حكم الكدرة والصفرة قبل الحيض وبعده: ضوابط شرعية ومعايير عملية

مقالة فقهية احترافية تشرح حكم الكدرة والصفرة قبل الحيض وبعده وفق أقوال العلماء وأدلة السنة، مع بيان الحالات المختلفة وأثرها على الصلاة والصيام والطهارة، لتزويد القارئ بدليل شامل وواضح.

حكم الكدرة والصفرة قبل الحيض وبعده: ضوابط شرعية ومعايير عملية
حكم الكدرة والصفرة قبل الحيض وبعده: ضوابط شرعية ومعايير عملية
  • مقدمة

    تمثل مسائل الحيض والطهارة من أدقّ أبواب الفقه التي تحتاج المرأة فيها إلى بيان واضح وتفصيل دقيق، خصوصًا مع كثرة الحالات المتجددة وتنوع الإفرازات التي قد تُشكل على النساء. ومن أكثر المسائل تداولًا: حكم الصفرة والكدرة قبل الحيض أو بعده أو المتصلة به.
    هذه المقالة تجمع خلاصة النصوص الشرعية، وفتاوى كبار العلماء، مع تحليل توسّعي يغني المحتوى ويجعله مرجعًا متكاملًا للباحثات والمهتمات بالشأن الشرعي.

  • تعريف الصفرة والكدرة وحقيقتها

    • الصفرة: ماء أصفر يخرج من المرأة.
    • الكدرة: ماء بني أو عكر يميل إلى السواد أو الكدرة.

    وهما يختلفان عن دم الحيض؛ إذ إن الحيض دم أسود له رائحة معروفة، رقيق أو ثخين بحسب حال المرأة، بخلاف هذه السوائل التي تكون إفرازات لا تنزل بالصفة الطبيعية لدم الحيض.

  • حكم الصفرة والكدرة قبل الحيض

    اتفق العلماء على أن ما تراه المرأة قبل نزول الحيض مما لا يشبه دم الحيض، ليس حيضًا.

    واستدلوا بحديث أم عطية رضي الله عنها:
    «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا»
    رواه البخاري تعليقًا، وأبو داود بلفظه.

    وقد علّق البخاري بترجمة باب: "الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض".
    والمقصود: أنها إذا سبقت الحيض ولم تكن متصلة به، فلا يُحكم لها بحكم الحيض.

    حكمها الفقهي:

    • لا تترك لها الصلاة.
    • لا تفطر بسببها.
    • تعتبر في حكم الاستحاضة ونجاستها كنجاسة البول، فتتوضأ لكل صلاة.
  • حكم الصفرة والكدرة المتصلة بالحيض

    إذا نزلت الصفرة أو الكدرة متصلة بالدم، سواء قبله أو بعده، فهذه الحالة لها حكم الحيض.

    الدليل:

    • مفهوم حديث أم عطية رضي الله عنها يدل على أن الصفرة والكدرة في زمن الحيض تعد حيضًا.
    • إجماع فقهاء السلوك والعلماء على أن العبرة بالاتصال وزمن الإمكان.

    فتوى الشيخ ابن باز:

    «أما إذا كانت هذه الخمسة متصلة بالحيض فهي من جملة الحيض، وتحتسب من العادة، وعليك ألا تصلي فيها ولا تصومي.»

    لماذا يُعدّ الاتصال موجبًا للحكم بالحيض؟

    لأن الحيض عادة متصلة، وما كان في زمنه ويحمل صفته أو جاء تابعًا له فهو منه، إذ المتقدمون يعدّون العلامة الزمنية مرجّحًا مهمًا في تحديد الحكم.

  • حكم الصفرة والكدرة بعد الطهر

    إذا رأَت المرأة الطهر بإحدى علامتيه ثم ظهرت الصفرة أو الكدرة، فهي ليست من الحيض قطعًا.

    أدلة الحكم:

    1.    قول أم عطية رضي الله عنها:
    «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا»
    رواه البخاري وأبو داود.

    2.    إجماع الفقهاء على أن الحيض ينتهي برؤية الطهر.

    النتيجة العملية:

    • تصلي المرأة وتصوم.
    • تكون في حكم المستحاضة.
    • تتطهّر بالوضوء لكل صلاة بعد الاستنجاء.
    • يجوز لزوجها مباشرتها.
  • العلامة الدالة على انتهاء الحيض؟

    هناك علامتان للطهر:

    1. القَصَّة البيضاء

    ماء أبيض ناصع تراه المرأة بعد انتهاء الحيض تمامًا.

    قالت عائشة رضي الله عنها للنساء:
    «لا تَعْجَلْنَ حتّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضاء»
    أخرجه البخاري معلقًا.

    2. الجفوف

    أن تُدخل المرأة قطنة فتخرج نقية لا صفرة فيها ولا كدرة.

