قصة سليمان عليه السلام: رحلة النبوة والملك والحكمة
اكتشف قصة النبي سليمان عليه السلام الكاملة من القرآن الكريم: ملكه العظيم، حكمته البالغة، قصته مع بلقيس ملكة سبأ، الهدهد، النملة، وبناء المسجد الأقصى. مقال شامل مع الأدلة الشرعية والدروس المستفادة للحياة المعاصرة.
جدول المحتويات
- مقدمة
- نسب سليمان عليه السلام ونشأته
- وراثة سليمان لداود عليهما السلام
- دعاء سليمان وهبة الملك العظيم
- قصة سليمان مع النملة
- قصة سليمان مع الهدهد وبلقيس ملكة سبأ
- قصة سليمان مع الشياطين
- قصة سليمان مع الخيل
- بناء المسجد الأقصى
- وفاة سليمان عليه السلام
- العبر والدروس المستفادة من قصة سليمان
- سليمان عليه السلام في الكتب السماوية الأخرى
- تطبيقات عملية من قصة سليمان في حياتنا
- أهم المصادر والمراجع
-
مقدمة
سليمان النبي الملك
تُعد قصة النبي سليمان عليه السلام من أعظم القصص القرآنية التي تجمع بين النبوة والملك والحكمة في آن واحد. فقد كان سليمان بن داود عليهما السلام نبياً ملكاً، آتاه الله من الملك ما لم يؤته أحداً من العالمين، وسخر له الجن والإنس والطير والريح، وعلمه منطق الطير ولغة الحيوان. وقصته حافلة بالعبر والدروس التي تنير للإنسان طريق الإيمان والعدل والحكمة.
ورد ذكر سليمان عليه السلام في القرآن الكريم في ستة عشر موضعاً، وخصصت له سورة كاملة تحمل اسم "سورة النمل" التي تروي جانباً مهماً من قصته مع بلقيس ملكة سبأ. كما ورد ذكره في سورة البقرة وص والأنبياء وسبأ وغيرها، مما يدل على أهمية قصته وعظم العبر المستفادة منها.
-
نسب سليمان عليه السلام ونشأته
سليمان بن داود بن إيشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عمينا داب بن رام بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. وُلد سليمان في بيت النبوة، حيث كان والده داود عليه السلام نبياً ملكاً على بني إسرائيل، فنشأ في كنف النبوة والحكم، وتربى على الفضائل والقيم الدينية العظيمة.
منذ صغره، أظهر سليمان ذكاءً حاداً وفطنة نادرة، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قصة الحكم بين الخصمين في قضية الحرث والغنم، حيث فهّم الله سليمان الحكم الصحيح وهو لا يزال صغيراً. يقول الله تعالى: "وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا".
-
وراثة سليمان لداود عليهما السلام
بعد وفاة النبي داود عليه السلام، ورث سليمان النبوة والملك من أبيه، كما قال تعالى: "وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ". والمقصود بالإرث هنا إرث النبوة والعلم والحكم، لا إرث المال، لأن الأنبياء لا يورثون المال كما جاء في الحديث الشريف: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة".
وقد كان لداود عليه السلام أبناء كثيرون، لكن الله اختار سليمان من بينهم لحمل رسالة النبوة، مما يدل على أن النبوة اصطفاء واختيار من الله تعالى، لا تورث بالنسب وحده. فبدأ سليمان عهده بالشكر لله على هذه النعمة العظيمة، وطلب من الله أن يهبه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده.
-
دعاء سليمان وهبة الملك العظيم
من أبرز ما يميز قصة سليمان عليه السلام هو دعاؤه الشهير الذي طلب فيه من الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده. يقول الله تعالى: "قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ".
استجاب الله تعالى لدعاء نبيه سليمان، فسخر له ما لم يسخره لأحد من قبله أو من بعده. ومن مظاهر هذا الملك العظيم:
تسخير الريح
سخر الله لسليمان الريح تجري بأمره حيث أصاب، رخاء حيث أراد. قال تعالى: "فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ". وكانت الريح تحمله وجنوده مسافات بعيدة في أوقات قصيرة، فتقطع في الغدو ما تقطعه القوافل في شهر، وفي الرواح ما تقطعه في شهر آخر.
