حكم قول إن الله خلق الخلق لأجل النبي محمد ﷺ: دراسة عقدية حديثية موسعة
تعرف في هذه المقالة الموسعة على الحكم الشرعي لقول "إن الله خلق الخلق لأجل النبي محمد ﷺ"، مع مناقشة الأدلة الشرعية، وأقوال كبار العلماء، وتفنيد الأحاديث المنتشرة، وتحرير المسألة وفق منهج أهل السنة والجماعة.
-
مقدمة
حاز النبي محمد ﷺ أعظم منزلة بين البشر، فهو خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، وصاحب الرسالة الخاتمة التي جاءت رحمة للعالمين. وقد أثنى الله عليه ثناءً عظيمًا، فجعله نور الهداية، وقدوة البشرية، وأكرمه بخصائص لم ينلها غيره من الأنبياء.
إلا أنّ هذه المنزلة الرفيعة كانت سببًا لظهور بعض الأقوال غير المنضبطة، التي يشيع تداولها بين الناس رغبةً في تعظيمه، لكنها تحمل معاني غلوّ عقدي يخالف نصوص الشرع. ومن أشهر هذه الأقوال: "إن الله خلق الخلق لأجل النبي محمد ﷺ".هذه الدراسة تُقدّم معالجة عقدية حديثية موسّعة، تستعرض أصل هذه المقولة، وحكمها الشرعي، وأدلة العلماء، وحقيقة الأحاديث المنتشرة حولها، مع تحرير دقيق للقول وفق منهج أهل السنة والجماعة.
-
أصل الدعوى والنصوص المنتشرة حولها
تُبنى هذه المقولة عادةً على عبارات تُنسب إلى النبي ﷺ، أشهرها:
· "لولاك لولاك ما خلقتُ الأفلاك"
· "لولاك ما خلقتُ الدنيا"
· "أول ما خلق الله نور نبيك"
· "خلق الله الكون لأجل محمد"
وقد شاع استعمالها في كتب بعض المتصوفة المتأخرين، وفي الخطب الوعظية، حتى توهّم البعض أنها صحيحة ثابتة، بينما الحقيقة أن جميع هذه الأحاديث لا أصل لها.
الحكم الحديثي على حديث (لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك)
اتفق كبار أئمة الحديث أنهم لم يجدوا له سندًا ولا أصلًا، بل حكموا عليه بالوضع:
· السيوطي: "لم أقف له على أصل"
· ابن حجر العسقلاني: ليس له إسناد معتمد
· الذهبي: عدّه من الأحاديث الموضوعة
· ابن القيم: "كذب موضوع"
· الشوكاني: حديث موضوع بلا شك
إذن: القول بأن الله خلق الكون لأجل النبي ﷺ لا يصح الاستدلال عليه بأي حديث ثابت، وكل ما يروى فيه باطل قطعًا.
-
الغاية الشرعية من خلق الخلق
بيّن القرآن الكريم الغاية التي خلق الله لأجلها الإنس والجن بوضوح:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
هذه الآية تمثل الحقيقة العقدية الكبرى التي لا يجوز تجاوزها:
فالعبادة هي الغاية الإلهية من الخلق، وليس وجود مخلوق، مهما بلغت منزلته، هو سبب إيجاد الكون.كما قال تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾
﴿أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ولهذا قال العلماء إن نسبة الخلق إلى مخلوق باطل شرعًا، لأنه يناقض توحيد الربوبية.
-
أقوال العلماء في إبطال هذه المقولة
1. شيخ الإسلام ابن تيمية
قال في “مجموع الفتاوى” (11/95):
"قول القائل إن الله خلق العالم لأجل محمد ﷺ أو لولاه لما خلق شيئًا، قول لا أصل له، وهو باطل، وهو من الغلو الذي نهى عنه النبي ﷺ."
ويُعد هذا النص من أهم ما قرره العلماء، لأنه يجمع بين الحكم الشرعي و تعليل المنع.