    ولا يحل للمرأة أن تتعجل في إعلان الطهر قبل تحقق إحدى العلامتين.

  • ضوابط فقهية مهمة في فهم حكم الصفرة والكدرة

    . الاعتبار بزمن الإمكان

    زمن الحيض عند الجمهور يتراوح بين يوم وليلة إلى خمسة عشر يومًا.

    فما وقع في زمن الإمكان غالبًا يُحسب من الحيض إن اتصل به.

    2. العبرة بالاتصال

    الاتصال بالدم يحوّل حكم الإفراز إلى الحيض.

    3. صفات الإفراز

    لون الصفرة أو شدة الكدرة لا يغيّر الحكم إذا ثبت الاتصال بالحيض.

    4. الاستحاضة

    كل صفرة وكدرة تسبق الدم ولا تتصل به تعد استحاضة فقط.

  • تطبيقات عملية تساعد المرأة على ضبط هذه المسألة

    في البيئة الأسرية والعملية الحديثة، تحتاج المرأة إلى قواعد عملية تحدد بها حكم طهارتها بدقة. فيما يلي خارطة قرارات مبسطة:

    الحالة الأولى: نزلت كدرة قبل الحيض بيومين دون ظهور الدم

    → ليست حيضًا
    → صلّي وصومي وتوضئي لكل صلاة.

    الحالة الثانية: نزلت كدرة ثم نزل بعدها الدم بمدة يسيرة واتصل بها

    → حيض
    → تتركين الصلاة والصيام.

    الحالة الثالثة: رأيتِ الطهر، ثم نزلت صفرة أو كدرة

    → ليست حيضًا
    → صلّي وصومي.

    الحالة الرابعة: انتهى الحيض ولم تري القصة البيضاء لكن هناك جفوف

    → طهر
    → يجوز الاغتسال ومباشرة العبادات.

  • إضافات فقهية توسّع فهم المسألة

    1. قاعدة: الحكم يدور مع العلّة

    علّة الحيض هي نزول دم الحيض بصفته، فإذا انتفت الصفة وجدنا أن الشارع لم يلحق الصفرة والكدرة به إلا في حالتين:
    الاتصال + زمن الإمكان.

    2. قاعدة: اليقين لا يزول بالشك

    • إذا شكت المرأة هل هذه صفرة متصلة أم منفصلة؟
      فالأصل: الطهر حتى تتيقن غير ذلك.

    3. الفرق بين العادة والطبيعة

    بعض النساء تكون عادتهن وجود صفرة طويلة قبل الحيض، وهذا لا يغيّر الحكم الشرعي، لأن العبرة بالدم وليس بالعادات.

  • مسألة تطبيقية

    أولًا: إذا رأت الصفرة والكدرة قبل نزول الدم بيومين لكن في زمن الحيض

    ويقصد بـ زمن الحيض:
    الوقت الذي تتوقع فيه المرأة نزول حيضتها المعتادة، أي ضمن أيام العادة أو ضمن زمن إمكان الحيض (وهو خمسة عشر يومًا عند الجمهور).

    الحكم:

    تُعَدُّ حيضًا إذا كانت متصلة بالدم عادةً أو تُعلم بدايته بعدها بقليل.

    السبب:

    • لأن الصفرة والكدرة في زمن الحيض تعدّ حيضًا.
    • ولأن أم عطية رضي الله عنها قالت:
      «كنّا لا نعدّ الصفرة والكدرة شيئًا إلا في زمن الحيض»
      رواه البخاري تعليقًا.

    النتيجة العملية:

    • تترك الصلاة والصيام.
    • لا يحلّ لزوجها مباشرتها.
    • تُعامل معاملة الحائض كاملة.

    ثانيًا: إذا رأت الصفرة والكدرة قبل الحيض بيومين لكن قبل زمن الحيض

    أي: جاءتها الصفرة قبل موعد حيضها المعتاد، أو قبل أن يدخل الزمن الذي تُحتسب فيه عادةً، ولم تتصل بالدم بعد نزولها.

    الحكم:

    ليست حيضًا، بل هي استحاضة.

    الدليل:

    • لأن الصفرة والكدرة إذا سبقت الدم ولم تتصل به، فهي ليست حيضًا.
    • وهذا ما أفتى به الشيخ ابن باز رحمه الله:
      «إذا كانت منفصلة عن الدم فليست من الحيض، بل في حكم البول».

    النتيجة العملية:

    • تُصلي وتصوم.
    • تتوضأ لكل صلاة بعد الاستنجاء.
    • يحلّ لزوجها مباشرتها.

    ثالثًا: إذا رأت الصفرة أو الكدرة بعد انتهاء الحيض وبعد الطهر

    أي: بعد رؤية القصة البيضاء أو الجفوف الكامل.

    الحكم:

    ليست حيضًا بالإجماع.

