قصة آل عمران عليهم السلام: من البشارة إلى المعجزة

قصة آل عمران الكاملة من القرآن والسنة: نذر امرأة عمران، ولادة مريم عليها السلام، كفالة زكريا، ومعجزة ولادة عيسى عليه السلام. مقالة شاملة بالمصادر الإسلامية الموثقة

  • المقدمة

    تُعد قصة آل عمران من أعظم القصص القرآنية التي خلدها الله تعالى في كتابه الكريم، وأفرد لها سورة كاملة تحمل اسم هذا البيت المبارك. إنها قصة تجمع بين الإيمان العميق، والنذر الصادق، والمعجزات الإلهية، والصبر على الابتلاء. في هذه القصة نجد امرأة صالحة نذرت ما في بطنها لخدمة بيت المقدس، فوهبها الله مريم عليها السلام، ثم جاءت المعجزة الكبرى بولادة عيسى بن مريم عليه السلام من غير أب.

    آل عمران هم أسرة مباركة اصطفاها الله عز وجل من بين العالمين، كما قال تعالى في محكم التنزيل: "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ" (آل عمران: 33). وفي هذه المقالة الشاملة، سنتناول تفاصيل هذه القصة العظيمة من خلال الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، وأقوال المفسرين والعلماء المعتمدين.

  • من هم آل عمران؟

    التعريف بعمران وأسرته

    عمران هو والد مريم عليها السلام، وكان من علماء بني إسرائيل الصالحين ومن ذرية داود عليه السلام. ذكر المفسرون أن عمران كان رجلاً صالحاً تقياً، وكانت زوجته حنة بنت فاقوذ من النساء العابدات الصالحات. عاش هذا البيت المبارك في بيت المقدس في فترة كان فيها بنو إسرائيل بحاجة ماسة إلى القدوة الصالحة والإيمان الراسخ.

    يقول الإمام ابن كثير في تفسيره: "وآل عمران المراد بهم ها هنا: عمران والد مريم بنت عمران أم عيسى ابن مريم عليهم السلام". وقد اختلف المفسرون في نسب عمران، لكن الراجح أنه من سلالة الأنبياء من بني إسرائيل، وأن الله اصطفى هذا البيت لحكمة عظيمة.

    منزلة آل عمران عند الله

    إن اصطفاء الله لآل عمران دليل على مكانتهم الرفيعة عند الله سبحانه وتعالى. فالاصطفاء يعني الاختيار والتفضيل، وقد جعلهم الله في مصاف الأنبياء والصالحين. يقول الإمام القرطبي في تفسيره: "اصطفى الله آل إبراهيم وآل عمران بالنبوة والرسالة على سائر أهل زمانهم، فكان منهم الأنبياء والرسل".

    هذا الاصطفاء ليس مجرد تشريف، بل هو تكليف ومسؤولية عظيمة، فقد حملوا أمانة الدعوة إلى الله والصبر على الابتلاء وتحمل المشاق في سبيل إعلاء كلمة الحق.

  • نذر امرأة عمران: بداية القصة

    حنة بنت فاقوذ وشوقها للذرية

    كانت حنة امرأة عمران من النساء الصالحات العابدات، وكانت عاقراً لا تلد. في يوم من الأيام، وهي جالسة في ظل شجرة، رأت طائراً يطعم فراخه، فتحركت في قلبها عاطفة الأمومة، واشتاقت إلى أن يرزقها الله الولد. فرفعت يديها إلى السماء داعية الله أن يهبها الذرية الصالحة.

    يقول الإمام الطبري في تفسيره: "وكانت امرأة عمران عجوزاً عاقراً، فرأت يوماً طائراً يزق فراخه، فاشتهت الولد، فدعت الله تعالى أن يهب لها ولداً". هذا الدعاء الصادق من قلب مؤمن كان بداية لسلسلة من الأحداث العظيمة التي غيرت مجرى التاريخ.

    النذر لله تعالى

    لما استجاب الله دعاءها وحملت، نذرت أن تجعل ما في بطنها محرراً لخدمة بيت المقدس، أي مُفرغاً لعبادة الله وخدمة المسجد الأقصى. يقول الله تعالى: "إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (آل عمران: 35).