2. الإمام ابن القيم
في كتابه “المنار المنيف”، صرّح بأن:
"حديث لولاك ما خلقت الأفلاك كذب موضوع."
وفي “بدائع الفوائد” أكّد أن نسبة الخلق للنبي ﷺ مخالفة لمقاصد الشريعة، وأن الله خلق الخلق لحكم متعددة، لا تنحصر في وجود شخص بعينه.
3. الإمام الشاطبي
في “الاعتصام” اعتبر هذه الأقوال من البدع العقدية التي نشأت عن الغلو في الشخصيات، وهو غلو مشابه لما وقع فيه أهل الكتاب.
4. أقوال العلماء المعاصرين
وصفت اللجنة الدائمة للفتوى هذا القول بأنه:
"من الغلو المذموم، ولا يقول به من ضبط أصول العقيدة."
كما أفتى الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين ببطلان العقيدة.
-
الفرق بين التعظيم المشروع والغلو المحرّم
التعظيم المشروع للنبي ﷺ
مشروع وثابت بالأدلة الصحيحة، ومنها:
· أنه سيد ولد آدم
· وأنه خير الخلق
· وأنه رحمة للعالمين
· وأنه أول شافع وأول مُشفَّع
· وأنه صاحب المقام المحمود
وهذا كله داخل في تعظيمه المشروع الذي جاء به القرآن والسنة.
الغلو المحرّم
هو نسب أمور إلى النبي ﷺ لم يثبتها الشرع، ومنها:
· أن الخلق وجد لأجله
· أو أن وجود الكون متعلق بوجوده
· أو أن له من خصائص الربوبية شيئًا
قال ﷺ:
"لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم."
فالمسلم مأمور باحترامه وتعظيمه، لكن دون تجاوز.
-
التحليل العقدي للمقولة
1. من جهة الربوبية
الخلق من خصائص الله وحده، ولا يجوز جعله متعلقًا بعِلّة مخلوق.
2. من جهة النصوص
لا نص واحد صحيح يدل على هذا القول، بل كل نص فيه موضوع مكذوب.
3. من جهة المقاصد الشرعية
القول يجعل النبي ﷺ علة غائية لخلق الكون، وهذا يخالف التوحيد ويُفضي إلى تسويته بالخالق.
4. من جهة العقل
لو خلق الله الخلق لأجل النبي، لجعل وجودهم متوقفًا على وجوده، وهذا لا يقول به عالم معتبر.
-
الحكم النهائي في المسألة
الحكم المختصر
القول "إن الله خلق الخلق لأجل النبي محمد ﷺ"
هو قول باطل شرعًا، ولا يجوز اعتقاده، وهو من الغلو المذموم، ولا يقوم على أي دليل صحيح.التفصيل
· إن قصد القائل التعظيم المشروع للنبي فهذا حسن.
· وإن قصد أن النبي ﷺ علّة لخلق الكون فهذا باطل بإجماع العلماء.
السبب
· لعدم وجود أي دليل صحيح
· ولمخالفته لنصوص الغاية من الخلق
· ولأنه يؤدي إلى الغلو المنهي عنه
-
الخاتمة
تبيّن من خلال هذه الدراسة أن مقولة: "خلق الله الخلق لأجل النبي محمد ﷺ" ليست صحيحة، ولا أصل لها في الشرع، وكل ما بُني عليها من استدلالات أو أحاديث فهو موضوع أو باطل.
وأن مقام النبي ﷺ ثابت وعظيم، ومنزلة لا تدانى، لكن تعظيمه لا يكون بالغلو أو نسبة ما لم يأت به دليل، بل بطاعته واتباعه والاقتداء بهديه.إن تعظيم النبي ﷺ هو تعظيمٌ لما جاء به، لا تعظيمٌ يُخرجه عن مقام العبودية، فذلك هو الفارق بين التوحيد والغلو، وبين الإيمان الصحيح والانحراف العقدي.