شرح باب التجويد من القصيدة الجزرية

شرح علمي مفصل لباب التجويد من المقدمة الجزرية، يوضح حكم التجويد، أنواع اللحن، مراتب القراءة، وضوابط الأداء القرآني وفق منهج أهل العلم.

  • أبيات باب التجويد من القصيدة الجزرية

    من المقدّمة الجزرية
    للإمام ابن الجزري رحمه الله

    وَالأَخْذُ بِالتَّجْوِيدِ حَتْمٌ لَازِمُ
    مَنْ لَمْ يُجَوِّدِ الْقُرْآنَ آثِمُ

    لِأَنَّهُ بِهِ الإِلَهُ أَنْزَلَا
    وَهَكَذَا مِنْهُ إِلَيْنَا وَصَلَا

    وَهُوَ أَيْضًا حِلْيَةُ التِّلَاوَةِ
    وَزِينَةُ الأَدَاءِ وَالْقِرَاءَةِ

    وَهُوَ إِعْطَاءُ الْحُرُوفِ حَقَّهَا
    مِنْ صِفَةٍ لَهَا وَمُسْتَحَقَّهَا

    وَرَدُّ كُلِّ وَاحِدٍ لِأَصْلِهِ
    وَاللَّفْظُ فِي نَظِيرِهِ كَمِثْلِهِ

    مُكَمَّلًا مِنْ غَيْرِ مَا تَكَلُّفِ
    بِاللُّطْفِ فِي النُّطْقِ بِلاَ تَعَسُّفِ

    وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَرْكِهِ
    إِلَّا رِيَاضَةُ امْرِئٍ بِفَكِّهِ

  • وَالأَخْذُ بِالتَّجْوِيدِ حَتْمٌ لازِمُ مَنْ لَمْ يُصَحِّحِ الْقُرَانَ آثِمُ

    يدلّ هذا البيت دلالة صريحة على أن العمل بالتجويد ليس أمرًا تجميليًا أو اختياريًا، بل هو التزام شرعي لازم لكل من يتصدى لقراءة القرآن، خاصة القارئ والمقرئ وإمام الصلاة ومعلّم الناس.

    معنى "حتم لازم"

    أي واجب وجوبًا عينيًا في جانب التطبيق العملي، بحيث يأثم من يقرأ القرآن قراءةً تخلّ بصحته اللفظية أو تغيّر معناه، سواء كان ذلك بإبدال الحروف أو تغيير الحركات أو الوقوف في غير موضعه.

    التفريق بين التجويد العلمي والعملي

    • التجويد النظري: وهو معرفة القواعد والأحكام، وحكمه فرض كفاية.
    • التجويد العملي: وهو التطبيق أثناء القراءة، وحكمه واجب عيني.

    قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]، والأمر هنا للوجوب عند جمهور الأصوليين.

  • لِأَنَّهُ بِهِ الإِلَهُ أَنْزَلَا وَهَكَذَا مِنْهُ إِلَيْنَا وَصَلَا

    يبين الإمام الجزري أن القرآن الكريم نزل من عند الله سبحانه وتعالى مرتلًا، أي مضبوط الألفاظ، محدد المخارج، واضح الصفات، وقد نُقل إلينا كذلك بالتواتر لفظًا وأداءً.

    معنى الترتيل

    قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

    "الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف"

    فالترتيل ليس مجرد التمهل في القراءة، بل يشمل:

    • إعطاء الحروف حقوقها من المخارج والصفات.
    • مراعاة الوقوف والابتداء بما يحفظ المعنى.

       اللحن في قراءة القرآن

      تعريف اللحن

      اللحن هو الخطأ والميل عن الصواب في قراءة القرآن، وهو نوعان:

      1- اللحن الجلي

      وهو الخطأ الظاهر الذي يخلّ بالمعنى أو الإعراب، مثل:

      • إبدال حرف بحرف.
      • تغيير حركة إعرابية.
      • الوقوف في موضع قبيح.

      وحكمه: الإثم، وقد تبطل به الصلاة عند بعض الفقهاء إن غيّر المعنى.

      2- اللحن الخفي

      وهو خطأ لا يخل بالمعنى لكنه يخل بعرف القراءة، مثل:

      • ترك الغنة.
      • عدم الإخفاء أو الإدغام.
      • ترك التفخيم أو الترقيق.

      وحكمه:

      • يأثم به القارئ المتصدر للإقراء أو الإمامة.
      • لا يأثم به العامي، لكن يُعدّ تاركًا للأفضل.
  • وَهُوَ أَيْضًا حِلْيَةُ التِّلَاوَةِ وَزِينَةُ الأَدَاءِ وَالْقِرَاءَةِ

    التجويد هو الذي يمنح التلاوة رونقها، ويجعل الأداء القرآني مؤثرًا في القلوب، جامعًا بين صحة اللفظ وجمال السماع.

    الفرق بين التلاوة والأداء

    • التلاوة: قراءة القرآن متتابعًا.
    • الأداء: تلقي القراءة مشافهة عن الشيوخ.