    كلمة "محرراً" تعني المُعتَق من كل شيء إلا عبادة الله، فقد كانت عادة عند بني إسرائيل أن ينذر الإنسان ولده لخدمة بيت المقدس، فيتفرغ للعبادة والخدمة في المسجد دون أن ينشغل بأمور الدنيا. وهذا النذر يدل على عمق إيمان هذه المرأة الصالحة ورغبتها في أن يكون وليدها خالصاً لله تعالى.

    القبول الإلهي للنذر

    قال الله تعالى في ختام الآية: "فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"، وهذا دعاء من امرأة عمران أن يتقبل الله منها نذرها. وقد استجاب الله دعاءها بما هو خير مما كانت تظن، فقد كانت تنتظر ذكراً يخدم المسجد، لكن الله وهبها أنثى كانت من خير نساء العالمين.

    يقول الإمام السعدي في تفسيره: "وهذا من أدب الدعاء، أن يختمه الداعي بالثناء على الله تعالى بما يناسب ذلك الدعاء". فذكرت أن الله سميع لدعائها، عليم بنيتها وإخلاصها.

  • ولادة مريم عليها السلام: المفاجأة الإلهية

    خيبة الأمل الظاهرية

    لما وضعت حنة مولودتها، فوجئت بأنها أنثى وليست ذكراً كما كانت تتوقع. يقول الله تعالى: "فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" (آل عمران: 36).

    كانت حنة تعلم أن خدمة بيت المقدس كانت مقصورة على الرجال، فظنت أن الأنثى لن تستطيع القيام بهذه المهمة الشاقة. لكن الله كان يعلم ما لا تعلم، فهذه الأنثى ستكون أفضل من ألف ذكر، وستكون آية للعالمين.

    تسمية مريم والاستعاذة لها

    سمّت حنة ابنتها "مريم"، وهو اسم يعني العابدة أو الخادمة في اللغة العبرانية. ثم استعاذت بالله لها ولذريتها من الشيطان الرجيم، وهذه الاستعاذة كانت مستجابة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها" (رواه البخاري ومسلم).

    هذا الحديث الشريف يدل على عظم شأن مريم عليها السلام، وأن دعوة أمها كانت مستجابة، فحفظها الله من الشيطان منذ ولادتها. يقول الإمام النووي: "وهذا من خصائص مريم وعيسى عليهما السلام، وهو كرامة عظيمة من الله تعالى لهما".

    تقبل الله لمريم

    يقول الله تعالى: "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا" (آل عمران: 37). فتقبل الله مريم بقبول حسن رغم أنها أنثى، وأنبتها نباتاً حسناً في الخُلق والدين والعبادة. فنشأت مريم على الطاعة والعبادة والتقوى، وكانت من أفضل النساء في زمانها.

    قال ابن كثير: "أي رباها تربية حسنة، وجعلها زكية رضية، من حيث الصورة والمعنى". فكانت مريم جميلة الصورة، كاملة الأخلاق، مستقيمة السلوك، عابدة لله تعالى.

  • كفالة زكريا عليه السلام لمريم

    المنافسة على كفالتها

    لما كانت مريم من بيت مبارك ومن نذر صادق، تنافس عليها علماء بني إسرائيل وأحبارهم ليكفلوها. يقول الله تعالى: "وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا" (آل عمران: 37). وقد ذكر المفسرون أنهم اقترعوا على كفالتها، فوقعت القرعة على زكريا عليه السلام.

    كان زكريا نبياً من أنبياء بني إسرائيل، وكان زوجاً لخالة مريم (أو أختها على قول)، فكان أحق الناس بكفالتها. يقول الإمام الرازي في تفسيره: "والسبب في تنافسهم على كفالتها أنها كانت من بيت معروف بالصلاح والدين، وأيضاً لأنها كانت منذورة لعبادة الله تعالى".

    بناء المحراب لمريم

    جعل زكريا لمريم محراباً خاصاً في المسجد، وهو مكان مرتفع منعزل تتعبد فيه وتخلو بربها. يقول الله تعالى: "كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ" (آل عمران: 37). وقد كان هذا المحراب مكاناً خاصاً لا يدخله أحد إلا زكريا عليه السلام لكي يطمئن عليها ويأتيها بالطعام.

    يقول القرطبي: "المحراب: أشرف المجالس ومقدمها، وكان زكريا جعل لها مكاناً شريفاً من المسجد لا يدخله أحد غيره". وهذا يدل على حرص زكريا على حفظ مريم وصيانتها وتربيتها في مكان طاهر بعيد عن أعين الناس.