تسخير الجن
سخر الله للنبي سليمان الجن يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات. قال تعالى: "وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ". وكان من بين الجن بناؤون وغواصون يستخرجون اللؤلؤ والمرجان من أعماق البحار.
إذابة النحاس
من المعجزات التي أنعم الله بها على سليمان أن أسال له عين القطر، وهو النحاس المذاب. قال تعالى: "وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ". وكان هذا من أعظم النعم التي استفاد منها في البناء والصناعة والعمران.
تعليم منطق الطير
علّم الله سليمان منطق الطير، فكان يفهم لغة الطيور ويخاطبها، وهي معجزة عظيمة لم تكن لأحد غيره. قال تعالى على لسان سليمان: "وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ".
جيش سليمان المهيب
كان لسليمان عليه السلام جيش عظيم يضم الإنس والجن والطير، منظم ومرتب أحسن تنظيم. قال تعالى: "وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ". وكانت الطير تظله من حرارة الشمس عندما يسير في الصحراء.
-
قصة سليمان مع النملة
من القصص العجيبة في حياة سليمان عليه السلام ما رواه القرآن الكريم من قصته مع النملة، والتي تدل على رحمته ورفقه بالمخلوقات الضعيفة، ودقة سمعه الذي مكنه من فهم حديث النمل.
بينما كان سليمان يسير بجيشه العظيم، سمع نملة تحذر قومها من جيش سليمان، خوفاً أن يحطمهم وهم لا يشعرون. يقول الله تعالى: "حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ".
فما كان من سليمان إلا أن تبسم ضاحكاً من قولها، وشكر الله على نعمه، ودعا ربه أن يوفقه لشكر نعمه والعمل الصالح. قال تعالى: "فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ".
-
قصة سليمان مع الهدهد وبلقيس ملكة سبأ
تعد قصة سليمان مع الهدهد وملكة سبأ من أشهر القصص القرآنية وأكثرها تفصيلاً، وقد وردت في سورة النمل بشكل مفصل يكشف عن جوانب عديدة من حياة سليمان عليه السلام وحكمته في الدعوة إلى الله.
غياب الهدهد وتفقد سليمان له
في أحد الأيام، تفقد سليمان عليه السلام الطير، فلم يجد الهدهد حاضراً دون عذر أو إذن. فتوعده بالعذاب الشديد أو الذبح إن لم يأت بعذر واضح. يقول الله تعالى: "وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ".
وفي هذا الموقف دروس عظيمة في العدل والمساواة، فسليمان مع عظمة ملكه لم يستثن أحداً من المحاسبة، حتى الطير الصغير، لكنه في نفس الوقت لم يعاقبه قبل أن يسمع منه ويتبين الأمر.
عودة الهدهد بالخبر العظيم
لم يمض وقت طويل حتى جاء الهدهد، فأخبر سليمان بخبر عظيم: إنه وجد قوماً في سبأ باليمن تحكمهم امرأة، أوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم، وقومها يسجدون للشمس من دون الله. قال تعالى على لسان الهدهد: "إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ".
إرسال الرسالة إلى ملكة سبأ
لم يستعجل سليمان في تصديق الهدهد أو تكذيبه، بل قرر التحقق من الأمر بنفسه. فكتب كتاباً إلى ملكة سبأ يدعوها فيه إلى الإسلام والخضوع لله الواحد، وأرسله مع الهدهد. قال تعالى: "قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ".
وكان نص الكتاب كما ورد في القرآن: "إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ".
حكمة بلقيس ومشاورتها لقومها
عندما وصل الكتاب إلى بلقيس ملكة سبأ، استشارت قومها في الأمر، فأشاروا عليها بالقوة والحرب. لكن حكمة بلقيس وفطنتها جعلتها تتريث، فقالت: "إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ".
