شرح باب صفات الحروف في القصيدة الجزرية
شرح تفصيلي شامل لباب صفات الحروف في القصيدة الجزرية للإمام ابن الجزري، مع ذكر الأبيات كاملة وشرحها بيتًا بيتًا بأسلوب علمي دقيق.
جدول المحتويات
- مقدمة
- ذكر أبيات باب صفات الحروف من القصيدة الجزرية
- "صِفَاتُهَا جَهْرٌ وَرِخْوٌ مُسْتَفِلْ ... مُنْفَتِحٌ مُصْمَتَةٌ وَالضِّدَّ قُلْ"
- "مَهْمُوسُهَا (فَحَثَّهُ شَخْصٌ سَكَتْ) ... شَدِيْدُهَا لَفْظُ (أَجِدْ قَطٍ بَكَتْ)"
- "وَبَيْنَ رِخْوٍ وَالشَّدِيدِ (لِنْ عُمَرْ) ... وَسَبْعُ عُلْوٍ (خُصَّ ضَغْطٍ قِظْ) حَصَرْ"
- "(وَصَادُ ضَادٌ طَاءُ ظَاءٌ) مُطْبَقَهْ ... وَ (فِرَّ مِنْ لُبِّ) الحُرُوفِ المُذْلَقَهْ"
- صَفِيرُهَا صَادٌ وَزَايٌ سِينُ ... قَلْقَلَةٌ (قُطْبُ جَدٍّ) وَاللِّينُ"
- "فِي (اللاَّمِ وَالرَّا) وَبِتَكْرِيرٍ جُعِلْ ... وَللتَّفَشِّي الشِّيْنُ ضَادًا اسْتُطِلْ"
-
مقدمة
باب صفات الحروف من القصيدة الجزرية يُعدّ باب صفات الحروف من أهم أبواب علم التجويد؛ إذ به يتميّز نطق الحروف المتشابهة في المخارج، ويتحقق الأداء القرآني الصحيح الذي نزل به الوحي، وتلقّاه الصحابة عن رسول الله ﷺ مشافهة. وقد اعتنى الإمام محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري رحمه الله بهذا الباب عناية بالغة، فجاء شرحه في القصيدة الجزرية جامعًا بين الإيجاز والدقة، والأصل والفرع، والقواعد والتطبيق.
والصفة لغةً: ما قام بالغير.
واصطلاحًا: الحالة التي تعرض للحرف عند النطق به.
وقد بيّن العلماء أن لمعرفة صفات الحروف ثلاث فوائد كبرى:
تمييز الحروف المشتركة في المخرج، كما قال ابن الجزري:
«كل حرف يشارك غيره في المخرج فإنه لا يمتاز عنه إلا بالصفات…»
معرفة القوي من الضعيف؛ لمعرفة ما يجوز إدغامه وما لا يجوز.
تحسين لفظ الحروف المختلفة المخارج، وهو غاية الأداء الحسن. -
ذكر أبيات باب صفات الحروف من القصيدة الجزرية
-
"صِفَاتُهَا جَهْرٌ وَرِخْوٌ مُسْتَفِلْ ... مُنْفَتِحٌ مُصْمَتَةٌ وَالضِّدَّ قُلْ"
في هذا البيت يشير الناظم إلى خمس صفات لها أضداد:
الجهر (وضده الهمس)
الرخو (وضده الشدة، وبينهما التوسط)
المستفل (وضده المستعلي)
المنفتح (وضده المطبق)
المصمتة (وضدها المذلقة)
وقوله "والضد قل" أي: سأذكر لك الأضداد في الأبيات التالية. -
"مَهْمُوسُهَا (فَحَثَّهُ شَخْصٌ سَكَتْ) ... شَدِيْدُهَا لَفْظُ (أَجِدْ قَطٍ بَكَتْ)"
الحروف المهموسة
عددها عشرة أحرف، يجمعها قول الناظم: "فحثه شخص سكت"، وهي:
الفاء
الحاء
الثاء
الهاء
الشين
الخاء
الصاد
السين
الكاف
التاء
تعريف الهمس:
لغةً: الصوت الخفي
اصطلاحًا: جريان النفس مع الحرف عند النطقه لضعف الاعتماد على المخرج
سُميت بالمهموسة لأن النفس يجري معها، فيضعف الصوت بها، فيكون فيه نوع من الخفاء.