    الدليل:

    حديث أم عطية رضي الله عنها:
    «كنّا لا نعدّ الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا»
    رواه البخاري وأبو داود.

    النتيجة العملية:

    • تُصلي وتصوم.
    • تكون في حكم المستحاضة.
    • يجب الوضوء لكل صلاة.
    • يحلّ لزوجها مباشرتها.
  • الضابط العام لاعتبار الصفرة والكدرة من الحيض

    الصفرة والكدرة قبل نزول دم الحيض تُعتبر حيضًا إذا تحقّق فيها شرطان أساسيان:

    الشرط الأول: أن تكون في زمن الحيض (وقت إمكانه أو وقت العادة)

    ومعنى زمن الحيض:

    • وقت عادة المرأة الذي تأتيها فيه الدورة غالبًا.
    • أو زمن إمكان الحيض عند الفقهاء (وهو خمسة عشر يومًا عند الجمهور).

    فإذا نزلت الصفرة أو الكدرة في هذا الزمن فهي أقرب إلى حكم الحيض.

    الشرط الثاني: أن تتصل بالدم اتصالًا ظاهرًا

    والاتصال يكون على صورتين:

    1. اتصال حكمي (تقدم يسير ثم ينزل الدم مباشرة)

    أي: ترى المرأة صفرة أو كدرة ليوم أو يومين ثم يبدأ الدم بعدها بلا فاصل طويل غير معتاد.

    2. اتصال عرفي (عادة المرأة أن تبدأ صفرتها ثم يعقبها الدم)

    حتى لو سبقت الصفرةُ الدمَ بيومين أو ثلاثة، لكن هذا غالب عادتها، فهي حيض.

    وبناءً عليه يكون الضابط:

    الصفرة والكدرة قبل الحيض تُعتبر حيضًا إذا كانت في زمن العادة أو زمن الإمكان، وتلتها رؤيةُ الدم بدون انقطاع طويل، بحيث تُعد متصلة به في العرف.

    أدلة الضابط:

    1. حديث أم عطية رضي الله عنها:

    «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا إِلَّا فِي زَمَنِ الحَيْضِ»
    رواه البخاري تعليقًا وأحمد وأبو داود بنحو معناه.

    فدلّ بمنطوقه أنّ الصفرة والكدرة خارج زمن الحيض ليست حيضًا.
    ودلّ بمفهومه أنّهما في زمن الحيض حيض.

    2. فتاوى العلماء المحققين:

    ابن باز رحمه الله:

    «إذا كانت الصفرة أو الكدرة متصلة بالحيض فهي من الحيض… وإن كانت منفصلة عنه فليست حيضًا.»

    ما معنى "الاتصال" الذي يغيّر الحكم؟

    التفسير الفقهي المعتمد:

    1. أن تأتي الصفرة والكدرة قبل الدم مباشرة أو بيوم أو يومين، ثم يعقبها الدم.

    2. ألا يوجد فاصل طاهر طويل يقطع الصلة بينهما.

    3. أن تكون المرأة في زمن يُتوقّع فيه نزول الحيض عادة.

    أمثلة توضّح الضابط:

    مثال 1:

    امرأة عادتها أن ترى الصفرة يومًا ثم ينزل الدم.
    → هذه الصفرة حيض لأنها في زمن العادة ومتّصلة بالدم.

    مثال 2:

    جاءتها صفرة قبل موعد الدورة بثلاثة أيام، ثم نزل الدم بعدها مباشرة.
    حيض لأنه في زمن الإمكان ومتصل بالدم.

    مثال 3:

    نزلت صفرة قبل الدورة بأسبوع كامل، وانقطعت 3 أيام، ثم نزل الدم.
    ليست حيضًا لأنها منفصلة ولم يتحقق "الاتصال".

    مثال 4:

    نزلت صفرة قبل 3 أيام من العادة، ثم طهرت يومين، ثم جاء الدم.
    ليست حيضًا لانعدام الاتصال.

    الصياغة الشرعية النهائية للضابط:

    كل صفرة أو كدرة سبقت دم الحيض وكانت في زمنه، واتصلت به اتصالًا يُعتدّ به عرفًا، تُعدّ حيضًا.
    وما خرجت عن زمنه أو انفصلت عنه انفصالًا بيّن، فهي استحاضة.

  • الخاتمة

    يظهر من خلال تتبع النصوص الشرعية وفتاوى العلماء أن حكم الصفرة والكدرة يعتمد على الوقت والاتصال بعين الحيض، مع ضرورة التثبت من علامة الطهر وعدم التعجل في الحكم.
    كما أن ضبط المرأة لهذه الأحكام يقدم لها منافع عملية في عبادتها ويجنبها الوساوس، ويحقق لها الاستقرار الشرعي الذي أمرها الله به، خصوصًا أن هذا الباب من أكثر أبواب العبادات حاجةً إلى الدقة والاسترشاد بأقوال أهل العلم.