انقطاع الدم في مدة النفاس: متى تُعدّ النفساء طاهرًا؟ ومتى يعود الحكم نفاسًا أو حيضًا أو استحاضة؟
دليل فقهي تفصيلي يشرح أحكام انقطاع دم النفاس قبل تمام المدة، وحكم عودته، وما يترتب على ذلك من غسل وصلاة وصيام وجماع، مع بيان أقوال المذاهب في الأربعين والستين وما بعدهما.
-
مقدمة
انقطاع دم النفاس قبل تمام المدة (قبل الأربعين عند جمهورٍ اعتبر الغالب أربعين، أو قبل الستين عند من جعل أكثره ستين) ليس مجرد “تحسن صحي”، بل هو إشارة تشغيل لأحكام العبادات: الغسل، الصلاة، الصيام، وكذلك أحكام المعاشرة. والفقهاء فصلوا المسألة بحسب سلوك الدم: هل انقطع بلا عودة؟ أم انقطع ثم عاد داخل المدة؟
-
صورة المسألة
انقطاع الدم في مدة النفاس (أي قبل تمام الأربعين على ما جرى عليه جمهور من جعل الغالب أربعين) يقع على حالين رئيسين:
1. انقطاع تام بلا عودة.
2. انقطاع ثم عودة الدم داخل مدة النفاس.
وسيُبنى على كل صورة: هل تُحكم بالطهر مباشرة؟ وهل يعود حكم النفاس؟ وهل يتحول الدم إلى حيض أو استحاضة؟ وما أثر ذلك على الصلاة والصيام والجماع؟
-
الحالة الأولى: انقطاع الدم انقطاعًا تامًا بلا عودة
1) قول جمهور الفقهاء في الانقطاع قبل الأربعين
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن النفساء إذا انقطع دمها قبل الأربعين انقطاعًا تامًا:
طَهُرَتْ، واغتسلت، وصلّت.
واحتجوا بما رُوي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها سألت النبي ﷺ:
"تَجْلِسُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلاَّ أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْل ذَلِكَ"
(وقد أورده الفقهاء في تقريرهم للمسألة، وبنوا عليه الحكم كما في مراجعهم).تعليلهم التنفيذي (منطق الحكم): الحكم مبني على الظاهر المتيقن (انقطاع الدم)، ولا يُترك المعلوم لأمرٍ موهوم (احتمال عود الدم).
2) تنبيه خاص عند الحنابلة: كراهة الوطء قبل الأربعين بعد الطهر
مع اتفاقهم على أنها تغتسل وتصلي عند الطهر، كره بعض الحنابلة وطأها قبل الأربعين بعد التطهير، ونُقل عن الإمام أحمد ما يفيد عدم استحسان ذلك، وعللوه بـ خشية عود الدم زمن الوطء، وذكر بعض أهل العلم أن أكثر الفقهاء لا يكرهونه.
الخلاصة العملية هنا:
- عباداتك: غسلٌ ثم صلاة وصيام.
- العلاقة الزوجية: عند من كره (من الحنابلة) تُترك احتياطًا حتى تتم الأربعين، وعند كثير من الفقهاء لا كراهة.
- عباداتك: غسلٌ ثم صلاة وصيام.
-
الحالة الثانية: انقطاع الدم ثم عودته في مدة النفاس
هذه الحالة هي الأكثر تعقيدًا؛ لأنها تُنتج “سيناريوهات تشغيل” متعددة بحسب مدة النقاء (مدة الانقطاع) وبحسب سقف النفاس (أربعون أو ستون) وبحسب منهج المذهب (هل النقاء فاصل أم ملغى/ملفّق).
(أ) المالكية + محمد وأبو يوسف من الحنفية + الشافعية في الأصح
قرر هؤلاء: إذا انقطع دم النفاس خمسة عشر يومًا فقد تم طهرها، وما نزل بعد ذلك فهو حيض.
قاعدة القرار لديهم:
نقاءٌ (طهر) مكتمل لمدة 15 يومًا = فصلٌ واضح، وما يأتي بعده يُعامل كحيض.(ب) أبو حنيفة: النقاء المتخلل في الأربعين لا يفصل (وعليه الفتوى عندهم)
يرى أبو حنيفة أن الطهر المتخلّل بين الأربعين في النفاس لا يفصل—سواء كان خمسة عشر أو أقل أو أكثر—ويجعل إحاطة الدم بطرفيه كأنه دم متوالٍ.
مثالهم التنفيذي:
لو رأت يومًا دمًا، ثم ثمانية وثلاثين طهرًا، ثم يومًا دمًا:- عند أبي حنيفة: الأربعون كلها نفاس.
- وعند أبي يوسف ومحمد: الدم الأول هو النفاس، وما بعد الطهر الطويل لا يُجعل نفاسًا بنفس الطريقة.
(ج) المالكية: “التلفيق إلى الستين” مع إلغاء أيام الانقطاع
ذهب المالكية إلى أنه إذا انقطع دم النفاس قبل طهرٍ تام: تلفق من أيام الدم ستين يومًا، وتُلغي أيام الانقطاع، وتغتسل كلما انقطع، وتصوم وتصلي وتوطأ.
فكرة المالكية هنا: إدارة المدة تكون بـ “تجميع أيام الدم” حتى تكتمل ستون، مع تشغيل أحكام الطهر وقت الانقطاع (غسل/صلاة/صيام).