أقوى الحروف المهموسة:
الصاد والخاء، لأن فيهما صفة الاستعلاء التي تُعد من صفات القوة.
الحروف المجهورة
ما عدا الحروف المهموسة فهو مجهور، وعددها تسعة عشر حرفًا.
تعريف الجهر:
لغةً: الإعلان والإظهار
اصطلاحًا: انحباس جريان النفس عند النطق بالحرف لقوته وقوة الاعتماد عليه في مخرجه
الحروف الشديدة
في الشطر الثاني من البيت، ذكر الناظم الحروف الشديدة وهي ثمانية أحرف، يجمعها قوله: "أجد قط بكت"، وهي:
الهمزة
الجيم
الدال
القاف
الطاء
الباء
الكاف
التاء
تعريف الشدة:
لغةً: القوة
اصطلاحًا: انحباس جريان الصوت عند النطق بالحرف لقوة الاعتماد عليه في مخرجه
فالحروف الشديدة يمتنع معها جريان الصوت لقوتها، وهي من صفات القوة.
ملاحظة مهمة:
من الحروف الشديدة ستة مجهورة واثنان مهموسان (التاء والكاف)، فالستة المجهورة اجتمع فيها قوتان: قوة الجهر وقوة الشدة. -
"وَبَيْنَ رِخْوٍ وَالشَّدِيدِ (لِنْ عُمَرْ) ... وَسَبْعُ عُلْوٍ (خُصَّ ضَغْطٍ قِظْ) حَصَرْ"
الحروف البينية (المتوسطة)
وهي الحروف التي بين الرخوة والشديدة، عددها خمسة أحرف، يجمعها قوله: "لن عمر"، وهي:
اللام
النون
العين
الميم
الراء
تعريف التوسط:
لغةً: الاعتدال
اصطلاحًا: اعتدال الصوت عند النطق بالحرف، فلا ينحبس انحباس الشديد، ولا يجري جريان الرخو
معنى العبارة:
"لن عمر" أي: يا عمر لن (أي استعمل اللين في أمورك ولا تكن فظًّا غليظًا).
الحروف الرخوة
ما عدا الحروف الشديدة والبينية فهو رخو، وعددها ستة عشر حرفًا.
تعريف الرخاوة:
لغةً: اللين
اصطلاحًا: جريان الصوت مع الحرف لضعف الاعتماد عليه في مخرجه
حروف الاستعلاء
في الشطر الثاني ذكر الحروف المستعلية وهي سبعة، يجمعها قوله: "خص ضغط قظ"، وهي:
الخاء
الصاد
الضاد
الغين
الطاء
القاف
الظاء
تعريف الاستعلاء:
لغةً: الارتفاع والعلو
اصطلاحًا: ارتفاع اللسان إلى الحنك الأعلى عند النطق بالحرف
وهذه الحروف السبعة هي حروف التفخيم على الصحيح.
معنى العبارة:
"خص ضغط قظ" أي: في القيظ (شدة الحر) خُصَّ بضغط (أي ضيق).
الحروف المستفلة
ما عدا حروف الاستعلاء السبعة فهو مستفل، وعددها اثنان وعشرون حرفًا.
تعريف الاستفال:
لغةً: الانخفاض
اصطلاحًا: انخفاض اللسان إلى قاع الفم عند النطق بالحرف -
"(وَصَادُ ضَادٌ طَاءُ ظَاءٌ) مُطْبَقَهْ ... وَ (فِرَّ مِنْ لُبِّ) الحُرُوفِ المُذْلَقَهْ"
حروف الإطباق
وهي أربعة أحرف جمعها الناظم في قوله:
الصاد
الضاد
الطاء
الظاء
تعريف الإطباق:
لغةً: الإلصاق
اصطلاحًا: إلصاق طائفة من اللسان بما يحاذيها من الحنك الأعلى عند النطق بالحرف
سميت بذلك لأنه ينطبق على مخرجها من اللسان ما يحاذيه من الحنك، وهذا من صفات القوة.
الحروف المنفتحة
ما عدا حروف الإطباق الأربعة فهو منفتح، وعددها خمسة وعشرون حرفًا.
