حكم الإفطار في السفر في رمضان

حكم الإفطار في السفر في رمضان مع بيان أقوال الفقهاء، وشروط الإفطار، وحكم من بدأ الصيام ثم أفطر، وهل تجب الكفارة أو القضاء، دراسة فقهية موثوقة.

حكم الإفطار في السفر في رمضان
حكم الإفطار في السفر في رمضان
  • مقدمة

    راعت الشريعة الإسلامية أحوال المكلفين، وبنت تشريعاتها على قاعدة رفع الحرج ودفع المشقة، فجاءت أحكامها متوازنة بين العزيمة والرخصة، ومن أبرز مظاهر هذا التيسير: رخصة الإفطار في السفر. وقد شكّلت هذه المسألة محورًا فقهيًا مهمًا، لتعدد صور السفر واختلاف أحوال الصائمين، مما أوجب بيان الحكم بدقة، مع تحرير محل النزاع، وذكر أقوال أهل العلم وأدلتهم.

  • رخصة الإفطار في السفر وأصلها الشرعي

    أصل رخصة الإفطار في السفر ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.

    من القرآن الكريم

    قال الله تعالى:

    ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾
    (سورة البقرة: 185)

    وهذه الآية أصلٌ في تشريع الرخصة، ودليل صريح على أن السفر عذر معتبر شرعًا يُبيح الفطر.

    من السنة النبوية

    عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:

    «سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ»
    رواه مسلم.

  • تعريف السفر المبيح للإفطار

    اتفق الفقهاء على أن السفر الذي تُباح فيه رخصة الإفطار هو السفر الطويل الذي تُقصر فيه الصلاة.

    • وقدّره جمهور الفقهاء بمسافة تقارب ثمانين إلى تسعة وثمانين كيلومترًا.
    • ويشترط أن يكون السفر مباحًا، فلا تُستباح الرخصة بسفر معصية عند جمهور العلماء.
  • حكم الصيام في السفر

    اتفق الأئمة الأربعة على جواز الصيام في السفر، وأنه صحيح مُجزئ، لكنهم اختلفوا في الأفضلية:

    1. الصوم أفضل

    وهو قول الحنفية والشافعية، بشرط عدم المشقة، واستدلوا بفعله ﷺ في بعض أسفاره.

    2. الفطر أفضل

    وهو مذهب الحنابلة، لما فيه من الأخذ بالرخصة، ولقول النبي ﷺ:

    «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ»
    فيمن شقّ على نفسه بالصيام مع المشقة.
    رواه مسلم.

    3. التخيير بين الصوم والفطر

    وهو قول طائفة من أهل العلم، لحديث حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه:

    «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»
    متفق عليه.

  • حكم من نوى الصيام ليلًا ثم أفطر أثناء السفر

    هذه من أدق مسائل الباب، وقد وقع فيها الخلاف بين الفقهاء:

    أقوال الفقهاء

    1. الحنفية والمالكية

    ذهبوا إلى أنه لا يجوز له الفطر إذا أصبح صائمًا، فإن أفطر:

    • عند الحنفية: عليه القضاء فقط.
    • عند المالكية: عليه القضاء والكفارة.

    2. الشافعية والحنابلة (وهو الراجح)

    ذهبوا إلى جواز الفطر للمسافر ولو كان قد نوى الصيام من الليل، ولا إثم عليه، ولا كفارة، وإنما القضاء فقط.

    أدلتهم

    استدلوا بحديث جابر رضي الله عنه:

    «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم… فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب، والناس ينظرون»
    رواه مسلم.

    قال النووي:

    “وفيه جواز الفطر للمسافر بعد أن أصبح صائمًا، وهو الصحيح في المذهب”.

    وقال ابن قدامة في المغني:

    “من نوى الصوم في سفره فله الفطر… وهذا نص صريح لا يُعرَّج على ما خالفه”.

  • هل تجب الكفارة على المسافر إذا أفطر؟

    الراجح عند جمهور العلماء:

    • لا كفارة على المسافر إذا أفطر، سواء كان الفطر بالأكل أو الشرب أو الجماع.
    • لأن الفطر وقع بعذر شرعي معتبر.

    قال ابن عبد البر في التمهيد:

    “وقال أبو حنيفة والشافعي وداود والطبري والأوزاعي والثوري: لا كفارة عليه”.

  • حكم الإفطار بالجماع أثناء السفر

    ذهب الحنابلة إلى أن:

    • للمسافر أن يفطر بما شاء، حتى بالجماع.
    • ولا كفارة عليه؛ لأن سبب الفطر (السفر) قائم.

    وهذا مبني على قاعدة:

    “من أبيح له الأكل أبيح له الجماع”.

  • شروط إفطار المسافر في رمضان

    يشترط لجواز الإفطار ما يلي:

    1.   أن يكون السفر مباحًا.

    2.   أن يبلغ المسافة المعتبرة شرعًا.

    3.   أن يبدأ الإفطار بعد مفارقة عمران البلد.

    4.   أن يكون السفر حقيقيًا لا صوريًا.

  • خاتمة

    يتبيّن من مجموع النصوص والأقوال أن الإفطار في السفر رخصة ثابتة شرعًا، وأن الراجح جواز فطر المسافر ولو بدأ يومه صائمًا، دون إثم أو كفارة، مع وجوب القضاء. وهذا من محاسن الشريعة، التي بُنيت على اليسر، ورفع الحرج، وتحقيق مقاصد العباد في دنياهم وأخراهم.