حكم من قال لزوجته: إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق

تعرف على حكم من قال لزوجته إن فعلت كذا فأنت طالق، وهل يقع الطلاق أم يُعد يمينًا؟ بيان أقوال الفقهاء، أثر النية، حكم الكفارة، وضوابط الطلاق المعلّق في الشريعة الإسلامية.

حكم من قال لزوجته: إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق
حكم من قال لزوجته: إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق
  • مقدمة

    يُعدّ قول الزوج لزوجته: "إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق" من أكثر الألفاظ شيوعًا في النزاعات الزوجية، وأكثرها إشكالًا من الناحية الشرعية، لما يترتب عليه من آثار خطيرة تمسّ كيان الأسرة واستقرارها.
    وقد أولى الفقه الإسلامي هذه المسألة عنايةً كبيرة، نظرًا لتداخل النية مع اللفظ، واختلاط مقاصد المتكلم بين إرادة الطلاق حقيقةً، أو مجرد التهديد والمنع.

    تهدف هذه المقالة إلى بيان الحكم الشرعي لهذه الصيغة، مع تحرير الخلاف الفقهي، وبيان الراجح، وشرح أثر النية، وحكم الكفارة، بأسلوب علمي واضح، بعيدًا عن التهويل أو التفريط.

  • توصيف المسألة شرعًا

    مسألة قول الزوج لزوجته: «إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق» تندرج شرعًا تحت باب الطلاق المعلّق، وهو من أدقّ أبواب الفقه؛ لتعلّقه بالنية، واختلاط مقصود اللفظ بين كونه طلاقًا مقصودًا لذاته، أو يمينًا أُريد بها الحثّ أو المنع أو التهديد.

    والأصل في هذا الباب أن اللفظ واحد، لكن الحكم يختلف باختلاف القصد، وهو ما قرره جمهور المحققين من أهل العلم، عملًا بالقاعدة الكلية:

    الألفاظ المحتملة تُحمَل على نية المتكلم.

    وعليه، فقول الزوج هذا ليس حكمه واحدًا في جميع الأحوال، بل يتنوع شرعًا إلى صورتين رئيستين:

    ثانيًا: دخول المسألة تحت الطلاق المعلّق واختلاف الحكم باختلاف القصد

    الصورة الأولى: الطلاق المعلّق المقصود به إيقاع الطلاق

    وهي أن يقول الزوج هذا اللفظ قاصدًا إيقاع الطلاق حقيقةً عند حصول الشرط، سواء رضي بحصول الشرط أو كرهه.

    حكم هذه الصورة:

    • هذا طلاق معلّق صحيح.
    • يقع الطلاق بمجرد تحقق الشرط.
    • تترتب عليه جميع آثار الطلاق من:
      • العدة
      • الرجعة إن كانت الطلقة الأولى أو الثانية
      • التحريم المؤقت أو المؤبد بحسب العدد

    وهذه الصورة محل اتفاق بين الفقهاء.

    الصورة الثانية: الطلاق المعلّق المقصود به التهديد أو المنع

    وهي أن يقول الزوج: إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق، وهو لا يريد الطلاق أصلًا، وإنما يقصد:

    • التهديد
    • التخويف
    • الزجر
    • الحث أو المنع

    مع كراهته الشديدة لوقوع الطلاق، وعدم إرادته له لو تحقق الشرط.

    التكييف الفقهي لهذه الصورة:

    • هذا في حقيقته يمين بالطلاق لا طلاقًا مقصودًا.
    • وقد قرر المحققون أن:

    الطلاق لا يقع إلا إذا قصد إيقاعه، لأن الطلاق حلٌّ لعقد النكاح، ولا يكون إلا عن إرادة واختيار.

    الحكم الراجح:

    • لا يقع الطلاق عند تحقق الشرط.
    • ويكون هذا القول يمينًا.
    • تجب فيه كفارة يمين عند الحنث.

    وهذا هو اختيار جمع من الصحابة والتابعين، وهو مذهب قوي من حيث الدليل والمقصد، ويحقق حفظ الأسرة ومنع التلاعب بالألفاظ الشرعية.

  • تعريف الطلاق المعلّق

    الطلاق المعلّق هو:
    أن يربط الزوج وقوع الطلاق على شرط مستقبل، كقوله:
    "
    إن خرجتِ من البيت فأنتِ طالق"
    أو
    "
    لو ذهبتِ إلى المكان الفلاني فأنتِ طالق".

    وهذا النوع من الطلاق ينقسم – من حيث القصد – إلى قسمين رئيسين، يختلف الحكم الشرعي باختلافهما.

  • الفرق بين الطلاق المعلّق واليمين بالطلاق

    1. الطلاق المعلّق المقصود به الوقوع

    وهو أن يقصد الزوج إيقاع الطلاق فعلًا عند تحقق الشرط، سواء أحبّ وقوع الشرط أو كرهه.

    مثاله:
    أن يقول: إن خرجتِ فأنتِ طالق، وهو عازم على إنهاء الزواج إن حصل الخروج.

    حكمه:

    • يقع الطلاق عند تحقق الشرط باتفاق جمهور الفقهاء.
    • يُعدّ طلاقًا معتبرًا شرعًا، وتترتب عليه أحكامه من عدةٍ ورجعةٍ وغيرها.

    2. الطلاق المعلّق المقصود به التهديد أو المنع

    وهو أن يقول الزوج هذا اللفظ بقصد التخويف أو الزجر أو الحث أو المنع، مع كراهته الشديدة لوقوع الطلاق، وعدم إرادته له أصلًا.

    مثاله:
    أن يقول: إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق، وهو لا يريد فراقها، وإنما يريد منعها فقط.