  • معجزة الرزق: طعام من عند الله

    المشهد المعجز

    من المعجزات التي ظهرت على مريم عليها السلام في صغرها أن زكريا كان كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً لم يأت به أحد. يقول الله تعالى: "كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ" (آل عمران: 37).

    ذكر المفسرون أن الرزق الذي كان يأتيها كان فواكه الصيف في الشتاء، وفواكه الشتاء في الصيف، أي طعام في غير أوانه، مما يدل على أنه من عند الله تعالى بطريقة معجزة. وهذا كان من كرامات مريم عليها السلام ومن دلائل قبول الله لها وحبه لها.

    إجابة مريم وإيمانها العميق

    عندما سألها زكريا عن مصدر هذا الطعام، أجابت بكل يقين وثقة: "هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ". فلم تنسب الفضل لنفسها ولم تدّعِ أنها تستحق هذا بعملها، بل نسبت الفضل كله لله تعالى. ثم قالت بإيمان راسخ: "إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ".

    يقول الإمام ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير": "وهذا من كمال تربيتها وكمال يقينها بالله تعالى، فقد عرفت أن الله يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب". وهذا الإيمان العميق كان سبباً في المعجزة الأكبر التي ستحدث لها لاحقاً.

    أثر هذه المعجزة على زكريا

    هذه الكرامة التي رآها زكريا في مريم كانت سبباً في تجدد رجائه في الله تعالى. فمع أنه كان شيخاً كبيراً وامرأته عاقر، إلا أنه عندما رأى قدرة الله في إتيان الرزق لمريم من حيث لا تحتسب، تيقن أن الله قادر على أن يهبه الولد رغم كبر سنه وعقم زوجته. يقول الله تعالى بعد هذه الآية مباشرة: "هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ" (آل عمران: 38).

  • البشارة بعيسى عليه السلام

    خروج مريم من المحراب

    لما كبرت مريم واشتد عودها، كانت تخرج أحياناً من المحراب لقضاء حاجتها أو للاغتسال. وفي يوم من الأيام، انتبذت (أي اعتزلت) مكاناً شرقياً، وجعلت بينها وبين قومها حجاباً. يقول الله تعالى: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا" (مريم: 16-17).

    ذكر المفسرون أنها خرجت لتغتسل من الحيض أو لتتطهر، فاختارت مكاناً شرقي المسجد بعيداً عن أنظار الناس، وجعلت ستراً بينها وبينهم حفاظاً على حيائها وعفافها.

    ظهور الملَك

    بينما كانت مريم في مكانها المنعزل، ظهر لها جبريل عليه السلام في صورة رجل كامل الخلقة. يقول الله تعالى: "فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا" (مريم: 17). فلما رأته ظنت أنه رجل يريد بها سوءاً، فاستعاذت بالله منه.

    قالت: "إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا" (مريم: 18). فطمأنها الملَك وقال: "إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا" (مريم: 19). أي أنه ملَك مرسل من الله ليبشرها بغلام طاهر مطهر.

    استغراب مريم وسؤالها

    استغربت مريم هذه البشارة، فهي عذراء لم يمسسها بشر، ولم تكن بغياً. فقالت: "قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا" (مريم: 20). فأجابها الملَك بأن هذا أمر يسير على الله، وأن الله أراد أن يجعل من هذا الأمر آية للناس ورحمة منه.

    قال: "قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا" (مريم: 21). فسلّمت مريم لأمر الله وقبلت بهذا القضاء.

    النفخ في الفرج

    ذكر المفسرون أن جبريل عليه السلام نفخ في جيب درعها (أي فتحة ثوبها)، فوصلت النفخة إلى فرجها، فحملت بعيسى عليه السلام في الحال. يقول الله تعالى في سورة التحريم: "وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا" (التحريم: 12).

    هذا الحمل المعجز كان بأمر الله تعالى، بكلمة "كن" فيكون، ومن غير أب. وهذا من أعظم الآيات والمعجزات التي أظهرها الله للبشرية، ليدل على قدرته المطلقة وأنه خالق كل شيء.