فقررت أن تختبر سليمان بهدية ثمينة، لترى هل هو ملك يطمع في المال والجاه، أم نبي يدعو إلى الله. قالت: "وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ".
رفض سليمان للهدية
عندما وصل رسل بلقيس بالهدية إلى سليمان، رفضها بشدة، وأخبرهم أن ما عنده من الله خير مما عندهم، وتوعدهم بالقتال إن لم يأتوا مسلمين. قال تعالى على لسان سليمان: "أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ".
نقل عرش بلقيس
عندما علم سليمان أن بلقيس قادمة إليه، أراد أن يريها من آيات الله ما يدلها على صدق نبوته وعظمة قدرة الله. فطلب من جنوده أن يأتوه بعرشها قبل أن تصل. فقال عفريت من الجن إنه يستطيع أن يأتي به قبل أن يقوم سليمان من مقامه، ولكن رجلاً عنده علم من الكتاب قال إنه يستطيع أن يأتي به في لمح البصر.
قال تعالى: "قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي".
وعندما جاء العرش، أمر سليمان بتغيير بعض معالمه، ليختبر فطنة بلقيس ومدى تعلقها بالماديات.
إسلام بلقيس
عندما وصلت بلقيس إلى قصر سليمان، عُرض عليها العرش بعد تغييره، فعرفته وأدركت أنها أمام معجزة عظيمة. ثم دُعيت لدخول القصر، فحسبت أرضه الزجاجية الشفافة التي تجري من تحتها المياه ماءً، فكشفت عن ساقيها لتخوض فيه. قال لها سليمان: "إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ".
عندها أدركت بلقيس عظمة ما عند سليمان من العلم والملك، وأن هذا لا يكون إلا من عند الله، فأسلمت وآمنت بالله رب العالمين. قالت: "رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ".
-
قصة سليمان مع الشياطين
من القصص المهمة في حياة سليمان عليه السلام علاقته بالجن والشياطين، وكيف سخرهم الله له للعمل في خدمته. وقد وردت إشارات قرآنية متعددة إلى هذا التسخير، منها قوله تعالى: "وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ".
وكان من بين أعمال الجن والشياطين لسليمان:
- البناء والتشييد: فبنوا له المحاريب والقصور والمساجد
- النحت والصناعة: فصنعوا له التماثيل والتحف الفنية
- الغوص في البحار: لاستخراج اللؤلؤ والمرجان والكنوز
- صناعة الأواني الضخمة: كالجفان الكبيرة والقدور الثابتة
وكان الله حافظاً لهم، فمن يخالف الأمر منهم يذيقه الله من عذاب السعير. وهذا يدل على أن سليمان لم يكن يملك السيطرة المطلقة على الجن بقوته الذاتية، بل بإذن الله وتسخيره.
- البناء والتشييد: فبنوا له المحاريب والقصور والمساجد
-
قصة سليمان مع الخيل
ورد في القرآن الكريم قصة أخرى تبين مدى حب سليمان لله وتقديمه طاعة الله على كل شيء، وهي قصته مع الخيل الأصيلة. يقول الله تعالى: "وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ".
عُرضت على سليمان خيول أصيلة جميلة، فشغلته عن صلاة العصر حتى غربت الشمس. فعندما أدرك ذلك، ندم ندماً شديداً، وأمر بإرجاع الخيل، ثم مسح على سوقها وأعناقها، إما تحبباً لها بعد أن قرر التخلي عنها، أو كما قال بعض المفسرين أنه عقرها صدقة وقرباناً لله، عقاباً لنفسه على انشغاله عن الصلاة.
ابتلاء سليمان وعودته
ذكر الله تعالى في القرآن أن سليمان أُصيب بابتلاء عظيم، فألقى الله على كرسيه جسداً ثم تاب وأناب. قال تعالى: "وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ".
اختلف المفسرون في تحديد طبيعة هذا الابتلاء، لكن الثابت أنه كان اختباراً من الله لنبيه سليمان، ليذكره بأن الملك والسلطان كله بيد الله، وأن العبد مهما أوتي من قوة وملك يظل محتاجاً إلى الله، خاضعاً لإرادته. وكان سليمان عليه السلام سريع الإنابة والتوبة، فعاد إلى الله وتضرع إليه.