  • حكم من قال لزوجته إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق بنية التهديد

    القول الراجح عند المحققين من أهل العلم

    ذهب جمع من كبار أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو اختيار عدد من المحققين، إلى أن:

    الطلاق المعلّق بنية التهديد أو المنع لا يقع طلاقًا، وإنما يُعدّ يمينًا، وتجب فيه كفارة يمين عند الحنث.

    وهذا مروي عن:

    • عبد الله بن عباس رضي الله عنهما
    • عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
    • عائشة رضي الله عنها
    • وهو مذهب طاووس، وعطاء
    • واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية
    • وتلميذه ابن القيم
    • وبه أفتت دار الإفتاء المصرية في العصر الحديث

    الدليل والتأصيل

    قال ابن عباس رضي الله عنهما:

    "الطلاق عن وطر، والعتق ما أُريد به وجه الله"
    رواه البخاري تعليقًا في صحيحه.

    أي: أن الطلاق لا يقع إلا إذا كان المقصود به حقيقة الطلاق، لا مجرد الحلف أو التهديد.

    كما استدلوا بقول الله تعالى:

    ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾
    سورة المائدة: الآية 89.

  • هل يقع الطلاق إذا لم تفعل الزوجة ما عُلِّق عليه؟

    إذا لم يتحقق الشرط أصلًا، فلا خلاف بين أهل العلم في:

    • عدم وقوع الطلاق
    • عدم وجوب الكفارة لأن اليمين لم تُحنث.
  • هل يقع الطلاق إذا فعلت الزوجة الشرط؟

    التفصيل:

    ·        إن كان الزوج يقصد الطلاق فعلًا:
    → يقع الطلاق عند تحقق الشرط.

    ·        إن كان يقصد التهديد أو المنع فقط:
    → لا يقع الطلاق،
    → وتجب كفارة يمين على الزوج.

  • كفارة اليمين وكيف تؤدى في الواقع المعاصر

    الأصل الشرعي لكفارة اليمين

    قال الله تعالى:

    ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾
    سورة المائدة: الآية 89.

    ترتيب الكفارة شرعًا

    الكفارة على التخيير ابتداءً بين ثلاثة أمور، ثم على الترتيب عند العجز:

    1.   إطعام عشرة مساكين

    2.   أو كسوتهم

    3.   أو تحرير رقبة (متعذر في عصرنا)

    4.   فإن عجز عن الثلاثة: صيام ثلاثة أيام

    كيفية أداء كفارة اليمين عمليًا في العصر الحاضر

    1. الإطعام (وهو الأكثر شيوعًا اليوم)

    القدر الواجب شرعًا:

    • إطعام عشرة مساكين
    • لكل مسكين:
      • نصف صاع من قوت البلد
      • وقدّره الفقهاء بما يقارب 1.5 كغ من الأرز تقريبًا

    طرق التطبيق المعاصرة:

    • شراء 10 أكياس أرز (كل كيس 1.5 كغ) وتوزيعها على الفقراء
    • أو تقديم وجبة مشبعة معتبرة لكل مسكين
    • أو التبرع بقيمة الطعام لجمعية موثوقة تقوم بالإطعام نيابةً عنه

    مهم: لا يجوز دفع المال نقدًا مباشرة بدل الطعام عند جمهور الفقهاء، إلا إذا تولت جهة موثوقة تحويله إلى طعام فعلًا.

    2. الكسوة

    وهي:

    • إعطاء كل مسكين لباسًا يُعدّ كسوة معتبرة عرفًا
    • كقميص وسروال أو ما يقوم مقامهما حسب العرف المحلي

    3. الصيام

    لا يُنتقل إلى الصيام إلا عند:

    • العجز الحقيقي عن الإطعام والكسوة

    كيفية الصيام:

    • صيام ثلاثة أيام
    • ويجوز:
      • التتابع
      • أو التفريق (والتتابع أولى)

    خامسًا: تنبيه فقهي مهم

    • كفارة اليمين لا تجب إلا عند الحنث
    • فإن لم يقع الفعل المعلّق عليه:
      • لا طلاق
      • ولا كفارة
  • حكم تعليق الطلاق شرعًا

    نصّ أهل العلم على أن تعليق الطلاق مكروه، لما فيه من:

    • تعريض الأسرة للانهيار
    • تحويل الطلاق إلى أداة تهديد
    • إشاعة القلق وعدم الاستقرار الأسري

    وقد نصّ الفقهاء على أن الأصل في معالجة الخلافات الزوجية هو الحكمة، والموعظة، والحوار، لا الأيمان المغلظة.

  • الخاتمة

    يتبيّن مما سبق أن قول الزوج لزوجته: "إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق" لا يُحكم عليه بحكمٍ واحدٍ مطلقًا، بل يختلف باختلاف النية والمقصد:

    • فإن قصد الطلاق: وقع عند تحقق الشرط
    • وإن قصد التهديد أو المنع: فهو يمين، لا طلاق، وتجب فيه كفارة عند الحنث

    وهو قول قوي مؤصّل، يراعي مقاصد الشريعة في حفظ الأسرة، ويدرأ المفاسد العظيمة الناتجة عن التوسّع في إيقاع الطلاق.

  • المصادر والمراجع

    1.   القرآن الكريم

    2.   صحيح البخاري

    3.   صحيح مسلم

    4.   ابن تيمية، مجموع الفتاوى

    5.   ابن القيم، إعلام الموقعين

    6.   موقع الإسلام سؤال وجواب

    7.   فتاوى دار الإفتاء المصرية

    8.   السرخسي، المبسوط

    9.   النووي، شرح صحيح مسلم

    10.                   ابن قدامة، المغني