  • الحمل والولادة: محنة مريم الكبرى

    حمل مريم وانعزالها

    حملت مريم بعيسى عليه السلام، وقد اختلف المفسرون في مدة حملها، فقيل: حملته تسعة أشهر كسائر النساء، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل: ستة أشهر، وقيل: حملته وولدته في ساعة واحدة. والراجح أنه كان حملاً طبيعياً كسائر النساء.

    يقول الله تعالى: "فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا" (مريم: 22). أي حملت به واعتزلت إلى مكان بعيد عن قومها، وذلك لأنها كانت تخشى أن يروها وهي حامل فيتهموها بالفاحشة.

    آلام المخاض

    لما جاءها المخاض (أي آلام الولادة)، أجاءها أي اضطرها الألم إلى جذع نخلة. يقول الله تعالى: "فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا" (مريم: 23).

    في هذه اللحظة الحرجة، تمنت مريم الموت، لا خوفاً من الألم، بل خوفاً من فتنة قومها واتهامهم لها بالزنا. فقالت: "يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا"، أي: ليتني مت قبل هذا الأمر وكنت شيئاً منسياً لا يُذكر ولا يُعرف.

    تسلية الله لها بالمعجزات

    فناداها ملَك من تحتها (أو ناداها عيسى عليه السلام): "أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا" (مريم: 24). والسري هو النهر الصغير أو الجدول. ثم قال لها: "وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا" (مريم: 25).

    فجعل الله تحتها نهراً تشرب منه، ومع أن النخلة كانت يابسة في غير موسم الرطب، إلا أن الله أمرها أن تهزها فتساقط عليها رطباً طازجاً. وهذه معجزات ثلاث: نهر ينبع في الصحراء، ونخلة يابسة تثمر، ورطب في غير أوانه.

    الأمر بالصوم عن الكلام

    ثم أمرها الله أن تصوم عن الكلام مع البشر، وأن تشير إلى الطفل إذا سألوها عن حالها. يقول الله تعالى: "فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا" (مريم: 26).

    والصوم هنا ليس عن الطعام، بل عن الكلام، وكان هذا من أنواع العبادة في شريعة من قبلنا. وفي هذا حكمة عظيمة، وهي أن الله سيكفيها الدفاع عن نفسها بمعجزة أعظم، وهي نطق المولود في المهد.

  • عودة مريم بالمولود: المواجهة الكبرى

    رجوعها إلى قومها

    بعد أن ولدت مريم عيسى عليه السلام، حملته وعادت به إلى قومها. يقول الله تعالى: "فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا" (مريم: 27). والشيء الفري هو الأمر العظيم المنكر في نظرهم.

    فلما رأوها تحمل طفلاً رضيعاً، وهي العذراء البتول التي كانت تُعرف بالعبادة والتقوى، صُدموا واستنكروا، واتهموها بأبشع التهم. قالوا: "يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا" (مريم: 28).

    معنى "يا أخت هارون"

    قولهم "يا أخت هارون" لا يعني أنها أخت هارون أخي موسى عليهما السلام، فبينهما مئات السنين، بل المقصود أنها من نسل رجل صالح كان يُسمى هارون، أو أن المقصود التشبيه، أي: يا من كنتِ مثل هارون في الصلاح. وقد ورد في صحيح مسلم أن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه لما سأله نصارى نجران عن هذا، سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم".

    إشارة مريم إلى المولود

    التزمت مريم عليها السلام بأمر الله وصامت عن الكلام، وأشارت إلى الطفل الرضيع. يقول الله تعالى: "فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا" (مريم: 29). فاستغربوا من إشارتها، وظنوا أنها تسخر منهم، فكيف يكلمون طفلاً رضيعاً في المهد؟

  • معجزة نطق عيسى في المهد

    الكلام المعجز

    لكن المعجزة الكبرى حدثت، فنطق الطفل الرضيع بكلام فصيح واضح، يدافع عن أمه ويعلن حقيقته. قال الله تعالى: "قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا" (مريم: 30).

    بدأ عيسى عليه السلام كلامه بإعلان العبودية لله، فقال: "إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ"، وهذا رد على من سيقول فيما بعد إنه ابن الله أو إنه الله، فهو أول ما نطق أعلن أنه عبد الله. ثم أخبرهم أن الله آتاه الكتاب وجعله نبياً.

    البركة والوصايا

    ثم قال: "وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا" (مريم: 31). فأخبرهم أن الله جعله مباركاً أينما حلّ، ينفع الناس ويعلمهم، وأن الله أوصاه بالصلاة والزكاة طوال حياته.

