دعاء: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر، الرقية الشرعية لعلاج الألم

مقالة علمية موثقة تشرح هدي النبي ﷺ في علاج الألم بالرقية الشرعية، مع نصوص الأحاديث الصحيحة وشرح العلماء لمعانيها وأحكامها وفوائدها العملية.

  • مقدمة

    تُعد الرقية الشرعية من أعظم الوسائل العلاجية التي أرشدت إليها السنة النبوية، إذ جمعت بين التداوي المشروع والتعلق بالله تعالى، وربطت الشفاء بالتوحيد واليقين. ومن الأحاديث الجامعة في هذا الباب ما ورد في علاج الألم الجسدي بذكر مخصوص علّمه النبي ﷺ لأصحابه، وهو من النصوص الأصيلة التي تجمع بين الدلالة العقدية والتوجيه العملي.

  • نص الحديث الوارد في علاج الألم

    روى الإمام مسلم في صحيحه عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه:
    «أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ: ضع يدك على الذي تألَّم من جسدك وقل: باسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر»
    — رواه مسلم (2202).

    ورواه أحمد (16268)، وأبو داود (3891)، وابن ماجه (3522) بلفظ:
    «امسحه بيمينك سبع مرات، وقل: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر».

    وقد صححه أهل العلم، ومنهم الألباني في السلسلة الصحيحة (1415).

  • شرح ألفاظ الحديث

    1 ـ قوله ﷺ: «ضع يدك على الذي تألم»

    يدل على مباشرة موضع الألم باليد؛ لأن وضع اليد يجمع بين:

    • مباشرة الموضع المصاب
    • استحضار النية واليقين
    • تركيز القلب والدعاء

    وقد سُئل العلماء: هل يشترط اليمنى؟
    فأجابوا: الأفضل اليمنى؛ لأنها أشرف، لكن لو وضع اليسرى جاز.

    2 ـ قوله: «باسم الله ثلاثًا»

    التسمية تتضمن:

    • الاستعانة بالله
    • الاستشفاء باسمه
    • إعلان التوكل عليه

    وتكرارها ثلاثًا يدل على تأكيد المعنى وترسيخ الاستحضار القلبي.

    3 ـ قوله: «أعوذ بعزة الله وقدرته»

    هذا من أعظم صيغ الاستعاذة؛ لأنه جمع بين:

    • صفة العزة: التي لا يُغلب صاحبها
    • صفة القدرة: التي لا يعجزها شيء

    فالمستعيذ يلتجئ إلى ربٍ كامل القدرة لا يقهره مرض ولا يعجزه شفاء.

    4 ـ قوله: «من شر ما أجد وأحاذر»

    يشمل أمرين:

    • الشر الحاضر: وهو الألم الموجود
    • الشر المتوقع: وهو ما يخاف حدوثه

    فالدعاء جامع لدفع الواقع والمستقبل.

    5 ـ قوله: «سبع مرات»

    التكرار سبعًا له حكمة شرعية، وقد ذكر العلماء أن للعدد سبعة خصوصية في أبواب كثيرة من الشريعة، مثل:

    • الطواف سبعًا
    • السعي سبعًا
    • رمي الجمار سبعًا

    وقد أشار بعض أهل العلم إلى أن التكرار في العلاج يزيد تأثيره كما تتكرر جرعات الدواء.

  • شرح العلماء لمعنى الحديث

    قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في شرح رياض الصالحين (4/483):

    ينبغي للإنسان إذا أحس بألم أن يضع يده على هذا الألم، ويقول: بسم الله ثلاثًا، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر سبع مرات، فإذا قاله موقنًا مؤمنًا به؛ فإنه يسكن الألم بإذن الله، وهذا أبلغ من الدواء الحسي.

    وهذا يدل على أن أثر الرقية مرتبط بأمرين:

    • صدق اليقين
    • حضور القلب

    فليست الألفاظ وحدها هي المؤثرة، بل ما يقوم بالقلب من إيمان.

  • هل الرقية تغني عن العلاج الطبي؟

    المنهج النبوي قائم على الجمع لا التعارض، فالرقية:

    • سبب شرعي
    • والدواء سبب حسي

    وقد كان النبي ﷺ يتداوى ويأمر بالتداوي، فقال:
    «تداووا عباد الله» — رواه أحمد.

    فمن الخطأ ترك الطب بدعوى الاكتفاء بالرقية، كما أن من الخطأ ترك الرقية والاعتماد على الطب وحده.

  • طريقة تطبيق الرقية عمليًا

    يمكن تلخيص الطريقة النبوية في خطوات عملية:

    1.   وضع اليد على موضع الألم

    2.   قول: بسم الله ثلاث مرات

    3.   قول سبع مرات:
    أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر

    4.   استحضار اليقين بالشفاء

    5.   تكرارها عند الحاجة

    ولا يشترط النفث؛ لأنه لم يُذكر في هذا الحديث.

  • لماذا الرقية مؤثرة؟

    تأثير الرقية يقوم على ثلاثة أركان:

    1 ـ تأثير الذكر

    كلام الله وأسماؤه لها أثر روحي عظيم.

    2 ـ تأثير التوكل

    الاعتماد على الله يورث طمأنينة نفسية تخفف الألم.

    3 ـ تأثير نفسي جسدي

    الإيمان والطمأنينة يقللان التوتر، والتوتر يزيد الإحساس بالألم.

    ولهذا قرر علماء النفس المعاصرون أن الحالة الإيمانية تؤثر فعليًا في الجهاز العصبي وتخفيف الألم.

  • هل يجوز أن يرقي الإنسان نفسه؟

    نعم، بل رقية الإنسان نفسه أفضل من رقية غيره؛ لأنها:

    • أقرب للإخلاص
    • أصدق في اليقين
    • أبعد عن التعلق بالمخلوق

    وقد كان النبي ﷺ يرقي نفسه، كما في الصحيحين.

  • الخاتمة

    يتبين من هذا الهدي النبوي أن علاج الألم في الإسلام ليس مجرد إجراء طبي، بل منظومة علاجية متكاملة تجمع بين:

    • الإيمان
    • الدعاء
    • الذكر
    • التداوي

    فالإنسان حين يجمع بين الرقية والطب يكون قد أخذ بالأسباب الظاهرة والباطنة، وهذا هو المنهج النبوي الكامل في التعامل مع المرض.

  • أهم المصادر والمراجع

    • صحيح مسلم — كتاب السلام، باب استحباب وضع اليد على موضع الألم.
    • مسند أحمد بن حنبل.
    • سنن أبي داود.
    • سنن ابن ماجه.
    • الألباني — السلسلة الصحيحة.
    • ابن عثيمين — شرح رياض الصالحين.
    • ابن القيم — زاد المعاد في هدي خير العباد.