    خامسًا: مراتب القراءة

    للقراءة ثلاث مراتب مشهورة:

    1. التحقيق: البطء مع الإشباع الكامل للمدود، وهو أنسب للتعليم.
    2. التدوير: التوسط بين البطء والسرعة.
    3. الحدر: الإسراع مع مراعاة الأحكام.

    وكلها داخلة في مفهوم الترتيل.

  • وَهُوَ إِعْطَاءُ الْحُرُوفِ حَقَّهَا مِنْ صِفَةٍ لَهَا وَمُسْتَحَقَّهَا

    • حق الحرف: صفاته الذاتية اللازمة.
    • مستحق الحرف: الصفات العارضة التي تطرأ عليه بحسب السياق.
  • وَرَدُّ كُلِّ وَاحِدٍ لِأَصْلِهِ وَاللَّفْظُ فِي نَظِيرِهِ كَمِثْلِهِ

    أولًا: قوله «وَرَدُّ كُلِّ وَاحِدٍ لِأَصْلِهِ»

    المقصود:
    إرجاع كلِّ حرفٍ إلى مخرجه الأصلي الذي خُلِق له، من غير تقديمٍ ولا تأخير، ولا ميلٍ إلى مخرجٍ مجاور.

    فلا يُنطق الحرف إلا من موضعه الصحيح في الفم أو الحلق أو اللسان أو الشفتين، مع مراعاة صفاته الملازمة له، لأن الحرف إذا أُخرج من غير مخرجه اختلّ لفظه وفسد أداؤه، وقد يترتب على ذلك لحنٌ جليٌّ أو خفيّ.

    ومن أمثلة ذلك:

    • إخراج الضاد من مخرج اللام أو الظاء، وهو خطأ شائع.
    • إخراج الطاء قريبة من التاء، فيضعف تفخيمها.
    • إخراج العين قريبة من الهمزة، فيفقد الحرف حقيقته.

    فالتجويد الحقّ يقتضي ردّ الحروف إلى أصولها الصوتية التي حدّدها أئمة هذا الفن.

    ثانيًا: قوله «وَاللَّفْظُ فِي نَظِيرِهِ كَمِثْلِهِ»

    المقصود:
    أن يُنطق الحرف إذا تكرر أو جاء في موضعٍ مماثل بنفس الكيفية والميزان دون تفاوت أو اضطراب.

    فإذا قرأ القارئ حرفًا مفخمًا في موضع، ثم جاء مثله في موضع آخر، وجب:

    • توحيد مقدار التفخيم أو الترقيق
    • توحيد مقدار المدّ
    • توحيد الغنة شدّةً وزمنًا

    وهذا يُسمّى عند أهل الأداء: توحيد المنهج في القراءة.

    مثال تطبيقي:

    إذا مدّ القارئ المدّ العارض للسكون أربع حركات في كلمة

    ﴿الْمَجِيدْ﴾

    ثم مرّ عليه مدٌّ عارض آخر مثل

    ﴿شِقَاقْ﴾

    فالسنة أن يمدّه بنفس المقدار، لا يزيد في موضع وينقص في آخر بلا سبب.

    الخلاصة العلمية للبيت

    هذا البيت يضع قاعدتين محكمتين في باب التجويد:

    1. ضبط المخرج: إخراج الحرف من موضعه الصحيح بلا تحريف.
    2. ضبط الميزان: توحيد الأداء في الحروف المتناظرة والمتشابهة.

    وبذلك تتحقق القراءة:

    • صحيحة في المخارج
    • مستقيمة في الأداء
    • متزنة بلا تكلف ولا تعسف

    وهو عين ما قصده الإمام ابن الجزري بقوله في هذا الباب. 

  • مُكَمَّلًا مِنْ غَيْرِ مَا تَكَلُّفِ بِاللُّطْفِ فِي النُّطْقِ بِلَا تَعَسُّفِ

    يحذّر الإمام من التكلف والتنطع، ويؤكد أن التجويد الحقيقي هو السهولة والعذوبة، لا المبالغة والتصنع.

    قال أبو عمرو الداني رحمه الله:

    "فليس التجويد بتمضيغ اللسان ولا بتقعير الفم..."

  • وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَرْكِهِ إِلَّا رِيَاضَةُ امْرِئٍ بِفَكِّهِ

    أي أن الفرق بين المتقن وغيره هو:

    • كثرة التكرار.
    • المداومة على القراءة.
    • التلقي من أفواه المشايخ.
  • الخاتمة

    إن علم التجويد ليس علمًا نظريًا مجردًا، بل هو ممارسة مستمرة، ومنهج حياة للقارئ مع القرآن، به يتحقق الامتثال، وتُصان الألفاظ، وتُؤدى رسالة الوحي كما أُنزلت. وكل تقصير فيه إنما هو خسارة في جودة الأداء، لا في أصل الأجر، لمن صدق واجتهد.

  • أهم المصادر والمراجع

    1. ابن الجزري، المقدمة فيما على قارئ القرآن أن يعلمه.
    2. زكريا الأنصاري، الدقائق المحكمة في شرح المقدمة.
    3. أيمن رشدي سويد، شرح المقدمة الجزرية.
    4. عزت عبيد الدعاس، فن التجويد.
    5. أبو عمرو الداني، التحديد في الإتقان والتجويد.