محل القنوت في الصلاة: هل يكون قبل الركوع أم بعده؟

دراسة فقهية شاملة لمسألة محل القنوت في الصلاة: هل يكون قبل الركوع أم بعده؟ مع أقوال العلماء، والأدلة من السنة، وترجيح أهل التحقيق، وقنوت النوازل.

  • مقدمة

    تُعدّ مسألة محل القنوت في الصلاة من المسائل الفقهية التي كثر فيها الخلاف بين أهل العلم، لتنوع الآثار الواردة عن النبي ﷺ، وتعدد اجتهادات الصحابة والتابعين، ثم اختلاف مناهج الأئمة في الترجيح والاستدلال. وقد ترتب على هذا الخلاف توسعة فقهية معتبرة، تدل على سَعة الشريعة، ومرونتها، واعتبارها لتنوع السُّنّة.

    وتزداد أهمية هذه المسألة في واقع المسلمين اليوم، خصوصًا مع تكرار القنوت في النوازل، ووقوع الاضطراب بين المصلين حول موضعه الصحيح، وهل يُنكر أحد الوجهين، أم أن الأمر من باب الخلاف السائغ؟

    هذه المقالة تسعى إلى تحرير المسألة تحريرًا علميًا، وبيان محل النزاع، وعرض أقوال العلماء مع أدلتها، ثم الوصول إلى خلاصة فقهية منضبطة، تُغني المحتوى، وتؤهله لتصدّر نتائج البحث.

  • تعريف القنوت ومشروعيته

    معنى القنوت لغةً واصطلاحًا

    • لغةً: القنوت يُطلق على الطاعة، والقيام، والدعاء، والخضوع، وطول الوقوف.
    • اصطلاحًا في الصلاة: دعاء مخصوص في محل مخصوص من الصلاة، يُشرع في الوتر، أو في النوازل، أو عند بعض الفقهاء في صلاة الفجر.

    قال النووي رحمه الله:

    "القنوت في اللغة الطاعة، وفي الشرع يطلق على الدعاء، ويطلق على طول القيام." شرح مسلم

  • أنواع القنوت وأثرها في تحديد محلّه

    من المهم قبل الخوض في محل القنوت التفريق بين أنواعه، لأن الخلط بينها سبب رئيس في اضطراب الفهم:

    1.   قنوت الوتر

    2.   قنوت النوازل

    3.   قنوت الفجر (عند من يقول به)

    وقد نص العلماء – ومنهم الشيخ ابن عثيمين – على أن:

    "قنوت النوازل ليس هو قنوت الوتر، بل يُدعى فيه بما يناسب النازلة." الشرح الممتع

    وهذا التفريق مؤثر في الصيغة، والجهر، والتأمين، لكنه لا يغيّر من أصل الخلاف في محل القنوت.

  • محل الخلاف في مسألة القنوت

    محل النزاع هو:
    هل يكون القنوت قبل الركوع، أم بعد الرفع منه؟

    وقد ورد الأمران عن النبي ﷺ، فنتج عن ذلك خلاف معتبر بين أهل العلم، لورود أحاديث في الأمرين.

  • القول بأن القنوت بعد الركوع

    مذهب القائلين به

    ذهب إلى هذا القول:

    • الشافعية
    • الحنابلة
    • وهو قول أكثر أهل الحديث

    أدلتهم من السنة

    1.   حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين:

    "كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم دعا..."

    2.   حديث أنس رضي الله عنه عند البخاري:

    "قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع."

    توجيه الاستدلال

    • كثرة الروايات التي نصت على أن القنوت كان بعد الرفع من الركوع
    • مناسبة الدعاء لقول: «سمع الله لمن حمده»، كما أن الثناء يسبق الدعاء

    قال الإمام أحمد رحمه الله:

    "وبعد الركوع أحب إلي."

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

    "اختار أهل الحديث القنوت بعد الركوع؛ لأنه أكثر وأقيس."

  • القول بأن القنوت قبل الركوع

    مذهب القائلين به

    • الحنفية
    • المالكية (مع إجازة ما بعد الركوع)

    أدلتهم

    حديث عبد الرحمن بن أبزى رضي الله عنه قال:

    "صليت خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلاة الصبح، فسمعته يقول بعد القراءة قبل الركوع: اللهم إياك نعبد..."

    توجيه الاستدلال

    • ثبوت القنوت قبل الركوع عن عمر رضي الله عنه
    • القياس على كون الدعاء عقب القراءة مباشرةً
  • الجمع بين الأدلة وترجيح أهل التحقيق

    ذهب جمهور المحققين من أهل العلم إلى أن:

    الأمر في محل القنوت واسع، ويجوز قبل الركوع وبعده، مع ترجيح ما بعد الركوع لكثرة الأدلة.

    أدلة هذا الجمع

    • ثبوت الأمرين عن النبي ﷺ
    • تبويب البخاري رحمه الله:

    "باب القنوت قبل الركوع وبعده"

    • قاعدة: تنوع السُّنّة لا تضادّ فيها

    قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

    "أكثر الأحاديث، والذي عليه أكثر أهل العلم: أن القنوت بعد الركوع، وإن قنت قبل الركوع فلا حرج، فهو مخير.

    (الشرح الممتع 4/64)

  • القنوت في النوازل وصيغته

    محل القنوت في النوازل

    • يكون في الركعة الأخيرة
    • ويقنت في كل صلاة مكتوبة عند الحاجة

    صيغته

    ليس له دعاء محدد، بل:

    "يدعو بما يناسب تلك النازلة."

    قال في مطالب أولي النهى:

    "فيقنتون بما يناسب تلك النازلة في كل مكتوبة."

    ومما رُوي عن ابن عمر رضي الله عنه:

    "اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم..."

  • مسائل متعلقة بالقنوت

    1. الجهر بالقنوت

    • يُشرع الجهر في القنوت، ويؤمّن المأمومون خلف الإمام.

    2. رفع اليدين

    • يُستحب رفع اليدين في الدعاء على الراجح.

    3. مسح الوجه بعد القنوت

    • لا يُستحب؛ لعدم ثبوت حديث صحيح فيه.

    4. حديث «أفضل الصلاة طول القنوت»

    • المراد بالقنوت هنا طول القيام، لا الدعاء، كما نص النووي رحمه الله.
  • الخلاصة الفقهية

    • القنوت يجوز قبل الركوع وبعده
    • القنوت بعد الركوع أرجح لكثرة الأحاديث
    • لا إنكار في المسألة
    • التنويع فيها من السُّنّة
    • قنوت النوازل دعاء خاص يناسب الحال، وليس له صيغة ثابتة