تعريف الانفتاح:
لغةً: الافتراق
اصطلاحًا: افتراق اللسان عن الحنك الأعلى عند النطق بالحرف
حروف الإذلاق
وهي ستة أحرف يجمعها قوله: "فر من لب"، وهي:
الفاء
الراء
الميم
النون
اللام
الباء
تعريف الإذلاق:
لغةً: الطلاقة والحدة
اصطلاحًا: خروج الحرف بسرعة على طرف اللسان أو الشفة
سميت مذلقة لأن ثلاثة منها تخرج من طرف اللسان (الراء واللام والنون)، وثلاثة من طرف الشفتين (الفاء والميم والباء).
معنى العبارة:
"فر من لب" أي: اهرب من عقل (لأنه لم يحتمل الجور والظلم).
فائدة مهمة:
لا توجد كلمة عربية أصلية رباعية أو خماسية خالية من أحد حروف الإذلاق، فهي ضرورية في تركيب الكلمات الطويلة لخفتها وسهولة النطق بها.
الحروف المصمتة
ما عدا حروف الإذلاق الستة فهو مصمت، وعددها ثلاثة وعشرون حرفًا.
تعريف الإصمات:
لغةً: المنع
اصطلاحًا: منع انفراد هذه الحروف أصولاً في كلمة رباعية أو خماسية
سميت بذلك لثقلها وامتناع الكلام الطويل بها دون حروف الإذلاق. -
صَفِيرُهَا صَادٌ وَزَايٌ سِينُ ... قَلْقَلَةٌ (قُطْبُ جَدٍّ) وَاللِّينُ"
حروف الصفير
ثلاثة أحرف:
الصاد
الزاي
السين
تعريف الصفير:
لغةً: صوت يُسمع عند شرب البهائم
اصطلاحًا: صوت زائد يخرج من بين الشفتين يشبه صوت الطائر، يصاحب هذه الحروف عند النطق بها
حروف القلقلة
خمسة أحرف يجمعها قوله: "قطب جد"، وهي:
القاف
الطاء
الباء
الجيم
الدال
تعريف القلقلة:
لغةً: الاضطراب والتحرك
اصطلاحًا: اضطراب المخرج عند النطق بالحرف ساكنًا حتى يُسمع له نبرة قوية
سبب التسمية:
سميت بذلك لأنها عند سكونها تضعف فتشتبه بغيرها، فتحتاج إلى صوت زائد يشبه النبرة لتتضح، وهذا الصوت في سكونها أبين منه في حركتها.
مراتب القلقلة ثلاث:
المرتبة الأولى (الأقوى): في الحرف المشدد الموقوف عليه، مثل: {الحَقّ}
المرتبة الثانية (الوسطى): في الساكن المخفف الموقوف عليه، مثل: {وعيد}، {محيط}
المرتبة الثالثة (الأضعف): في الساكن غير الموقوف عليه، مثل: {يَقْنُطُون}، {اقْرَأ}
كيفية القلقلة:
اختلف العلماء في كيفية القلقلة على أقوال:
القول الأول (المعتمد): أن القلقلة تكون مائلة إلى الفتح مطلقًا، سواء كان ما قبلها مضمومًا أو مفتوحًا أو مكسورًا.
القول الثاني: أن القلقلة تتبع حركة ما قبلها، فإن كان مضمومًا مالت للضم، وإن كان مفتوحًا مالت للفتح، وإن كان مكسورًا مالت للكسر.
القول الثالث: أن القلقلة تتبع حركة ما بعدها.
القول الرابع: أن للقلقلة نطقًا خاصًا لا يميل لأي حركة.
والمعمول به في أكثر المدارس القرآنية هو القول الأول.
معنى "قطب جد":
يمكن أن يكون المعنى: قطب الجدي، وهو النجم القطبي الشمالي الذي يُهتدى به إلى القبلة، وحُذفت الياء للوزن.
