ما يُقال عند الولادة وتألُّم المرأة بها
مقالة شرعية وافية تبيّن ما يُقال عند الولادة وتألّم المرأة بها، مع ذكر دعاء الكرب الصحيح، والآيات الواردة، وأقوال السلف في الرقية وتيسير الولادة، وبيان الضوابط الشرعية بين الدعاء والأخذ بالأسباب.
جدول المحتويات
-
مقدمة
تُعدّ الولادة من أعظم الابتلاءات الجسدية والنفسية التي تمرّ بها المرأة، وقد قرنها القرآن الكريم بالضعف والمشقة، وجعلها من المواطن التي يظهر فيها افتقار العبد إلى ربه غاية الافتقار. ومن رحمة الله تعالى أن فتح في هذه الحال باب الدعاء، والذكر، والرقية المشروعة، دون أن يقيّد ذلك بنصوص مخصوصة لم تثبت، بل جعل الأصل هو صدق اللجوء إليه، وحسن الظن به، مع الأخذ بالأسباب المشروعة.
-
الإكثار من دعاء الكرب عند المخاض
المخاض كربٌ حقيقي، ولذلك يُشرع الإكثار فيه من دعاء الكرب الثابت عن النبي ﷺ.
نص دعاء الكرب الصحيح:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:
«كان النبي ﷺ يدعو عند الكرب يقول:
لا إله إلا الله العظيم الحليم،
لا إله إلا الله رب العرش العظيم،
لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم»المصدر:
- رواه البخاري (6345)
- رواه مسلم (2730)
وهذا الدعاء ليس خاصًا بالولادة، لكنه عام لكل شدة، وتدخل فيه آلام الولادة دخولًا أوليًا من حيث المعنى.
- رواه البخاري (6345)
-
المرأة حال الولادة في مقام الاضطرار
المرأة إذا تعسّرت ولادتها بلغت حالًا من الضعف والاحتياج تُعدّ من الاضطرار، وقد وعد الله بإجابة دعاء المضطر.
قال الله تعالى:
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾
[سورة النمل: 62]وهذه الآية أصل عظيم في فتح باب الرجاء، وتثبيت قلب المرأة أثناء المخاض.
-
ما ورد في القراءة عند المرأة وقت الولادة
روى ابن السني رحمه الله في عمل اليوم والليلة عن فاطمة رضي الله عنها:
«أن رسول الله ﷺ لما دنا ولادها أمر أم سلمة وزينب بنت جحش أن يأتيا فيقرآ عندها آية الكرسي، و(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ...) إلى آخر الآية، ويعوذاها بالمعوذتين».
الآية المقصودة كاملة:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأعراف: 54]وهذا يدل على مشروعية القراءة والرقية عند الولادة، لا على تخصيص هذه الآية بذاتها لتيسيرها.
وقد أورده النووي في كتابه الأذكار، وقال عنه:سنده ضعيف
-
الرقية الشرعية وضوابطها
الرقية حال الولادة مشروعة إذا كانت:
- بكلام الله تعالى
- أو بأسمائه وصفاته
- أو بالأدعية الثابتة
- مع سلامة الاعتقاد بأن الشفاء من الله وحده
ولا يجوز الجزم بتأثير صيغة أو آية معينة بذاتها دون دليل.
- بكلام الله تعالى
-
ما ورد عن السلف في تيسير الولادة
ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه:
كان يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادتها في إناء نظيف:
«لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين»
ويكتب معها قول الله تعالى:
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾كما ذكر أثر عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في دعاء عيسى عليه السلام، وهو من باب التجربة عند السلف لا من باب التشريع العام.
-
كتابة القرآن وشربه عند بعض السلف
نقل ابن القيم أن جماعة من السلف رخصوا في كتابة بعض القرآن وشربه للتداوي، إذا كان في إناء نظيف، ومن غير امتهان.
وذكر قوله تعالى:
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾
[سورة الانشقاق: 1–4] -
لا يوجد دعاء أو آية مخصوصة لتيسير الولادة
من المهم تقرير أصل شرعي واضح:
لا توجد آية ولا دعاء ثابت صحيح مخصوص لتيسير الولادة بعينها، وإنما المشروع هو عموم الدعاء.وقد دلّ القرآن على أن الفرج يكون بالدعاء الصادق، كما في قصة زكريا عليه السلام.
قال الله تعالى:
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾
[سورة الأنبياء: 89–90]وقال تعالى:
﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾
[سورة مريم: 9] -
الجمع بين الدعاء والأخذ بالأسباب
من كمال التوكل:
- الإكثار من الدعاء
- الرقية المشروعة
- مراجعة الأطباء
- الأخذ بالأسباب الطبية
فالتداوي لا ينافي التوكل، بل هو من تمامه.
- الإكثار من الدعاء
-
خاتمة
إن ما يُقال عند الولادة وتألُّم المرأة بها يقوم على الدعاء، والذكر، والرقية المشروعة، واليقين بالله، دون تعلّق بصيغ مخصوصة لم تثبت بدليل صحيح. والمرأة في هذه اللحظات أقرب ما تكون إلى ربها، والله سبحانه لطيف بعباده، قريب من دعائهم، مجيب لاضطرارهم.
والله أعلم.