الوضوء مع الكحل: الحكم الشرعي، الضوابط الفقهية، ودفع الوسوسة
حكم الوضوء مع الكحل في الإسلام، هل الكحل يمنع وصول الماء؟ الفرق بين اللون والجرم، أقوال العلماء، علاج الوسوسة، وحكم الكحل الحديث بالتفصيل.
-
مقدمة
تُعد مسألة الوضوء مع الكحل من القضايا التي يكثر السؤال عنها، لا سيما عند النساء، بسبب اختلاف أنواع الكحل ومستحضرات التجميل الحديثة، وما يترتب على ذلك من تساؤلات حول صحة الوضوء والغسل، وهل الكحل يُعد حائلًا يمنع وصول الماء إلى البشرة أم لا.
وتزداد الإشكالية حين تتداخل المسألة الفقهية مع الوسوسة القهرية في الطهارة، مما يوقع المكلف في عنت ومشقة لم يرد بها الشرع.تهدف هذه المقالة إلى تقديم إطار فقهي واضح، يضبط المسألة بضوابطها الشرعية، ويُزيل الإشكال، ويُعيد الطمأنينة للمكلف، مع بيان أقوال العلماء المعتمدين، وربط الحكم بمقاصد الشريعة وقاعدة رفع الحرج.
-
الأصل الشرعي في الوضوء وغسل الوجه
الأصل في الوضوء أن يصل الماء إلى البشرة في الأعضاء المفروضة، ومن ذلك الوجه، لقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾
[المائدة: 6]ويدخل في مسمى الوجه:
- الجبهة
- الخدان
- الأنف
- الفم
- الجفون
- ما حول العين
- الحاجبان وأهداب العين
وعليه، فإن أي مادة تمنع وصول الماء إلى هذه المواضع تعد حائلًا يؤثر في صحة الوضوء.
- الجبهة
-
التفريق الفقهي بين اللون والجرم
اتفق أهل العلم – قديمًا وحديثًا – على قاعدة محورية في هذا الباب، وهي:
التفريق بين ما له لون فقط، وما له جرم يمنع وصول الماء
1. ما كان لونًا بلا جرم
وهو:
- الصبغ
- الأثر
- اللون المتشرب في البشرة
- ما لا يُكوّن طبقة عازلة
حكمه:
لا يمنع صحة الوضوء ولا الغسل، باتفاق المعاصرين تقريبًا.2. ما كان له جرم أو طبقة
وهو:
- ما يُكوِّن غشاءً
- ما يمنع مباشرة الماء للبشرة
- ما يمكن نزعه كطبقة مستقلة
حكمه:
يجب إزالته قبل الوضوء أو الغسل. - الصبغ
-
حكم الوضوء مع الكحل عند أهل العلم
قول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله
سُئل رحمه الله:
هل الكحل مانع من وصول الماء في الوضوء؟
فأجاب:«ما كان مثل الحبر ونحوه من الألوان فليس بمانع، حتى وإن جرى إذا أصابه ماء، وما كان له جرم أو طبقة كثيفة فلا بد من إزالته عند الوضوء»
(مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين)وهذا النص يُعد ضابطًا فقهيًا معتمدًا في المسألة.
-
الكحل المعاصر (كحل القلم الجاف) والحكم عليه
الكحل المعروف اليوم – مثل:
- كحل القلم
- الكحل الجاف
- الكحل التجاري الشائع
يمر بمرحلتين:
1. عند وضعه: يكون صبغًا دقيقًا.
2. بعد مدة: قد يظهر أثر لوني، وقد يظهر معه فتات يسير عند المسح.
هل هذا الفتات يُعد جرمًا؟
- هذا الفتات ليس طبقة متصلة مانعة
- لا يُغطي البشرة تغطية تامة
- لا يمنع جريان الماء
- يظهر فقط عند الاحتكاك والمسح
وعليه:
الأقرب فقهيًا أن هذا لا يُعد حائلًا معتبرًا يمنع صحة الوضوء
- كحل القلم
-
مسألة الحائل اليسير وأثرها في الوضوء
ذهب عدد من أهل العلم، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية، إلى:
العفو عن الحائل اليسير الذي يشق التحرز منه
خصوصًا إذا:
- كان يسيرًا
- غير متيقن المنع
- لم يُقصد به التحايل
- ترتب على إزالته مشقة أو وسوسة
وهذا القول معتبر وقوي، ويُعمل به خاصة في حالات الابتلاء بالوسواس.
- كان يسيرًا
-
حكم الموسوس في هذه المسألة
من القواعد المقررة عند أهل العلم:
أن الموسوس يُؤمر بالأخذ بأيسر الأقوال المعتبرة
لأن:
- الوسوسة مرض
- والتشديد يزيدها
- والشرع جاء بالعافية لا بالتعذيب
وقد نص العلماء على:
- أن تتبع الرخص للموسوس علاج لا تتبع هوى
- وأنه مأجور على مجاهدة نفسه
توجيه نفسي شرعي
الانشغال الزائد بالطهارة:
- ليس من الورع
- ولا من التقوى
- بل قد يكون من مداخل الشيطان
قال تعالى:
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾
[الحج: 78]والدين بُني على:
- اليقين
- لا الشك
- ولا التفتيش القهري
- ليس من الورع
- الوسوسة مرض
-
خاتمة
مسألة الوضوء مع الكحل ليست مسألة معقدة في أصلها، لكن تعقيدها يأتي من الوسوسة لا من الفقه.
والكحل المعروف اليوم – ما لم يكن طبقة عازلة واضحة – لا يمنع صحة الوضوء، ولا يُطلب من المسلم تتبع الأثر والفتات، ولا إعادة الطهارة بسبب شكوك غير منضبطة.نسأل الله أن يشرح الصدور، ويذهب الوساوس، ويجعل عبادتنا قائمة على العلم واليقين، لا على العنت والاضطراب.
-
أهم المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين
- فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
- فتاوى دار الإفتاء المصرية
- موقع إسلام ويب – باب الطهارة
- القواعد الفقهية الكبرى: قاعدة رفع الحرج، وقاعدة اليقين لا يزول بالشك
- القرآن الكريم