل ودروس التضحية والدعوة.

    كما تتميز السورة بفواصل قصيرة ولغة تصويرية قوية تجعل أثرها الروحي واضحًا في نفوس المؤمنين، ما يفسّر تعلّق الناس بها رغم غياب نصوص صحيحة خاصة بفضلها.

  • تقويم الأحاديث الواردة في فضل سورة يس

    1. الأحاديث الصحيحة

    لم يثبت في فضل سورة يس حديث صحيح خاص بها على وجه التحديد، وهذا ما قرره كبار المحدثين.

    2. الأحاديث الضعيفة

    وردت أحاديث متعددة لكنها ضعيفة، مثل:

    • “من قرأ سورة يس في ليلة أصبح مغفورًا له” — رواه أبو يعلى وهو ضعيف.
    • “من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له” — رواه ابن حبان، وفي سنده مقال.

    3. الأحاديث الموضوعة

    وهي كثيرة جدًا، منها:

    • “إن لكل شيء قلبًا وقلب القرآن يس، من قرأها فكأنما قرأ القرآن عشر مرات” — موضوع.
    • “من قرأها في المقابر خفف عنهم يومئذ” — موضوع.
    • قصة البركات العشر (الجوع، العري، الخوف، المرض، الضلالة... إلخ) — ذكرها السيوطي والشوكاني وغيرهما في كتب الموضوعات.

    هذه النصوص لا يجوز روايتها إلا للتحذير منها، لأنها وُضعت ونُسبت كذبًا إلى رسول الله ﷺ.

  • دراسة حديث “اقرأوا على موتاكم يس”

    الحديث رواه:

    • أحمد
    • أبو داود
    • ابن ماجه

    عن معقل بن يسار رضي الله عنه.

    إلا أن الحديث في سنده مجهولان:
    – أبو عثمان غير النهدي
    – ووالده

    ولهذا ضعّفه أئمة الحديث، ومنهم الإمام الألباني في ضعيف الجامع وضعيف أبي داود.

    ومع ضعف الحديث، اختلف العلماء في العمل بالضعيف في فضائل الأعمال، لكنهم أجمعوا على عدم جواز العمل بالحديث إذا كان ضعفه شديدًا، أو إذا تعلق بعقيدة أو عبادة مُحدثة.

    وقد استأنس بعض العلماء بقراءتها عند الميت، من باب رجاء نزول الرحمة، لكن هذا لا يجعل ذلك سنة ثابتة، بل مجرد اجتهاد لا يُنسب إلى النبي ﷺ.

  • حقيقة عبارة “يس لما قرئت له”

    هذه العبارة هي الأكثر انتشارًا على ألسنة الناس، وهي تُستخدم للدلالة على أن قراءة سورة يس تؤدي إلى تيسير أي أمر أو قضاء الحاجة.

    الحكم الشرعي

    هذه العبارة لا أصل لها في السنة
     
    ليست حديثًا نبويًا
     
    اتفق العلماء على أنها لا تُنسب للنبي ﷺ

    قال السخاوي: “لا أصل له”.
    وذكر زكريا الأنصاري: “موضوع”.
    وأوردها القاري وابن طولون في كتب الأحاديث المنتشرة بلا أصل.

    إذن: لا يجوز نسبتها للحديث الشريف بأي حال.

  • هل قراءة سورة يس لقضاء الحاجة مشروعة؟

    1. من جهة النصوص الشرعية

    لا يوجد دليل صحيح يدل على أن قراءة يس لقضاء الحاجة عبادة مشروعة بعينها.

    2. من جهة التجربة

    نعم، قد يقضي الله حاجة عبد عند تلاوة يس، لكن ذلك يكون لأسباب أخرى:

    • صدق الدعاء
    • الافتقار الحقيقي إلى الله
    • التوبة
    • حضور القلب

    وليس لأن يس ذاتها مخصصة لقضاء الحاجات.

    وهنا يحذر ابن تيمية من أن اتخاذ التجارب الشخصية تشريعًا عامًا يعد من الاعتداء في الدين.

    3. قراءة القرآن بنية عامة

    يجوز للمسلم أن يقرأ القرآن كله — بما في ذلك سورة يس — رجاء البركة وتفريج الكرب، لأن:

    القرآن كله شفاء ورحمة وهداية

    لكن لا يجوز تخصيص سورة بعينها بقضاء حاجة بلا دليل.

  • القراءة بعدد معين (العديّة)

    انتشرت طرق مثل:

    • قراءة يس 7 مرات
    • قراءة يس 41 مرة
    • قراءة يس بطريقة معينة عند الحاجة

    الحكم الشرعي

    هذه الطرق محدثة، ولم يرد بها أثر عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين، ولذلك فهي بدعة إضافية لأنها تضيف عددًا وكيفية لم يشرعها الله.

    قال النبي ﷺ:
    «وَكُلّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ» — رواه مسلم.

  • قراءة يس في صدر النهار

    ورد أثر عند الدارمي عن عطاء:
    “من قرأ يس صدر النهار قضيت حوائجه”

    لكن:

    • الأثر مرسل
    • والمرسل عند المحدثين ضعيف
    • ولا يصلح للاستدلال على سنة

    وبهذا لا يصح تخصيص الصباح بقراءة يس لقضاء الحاجات.

  • البدائل الشرعية الصحيحة لقضاء الحاجات

    ينبغي توجيه المسلم إلى العبادات الثابتة:

    1. الدعاء

    وهو أقوى سبب بنص القرآن:
    ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60]

    2. صلاة الحاجة

    وردت بها آثار حسّنها بعض أهل العلم.

    3. الإكثار من الاستغفار

    كما ورد عن ابن عباس.

    4. الصدقة

    الصدقة من أقوى أسباب تفريج الكرب.

    5. قراءة القرآن عمومًا

    لأنه كله بركة، دون تخصيص غير مشروع.

  • لماذا تعلّق الناس بسورة يس؟ (تحليل اجتماعي ديني)

    يرجع انتشار الاعتقاد بفضل خاص لسورة يس لأسباب:

    1.   الأثر النفسي القوي للسورة بسبب قصر آياتها وقوة خطابها.

    2.   حاجة الناس للارتباط بسورة معينة تمنحهم الراحة في حالات الاضطراب.

    3.   انتشار الأحاديث الموضوعة لعدم وجود ثقافة التمييز بين الصحيح والضعيف.

    4.   التجارب الفردية التي تُعمم خطأً.

    وهذه الأسباب ليست مبررًا لإقرار ما لا أصل له.

  • الخاتمة

    سورة يس من سور القرآن المباركة التي تحمل معاني عظيمة ومقاصد إيمانية مؤثرة، لكن لم يثبت في فضلها حديث صحيح، ولا يصح تخصيصها بقضاء الحاجات أو تيسير الأمور.

    ويبقى القرآن كله شفاء ورحمة، ولا يجوز للمسلم أن ينسب إلى السنة ما ليس منها، بل يعمل بما صحّ وثبت، ويتقرب إلى الله بالعبادات المشروعة، ويلجأ إليه بالدعاء الصادق.