حكم إفطار المسافر للنزهة والسياحة في رمضان

حكم إفطار المسافر للنزهة في رمضان بين الإباحة والمنع، دراسة فقهية مقارنة توضح شروط السفر المبيح للفطر، وأقوال العلماء، والترجيح الشرعي.

  • مقدمة

    تُعدّ مسألة إفطار المسافر في رمضان من المسائل الفقهية التي يكثر السؤال عنها، لا سيما في العصر الحديث، حيث تنوّعت أغراض السفر، ومن أبرزها سفر النزهة والسياحة. ويثور التساؤل المشروع:

    هل يُعدّ السفر بقصد الترفيه والنزهة سفرًا شرعيًا تُستباح به رخصة الإفطار، أم أن الرخصة مختصة بالسفر الجاد المرتبط بمشقة أو مصلحة معتبرة؟

    هذا المقال يعالج المسألة معالجة فقهية منهجية، من خلال النصوص الشرعية، وأقوال الفقهاء، مع بيان القول الراجح وضوابط العمل به.

  • الأصل الشرعي في رخصة إفطار المسافر

    الأصل في جواز إفطار المسافر ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.

    1. الدليل من القرآن الكريم

    قال الله تعالى:

    ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾
    (سورة البقرة: 184)

    وقال سبحانه:

    ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾
    (سورة البقرة: 185)

    وهذه الآيات نصٌّ صريح في ثبوت الرخصة للمسافر دون تقييد بغرض السفر.

    2. الدليل من السنة النبوية

    روى الإمام أحمد وأصحاب السنن عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

    «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ»
    (رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وصححه الألباني)

    والحديث يدل على أن مجرد وصف السفر سبب كافٍ لإسقاط الصيام أداءً.

  • ضابط السفر المبيح للفطر

    اتفق جمهور الفقهاء على أن السفر الذي تُستباح به رخصة الإفطار هو:

    • أن يبلغ مسافة السفر الشرعي، وقد قدّرها جمهور العلماء بنحو أربعة بُرُد، أي ما يقارب 83 كيلومترًا تقريبًا.
    • أن يكون سفرًا مباحًا، لا معصية فيه.
  • هل يُشترط كون السفر لغرض معتبر؟

    هنا محل الخلاف الفقهي، ويتعلق تحديدًا بـ سفر النزهة والسياحة.

  • أقوال الفقهاء في سفر النزهة

    القول الأول: جواز الإفطار في سفر النزهة

    وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة في رواية.

    أدلتهم:

    1.   عموم النصوص الشرعية التي علّقت الحكم على وصف السفر فقط.

    2.   أن سفر النزهة مباح شرعًا وليس معصية.

    3.   القياس على سفر التجارة، مع اختلاف المقصد ووحدة الوصف.

    قال ابن قدامة رحمه الله:

    «لأنه سفر مباح، فدخل في عموم النصوص، كالتجارة»
    (المغني، 2/52)

    القول الثاني: عدم جواز الإفطار في سفر النزهة

    وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره بعض أهل العلم.

    تعليلهم:

    • أن الرخصة شُرعت إعانة على تحصيل مصلحة أو دفع مشقة.
    • وأن سفر التنزه لا تترتب عليه مصلحة معتبرة تقتضي الترخيص.

    قال الإمام أحمد رحمه الله:

    «إذا خرج الرجل تنزهاً وتلذذاً… فإنه لا يقصر الصلاة»
    (المغني، 2/52)

  • الترجيح الفقهي

    بالنظر إلى الأدلة والقواعد الأصولية، يظهر أن:

    ·        الراجح فقهيًا:
    أن سفر النزهة والسياحة إذا كان مباحًا وبلغ مسافة السفر، فإنه يُبيح الإفطار، لدخول صاحبه في عموم النصوص.

    ·        لكن من حيث الورع والاحتياط:
    فإن صيامه أفضل إن لم تلحقه مشقة، خروجًا من الخلاف، وامتثالًا لقوله تعالى:

    ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
    (سورة البقرة: 184)

  • حكم الإفطار بعد الوصول إلى بلد الإقامة

    إذا وصل المسافر إلى بلدٍ ونوى الإقامة:

    ·        أربعة أيام فأكثر (غير يومي الدخول والخروج)
    → زال عنه حكم السفر، ويجب عليه الصيام.

    ·        أقل من أربعة أيام
    → يبقى في حكم المسافر، ويجوز له الإفطار.

    وهذا هو مذهب الجمهور، مع وجود خلاف معتبر في تحديد مدة الإقامة.

  • الخاتمة

    يتبيّن من مجموع الأدلة أن سفر النزهة والسياحة لا يمنع شرعًا من الاستفادة من رخصة الإفطار، متى تحقق وصف السفر الشرعي وكان الغرض مباحًا.
    غير أن الأفضل والأكمل ديانةً للمسلم، خاصة في السفر المريح، أن يصوم إن استطاع، تحقيقًا لمعنى العبودية، وشكرًا لنعمة التيسير، وابتعادًا عن الخلاف الفقهي.

  • أهم المصادر والمراجع

    • القرآن الكريم.
    • صحيح البخاري.
    • سنن أبي داود.
    • سنن الترمذي.
    • المغني – ابن قدامة.
    • المجموع شرح المهذب – النووي.
    • الفقه الإسلامي وأدلته – وهبة الزحيلي.
    • فتاوى كبار أهل العلم في رخص السفر.