-
بناء المسجد الأقصى
من أعظم أعمال سليمان عليه السلام بناء المسجد الأقصى المبارك في بيت المقدس. وقد بناه بعد أن بدأ أبوه داود عليه السلام بوضع أساساته. واستمر البناء سنوات طويلة، وشارك فيه الإنس والجن بإشراف سليمان.
جاء في الحديث الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "أي مسجد وضع في الأرض أولاً؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة". وفي رواية أن سليمان عليه السلام هو الذي أتم بناءه وجدده.
وكان المسجد الأقصى قبلة الأنبياء ومحل عبادتهم، وهو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومن أعظم المساجد في الإسلام.
-
وفاة سليمان عليه السلام
كانت وفاة سليمان عليه السلام آية من آيات الله الدالة على قدرته، وفيها درس بليغ للجن الذين كانوا يدعون علم الغيب. يقول الله تعالى: "فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْم
توفي سليمان عليه السلام وهو متكئ على عصاه يتعبد ويصلي، فبقي واقفاً على حاله، والجن تعمل لحسابه ظناً منها أنه لا يزال حياً يراقبهم. واستمر هذا الحال حتى أكلت الأرضة (دودة الخشب) العصا، فسقط جسده الطاهر. عندها علم الجن والناس أنه قد توفي منذ مدة طويلة، وتبين للجن أنهم لا يعلمون الغيب، إذ لو كانوا يعلمونه ما لبثوا في العمل الشاق كل تلك المدة.
وقد ذكر بعض المؤرخين أن سليمان عليه السلام توفي عن عمر يناهز الثلاث والخمسين سنة، وأنه حكم أربعين سنة.
-
العبر والدروس المستفادة من قصة سليمان
الشكر على النعم
كان سليمان عليه السلام مثالاً أعلى في شكر النعم، فرغم ما آتاه الله من الملك العظيم، كان دائم الشكر لله، معترفاً بفضله وإحسانه. وهذا يعلمنا أن العبد كلما زادت نعم الله عليه، وجب عليه أن يزداد شكراً وحمداً لله.
التواضع مع القوة
مع ما كان لسليمان من القوة والسلطان والجيش العظيم، كان متواضعاً لله ولعباده، يعدل بين رعيته، ويحاسب نفسه على التقصير. وموقفه مع النملة أعظم دليل على ذلك، حيث توقف بجيشه العظيم حتى لا يؤذي النمل.
العدل والمساواة
علمتنا قصة سليمان مع الهدهد أن العدل يجب أن يكون بين جميع المخلوقات، صغيرها وكبيرها، قويها وضعيفها. فلم يعاقب سليمان الهدهد قبل أن يسمع منه ويتبين الأمر، رغم أنه مجرد طائر صغير.
الحكمة في الدعوة
أظهر سليمان حكمة بالغة في دعوة ملكة سبأ إلى الإسلام، فلم يستخدم القوة أولاً، بل أرسل إليها رسالة لطيفة، ثم أراها من آيات الله ما أقنعها بالحق. وهذا يعلمنا أن الحكمة واللين أبلغ في الدعوة من القوة والعنف.
زوال الملك وبقاء العمل الصالح
توفي سليمان وزال ملكه العظيم، لكن بقيت أعماله الصالحة وآثاره الطيبة، كبناء المسجد الأقصى، وتعليمه للناس، ودعوته إلى الله. وهذا يعلمنا أن العمل الصالح هو الباقي الذي ينفع الإنسان بعد موته.
عدم علم الجن بالغيب
كشفت وفاة سليمان حقيقة مهمة، وهي أن الجن لا يعلمون الغيب، ولا يدرون ما يحدث إلا بإعلام الله لهم. وهذا رد على من يدعي أن الجن يعلمون الغيب أو يستطيعون الإخبار عما سيحدث في المستقبل.