(د) الشافعية: في النقاء المتخلل قولان مشهوران (السحب واللقط/التلفيق)
عند الشافعية تفصيل واسع، ومن أشهر ما يُذكر:
- قول السحب: النقاء المتخلل يُعامل كأنه نفاس من حيث العدد لا من حيث الحكم اي يحسب من ال٦٠ يوم، ولكن حكمه الطهر وتصلي وتصوم.
- قول اللقط (وقول التلفيق): النقاء طهر؛ لأن الدم دل على النفاس، فيقابله النقاء الدال على الطهر.
وعندهم أيضًا: إذا تجاوز التقطع ستين يومًا فهنا تنتقل المسألة إلى أبواب الاستحاضة والتفريق بحسب التمييز والعادة… إلخ، مع مراعاة التلفيق على تفصيلهم.
(هـ) الحنابلة: عودة الدم بعد انقطاعه في الأربعين “مشكوك فيه”
يرى الحنابلة أن عودة الدم بعد انقطاعه في مدة الأربعين مشكوك: أهو نفاس أم فساد؟ ولذا بنوا عليه منهجًا احتياطيًا:
- تصوم وتصلي
- وتقضي صوم الفرض
- ولا يأتيها زوجها في الفرج زمن هذا الدم
مغزى هذا التصور: فصلٌ بين “أحكام العبادة اليومية” (تُؤدى) وبين “ضمان براءة الذمة في الصوم” (بالقضاء)، مع منع الجماع احتياطًا.
- عند أبي حنيفة: الأربعون كلها نفاس.
-
إذا تجاوز الدم أكثر مدة النفاس: أين ينتهي النفاس وتبدأ الاستحاضة أو الحيض؟
هذه منطقة “الحدود الزمنية” التي يتمايز فيها سقف الأربعين عن سقف الستين.
1) عند الحنفية: الأصل الأربعون، والتفصيل بين المبتدأة وصاحبة العادة
- المبتدأة بالحبل: إذا زاد الدم على أربعين فهو استحاضة.
- صاحبة العادة:
- إن كانت عادتها أربعين فالزيادة استحاضة.
- إن كانت عادتها أقل من أربعين فما زاد يكون نفاسًا إلى الأربعين، ثم إن زاد بعد الأربعين تُردّ إلى عادتها، وما زاد عليها استحاضة.
2) عند المالكية: ما زاد على الستين استحاضة (ولو كانت معتادة)
يرون أن دم النفاس إن زاد على ستين يومًا فهو استحاضة، ولو كانت لها عادة في الزيادة (مع الإشارة إلى خلافٍ منقول في بعض المصنفات).
3) عند الشافعية: إذا عبر الدم الستين فطُرق وأوجه
نقل الشافعية في كتبهم طريقين/أوجهًا، من أشهرها:
- الأصح: التعامل معه في الرد إلى التمييز أو العادة أو الأقل/الغالب بحسب حال المرأة، قياسًا على تفريعاتهم.
- وذُكر وجهٌ: أن الستين كلها نفاس وما زاد استحاضة.
- ووجهٌ ثالث: أن الستين نفاس وما بعده حيض على الاتصال—على تفصيل مذكور عندهم.
4) عند الحنابلة: ما بعد الأربعين قد يكون حيضًا إن وافق العادة وإلا فاستحاضة
قالوا: إن جاوز الدم الأربعين وصادف عادة حيضها ولم يزد عنها فالمجاوز حيض. وإلا فالأصل استحاضة وفق ضوابطهم، مع تقريرهم: لا تدخل الاستحاضة في مدة نفاس عندهم كما لا تدخل في مدة حيض (لأن الحكم للأقوى).
- المبتدأة بالحبل: إذا زاد الدم على أربعين فهو استحاضة.
-
ملخص تنفيذي سريع (على هيئة “خريطة قرار”)
1. انقطع الدم تمامًا بلا عودة داخل المدة:
o طهرٌ → غسل → صلاة/صيام.
o الجماع: مباح عند كثير، ومكروه قبل الأربعين عند بعض الحنابلة.
2. انقطع ثم عاد داخل المدة:
o إن بلغ النقاء 15 يومًا: عند المالكية + (أبي يوسف ومحمد) + الشافعية في الأصح: العائد حيض.
o عند أبي حنيفة: النقاء داخل الأربعين لا يفصل (وعليه الفتوى عندهم).
o عند الحنابلة: العائد مشكوك → تصلي وتصومي وتقضي صوم الفرض وتتركي الجماع زمن الدم.
3. تجاوز الدم “السقف الأعلى”:
o الحنفية: ما بعد الأربعين غالبًا استحاضة مع تفصيل العادة.
o المالكية/الشافعية (في مشهور النقل هنا): ما بعد الستين ينتقل لأحكام أخرى (استحاضة/تفصيلات).
o الحنابلة: ما بعد الأربعين يُنظر لعادة الحيض وإلا استحاضة.
-
أهم المصادر والمراجع المعتمدة
- كشاف القناع (1/218–220).
- المغني لابن قدامة (1/245–247).
- شرح الخرشي (1/209–210).
- رد المحتار (1/193، 199).
- حاشية الدسوقي (1/174–175).
- مغني المحتاج (1/108–120).
- الإقناع (1/240).
- بدائع الصنائع (1/172).
- الشرح الصغير (1/170، 314).
- تبيين الحقائق للزيلعي (1/60).
- فتح القدير (1/166).
- المجموع للنووي (2/528–530).
- روضة الطالبين (1/178).
- الانتصار في المسائل الكبار لأبي الخطاب الكلوذاني (1/602).
- المصنف لعبد الرزاق (1/313) — في الأثر المذكور.
- سنن الدارقطني (1/220) — في الأثر المذكور.
- كشاف القناع (1/218–220).