    ثم قال: "وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا" (مريم: 32). فبرأ أمه من التهمة، وأخبرهم أنه سيكون باراً بها، ولن يكون جباراً متكبراً ولا شقياً عاصياً.

    الختام بالسلام

    وختم كلامه بقوله: "وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا" (مريم: 33). فسلّم على نفسه في أشد المواقف خوفاً: يوم الولادة، ويوم الموت، ويوم البعث. وهذا دليل على أنه سيموت ويُبعث كسائر البشر، وليس إلهاً كما ادعى بعض الناس.

    يقول ابن كثير: "هذا من أعظم المعجزات وأبهرها، أن يتكلم في حال صغره في المهد، ويخبر بهذه الأمور العظيمة التي فيها برهان واضح على نبوته وصدق أمه، وبراءتها مما نُسب إليها".

  • الدروس والعبر من قصة آل عمران

    الإيمان بقدرة الله المطلقة

    من أعظم الدروس في هذه القصة هو الإيمان بقدرة الله المطلقة على كل شيء. فالله الذي أطعم مريم فواكه الصيف في الشتاء، قادر على أن يرزق زكريا الولد من امرأة عاقر. والله الذي خلق آدم من تراب بلا أب ولا أم، قادر على أن يخلق عيسى من أم بلا أب. يقول الله تعالى: "إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ" (آل عمران: 59).

    قيمة النذر والوفاء به

    نذرت امرأة عمران ما في بطنها لله تعالى، فوفت بنذرها ولم تتراجع حتى عندما اكتشفت أنها أنثى. وهذا درس في الوفاء بالنذور والعهود مع الله. يقول الله تعالى: "وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ" (الحج: 29).

    العفة والحياء

    كانت مريم عليها السلام مثالاً في العفة والحياء والبعد عن الشبهات. فلما ظهر لها الملَك في صورة بشر، استعاذت بالله منه فوراً. ولما حملت، اعتزلت قومها خوفاً من اتهامهم لها. يقول الله تعالى في وصفها: "وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا" (الأنبياء: 91).

    التوكل على الله في الشدائد

    عندما اشتد عليها الأمر وتمنت الموت، فرّج الله عنها بالمعجزات. فأنبع لها نهراً، وأثمر لها نخلة يابسة، وجعل رضيعها ينطق في المهد. وهذا درس في أن الله مع المتوكلين عليه، ولن يخذلهم في شدتهم.

    الصبر على الابتلاء

    صبرت مريم على اتهامات قومها وسكتت عن الكلام، واثقة بأن الله سيبرئها. وهذا من أعظم أنواع الصبر. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم" (رواه مسلم). فكيف بمن اتُّهمت بأعظم التهم؟

    مكانة الأم ووجوب برها

    أول ما نطق به عيسى عليه السلام في المهد، بعد إعلان العبودية لله، هو برّ الوالدة. قال: "وَبَرًّا بِوَالِدَتِي". وهذا يدل على عظم مكانة الأم في الإسلام ووجوب برها والإحسان إليها.

  • الخاتمة

    قصة آل عمران عليهم السلام قصة عظيمة تحمل في طياتها دروساً كثيرة وعبراً جمّة. إنها قصة الإيمان والتوكل، والصبر والثبات، والطهر والعفاف. فيها البشارات والمعجزات، وفيها الابتلاءات والشدائد، ولكن العاقبة دائماً للمتقين.

    اصطفى الله هذا البيت المبارك من بين العالمين، فكانت امرأة عمران مثالاً في النذر والوفاء، وكانت مريم مثالاً في العبادة والعفة، وكان عيسى عليه السلام نبياً كريماً ورسولاً عظيماً. وقد سُجلت قصتهم في القرآن الكريم لتبقى عبرة وعظة للمؤمنين إلى يوم القيامة.

    نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإيمان الصادق، والتوكل الكامل، والصبر الجميل، وأن يجعلنا من المتقين الصالحين، وأن يحشرنا مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

  • أهم المصادر والمراجع

    القرآن الكريم

    • سورة آل عمران (كاملة)
    • سورة مريم (الآيات 16-40)
    • سورة الأنبياء (الآية 91)
    • سورة التحريم (الآية 12)
    • سورة المائدة (الآيات 17، 72-75، 116-117)
    • سورة النساء (الآيات 156-159، 171-172)

    كتب التفسير

    1.    تفسير القرآن العظيم - الإمام ابن كثير (ت 774هـ)

    o       تفسير سورة آل عمران وسورة مريم

    o       دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1999م

    2.    جامع البيان في تأويل القرآن - الإمام الطبري (ت 310هـ)

    o       تفسير الآيات المتعلقة بقصة آل عمران

    o       مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 2000م

    3.    الجامع لأحكام القرآن - الإمام القرطبي (ت 671هـ)

    o       تفسير سورة آل عمران وسورة مريم

    o       دار الكتب المصرية، القاهرة 1964م

    4.    تفسير الطبري المسمى جامع البيان عن تأويل آي القرآن

    o       المكتبة الشاملة الحديثة (النسخة الإلكترونية)

    5.    التحرير والتنوير - الإمام محمد الطاهر ابن عاشور (ت 1393هـ)

    o       الدار التونسية للنشر، تونس 1984م

    6.    تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان - الشيخ عبد الرحمن السعدي (ت 1376هـ)

    o       مؤسسة الرسالة، 2000م

    7.    أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت 1393هـ)

    o       دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت 1995م

    8.    في ظلال القرآن - سيد قطب (ت 1386هـ)

    o       دار الشروق، الطبعة السابعة عشر 1412هـ

    9.    زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي (ت 597هـ)

    o       دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1422هـ

    10.                   تفسير البغوي (معالم التنزيل) - الإمام البغوي (ت 516هـ)

    o       دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة 1997م

    كتب الحديث الشريف

    1.    صحيح البخاري - الإمام البخاري (ت 256هـ)

    o       كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته

    o       دار طوق النجاة، الطبعة الأولى 1422هـ

    2.    صحيح مسلم - الإمام مسلم (ت 261هـ)

    o       كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل مريم عليها السلام

    o       دار إحياء التراث العربي، بيروت

    3.    سنن الترمذي - الإمام الترمذي (ت 279هـ)

    o       كتاب المناقب، باب فضل مريم

    o       دار الغرب الإسلامي، بيروت 1998م

    4.    مسند الإمام أحمد - الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ)

    o       مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية 1999م

    5.    السنن الكبرى - الإمام النسائي (ت 303هـ)

    o       مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى 2001م

    كتب قصص الأنبياء

    1.    قصص الأنبياء - الإمام ابن كثير (ت 774هـ)

    o       قصة مريم وعيسى عليهما السلام

    o       دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 2012م

    2.    البداية والنهاية - الإمام ابن كثير (ت 774هـ)

    o       الجزء الأول والثاني: قصة عيسى عليه السلام

    o       دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى 1988م

    3.    قصص الأنبياء - الإمام الثعلبي (ت 427هـ)

    o       دار الكتب العلمية، بيروت

    كتب أخرى من المكتبة الإسلامية

    1.    تاريخ الأمم والملوك - الإمام الطبري (ت 310هـ)

    o       دار التراث، بيروت، الطبعة الثانية 1387هـ

    2.    الكامل في التاريخ - ابن الأثير (ت 630هـ)

    o       دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1997م

    3.    تهذيب اللغة - الأزهري (ت 370هـ)

    o       دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى 2001م

    4.    لسان العرب - ابن منظور (ت 711هـ)

    o       دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة 1414هـ

    5.    فتح الباري شرح صحيح البخاري - الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ)

    o       دار المعرفة، بيروت 1379هـ

    6.    شرح النووي على صحيح مسلم - الإمام النووي (ت 676هـ)

    o       دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية 1392هـ

    المراجع من المكتبة الشاملة

    • المكتبة الشاملة الحديثة - النسخة 3.64
      • تحتوي على أكثر من 8000 كتاب إسلامي معتمد
      • www.shamela.ws

    مواقع إلكترونية موثوقة

    1.    موقع الإسلام سؤال وجواب - إشراف الشيخ محمد صالح المنجد

    o       islamqa.info

    2.    موقع طريق الإسلام

    o       ar.islamway.net

    3.    موقع المكتبة الشاملة

    o       shamela.ws

    4.    موقع الدرر السنية

    o       dorar.net

    5.    موقع تفسير - مركز تفسير للدراسات القرآنية

    o       tafsir.net