-
سليمان عليه السلام في الكتب السماوية الأخرى
ذُكر سليمان عليه السلام في الكتاب المقدس (العهد القديم) في عدة أسفار، منها سفر الملوك الأول والثاني، وسفر الأمثال، ونشيد الإنشاد، وسفر الجامعة. وتتفق الروايات الكتابية مع الرواية القرآنية في كثير من الجوانب، كحكمة سليمان وملكه العظيم، لكن القرآن الكريم نزّه سليمان عن كثير مما نسبته إليه الإسرائيليات من الأكاذيب والافتراءات.
ففي القرآن الكريم، جاء رد صريح على من نسب إلى سليمان السحر والكفر، حيث قال تعالى: "وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ".
-
تطبيقات عملية من قصة سليمان في حياتنا
في القيادة والإدارة
تعلمنا قصة سليمان أن القائد الناجح هو من يجمع بين القوة والرحمة، والحزم واللين، والعدل والإحسان. فكان سليمان قوياً في حماية ملكه ودعوته، لكنه في نفس الوقت رحيماً حتى بالنمل والطير.
في التعامل مع النعم
يجب علينا أن نكون شاكرين لله على نعمه مهما كانت، صغيرة أو كبيرة، وأن نستخدم هذه النعم في طاعة الله لا في معصيته. فسليمان استخدم ملكه العظيم في الدعوة إلى الله وعمارة الأرض وإقامة العدل.
في طلب العلم والحكمة
كان سليمان حريصاً على العلم والحكمة، وقد علمه الله منطق الطير وآتاه الحكمة والعلم. ويجب علينا أن نكون طلاباً للعلم النافع الذي يقربنا إلى الله وينفع الناس.
في الدعوة إلى الله
استخدم سليمان الحكمة في دعوة ملكة سبأ، فلم يستعجل ولم يستخدم العنف، بل تدرج معها حتى اقتنعت بالحق. وهذا درس لكل داعية أن يكون حكيماً في دعوته، متدرجاً مع المدعوين.
-
أهم المصادر والمراجع
1. القرآن الكريم - سورة البقرة، الأنبياء، النمل، سبأ، ص
2. صحيح البخاري - كتاب أحاديث الأنبياء، باب قصة سليمان بن داود عليهما السلام
3. صحيح مسلم - كتاب الأدب، باب الأمر بالاستئذان
كتب التفسير
4. تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) - محمد بن جرير الطبري
5. تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم) - إسماعيل بن عمر بن كثير
6. تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) - محمد بن أحمد القرطبي
7. التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) - فخر الدين الرازي
8. تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن) - عبد الرحمن بن ناصر السعدي
9. في ظلال القرآن - سيد قطب
كتب قصص الأنبياء
10. البداية والنهاية - الحافظ ابن كثير، دار إحياء التراث العربي
11. قصص الأنبياء - ابن كثير، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، دار الكتب العلمية
12. قصص الأنبياء - عبد الوهاب النجار، مكتبة دار التراث
13. قصص القرآن - محمد علي الصابوني، دار القلم
كتب السيرة والتاريخ
14. تاريخ الطبري (تاريخ الرسل والملوك) - محمد بن جرير الطبري
15. تاريخ ابن خلدون (ديوان المبتدأ والخبر) - عبد الرحمن بن خلدون
16. الكامل في التاريخ - ابن الأثير
مراجع حديثة
17. القصص القرآني: عرض وقائع وتحليل أحداث - صلاح الخالدي، دار القلم، دمشق
18. الدروس المستفادة من قصص القرآن الكريم - عبد الكريم زيدان
19. روائع البيان في تفسير آيات الأحكام - محمد علي الصابوني
مواقع إسلامية موثوقة
20. موقع الدرر السنية - www.dorar.net
21. موقع إسلام ويب - www.islamweb.net
22. موقع طريق الإسلام - www.islamway.net
23. موقع المكتبة الشاملة - www.shamela.ws
24. موقع الإسلام سؤال وجواب - www.islamqa.info