حرفا اللين
"وَاوٌ وَيَاءٌ سَكَنَا وَانْفَتَحَا ... قَبْلَهُمَا وَالانْحِرَافُ صُحَّحَا"
حرفا اللين هما: الواو والياء الساكنتان المفتوح ما قبلهما، مثل:
الواو: {خَوْف}، {يَوْم}
الياء: {بَيْت}، {شَيْء}
تعريف اللين:
لغةً: السهولة
اصطلاحًا: إخراج الحرف من مخرجه بسهولة وعدم كلفة على اللسان
ملاحظة مهمة:
الواو والياء الساكنتان إذا انفتح ما قبلهما = حرفا لين فقط
الواو والياء الساكنتان إذا جانسهما ما قبلهما = حرفا مد ولين معًا
الألف لا تكون إلا حرف مد ولين (لأنها لا تكون إلا ساكنة مفتوحًا ما قبلها) -
"فِي (اللاَّمِ وَالرَّا) وَبِتَكْرِيرٍ جُعِلْ ... وَللتَّفَشِّي الشِّيْنُ ضَادًا اسْتُطِلْ"
حرفا الانحراف
على الصحيح هما: اللام والراء
تعريف الانحراف:
لغةً: الميل والعدول
اصطلاحًا: انحراف الحرف عن مخرجه حتى يتصل بمخرج غيره
سبب التسمية:
اللام: انحرفت عن صفتها إلى ما بين الشدة والرخاوة، وانحرف بها اللسان إلى جهة طرفه
الراء: انحرفت من مخرج النون (الأقرب إليها) إلى مخرج اللام (الأبعد منها)
واللام أقوى انحرافًا من الراء، وانحرافهما جميعًا يكون إلى الجهة اليمنى من اللسان.
حرف التكرير
"فِي (اللاَّمِ وَالرَّا) وَبِتَكْرِيرٍ جُعِلْ"
التكرير صفة خاصة بالراء فقط.
تعريف التكرير:
لغةً: الإعادة
اصطلاحًا: ارتعاد رأس اللسان عند النطق بالراء
تنبيه مهم:
التكرير صفة ذاتية لازمة للراء، لكن يجب على القارئ إخفاء هذا التكرير وعدم إظهاره، لأن إظهاره يؤدي إلى تحويل الراء الواحدة إلى عدة راءات، وهذا لحن.
كيفية إخفاء التكرير:
أن يُلصق اللافظ رأس لسانه بأعلى حنكه إلصاقًا محكمًا مرة واحدة دون ارتعاد.
التكرير في الراء المشددة:
في الراء المشددة يكون التكرير أظهر، لذا يجب التحفظ أكثر من إظهاره.
تحذير من الحصرمة:
قد يبالغ بعض القراء في إخفاء التكرير فيُخرجون الراء ممجوجة ثقيلة تشبه اللام المغلظة أو الطاء، وهذا لحن يسمى "الحصرمة"، يجب التحرز منه.
قال الإمام ابن الجزري: "وقد توهم قوم في إخفاء تكريرها مشددة، فيأتي بها محصرمة شبيهة بالطاء، وذلك خطأ لا يجوز".
الخلاصة:
المطلوب هو إخفاء التكرير بحيث لا يتبين للسامع، وليس إعدامه بالكلية.
حرف التفشي
"وَللتَّفَشِّي الشِّيْنُ"
التفشي صفة خاصة بالشين.
تعريف التفشي:
لغةً: الانتشار والاتساع
اصطلاحًا: انتشار الريح في الفم عند النطق بالشين حتى يتصل بمخرج الظاء
ملاحظة:
ذكر بعض العلماء أن التفشي موجود في حروف أخرى مثل: الفاء، الثاء، الصاد، الضاد، السين، والراء، لكن التفشي في الشين أقوى وأظهر، لذا اتفق العلماء على وصف الشين به دون غيرها.
حرف الاستطالة
"ضَادًا اسْتُطِلْ"
الاستطالة صفة خاصة بالضاد.
تعريف الاستطالة:
لغةً: الامتداد
اصطلاحًا: امتداد الصوت من أول إحدى حافتي اللسان إلى آخرها
سبب التسمية:
سمي الضاد مستطيلاً لأنه يستطيل ويمتد في مخرجه من أول الحافة إلى آخرها حتى يتصل بمخرج اللام، وذلك لما فيه من القوة بسبب اجتماع الجهر والاستعلاء والإطباق فيه.
الفرق بين الاستطالة والمد:
الاستطالة: امتداد الحرف في مخرجه المحقق مع انحصاره فيه
المد: امتداد الصوت دون انحصار في المخرج، لأن حروف المد ليس لها مخرج محقق بل مقدر