حكم قول: «تقبّل الله منا بأسرار سورة الفاتحة» بعد الدعاء
تعرف على الحكم الشرعي لقول «تقبل الله منا بأسرار سورة الفاتحة» بعد الدعاء، مع عرض أقوال العلماء والترجيح الفقهي المدعّم بالأدلة.
-
مقدمة
يُعدّ الالتزام بالأذكار والأدعية الواردة عن النبي ﷺ منهجًا أصيلًا في ضبط الممارسة التعبدية في الإسلام، لما لذلك من أثر مباشر في حفظ نقاء العقيدة وسلامة المنهج. ومن العبارات الشائعة على ألسنة بعض الناس، لا سيما بعد ختم الدعاء الجماعي أو الفردي، قولهم: «تقبّل الله منا بأسرار سورة الفاتحة» أو «بسرّ الفاتحة»، وهي صيغة تثير تساؤلًا فقهيًا مشروعًا حول حكمها الشرعي، ومدى مشروعيتها في ضوء الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح.
تهدف هذه المقالة إلى تقديم معالجة علمية منهجية لهذا القول، من خلال تحليل مفهوم التوسل، وبيان أقوال أهل العلم، وتحرير محل النزاع، وصولًا إلى خلاصة فقهية منضبطة.
-
معنى العبارة: تقبّل الله منا بأسرار سورة الفاتحة
القول: «تقبّل الله منا بأسرار سورة الفاتحة» يتضمن عنصرين:
- طلب القبول من الله تعالى.
- التوسل بما يُسمّى «أسرار سورة الفاتحة».
والإشكال الفقهي لا يتعلق بطلب القبول، فهو مقصد شرعي صحيح، وإنما يتعلق بالتوسل بالأسرار، وهل لهذا الوصف أصل معتبر في الشرع أم لا.
- طلب القبول من الله تعالى.
-
التوسل في ميزان الشريعة
تعريف التوسل
التوسل هو: اتخاذ وسيلة شرعية يُتقرّب بها إلى الله تعالى طلبًا لإجابة الدعاء.
وقد دلّ القرآن والسنة على مشروعية التوسل، قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [سورة المائدة: 35]
أنواع التوسل المشروع
أجمع أهل السنة على مشروعية أنواع محددة من التوسل، من أبرزها:
1. التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، كقول الداعي: يا رحمن، يا غفور.
2. التوسل بالأعمال الصالحة، كما في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة.
3. التوسل بدعاء الرجل الصالح الحي.
وما عدا ذلك محل تفصيل وخلاف، لا سيما إذا لم يرد به نص.
-
هل التوسل بالقرآن مشروع؟
قرر أهل العلم أن القرآن كلام الله تعالى، وكلامه صفة من صفاته، والتوسل بصفات الله مشروع باتفاق أهل السنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
«التوسل بصفات الله تعالى مشروع باتفاق المسلمين»
وعلى هذا الأساس، أجاز بعض العلماء التوسل بالقرآن من حيث كونه كلام الله، لا من حيث تخصيص ألفاظ أو أوصاف لم ترد.
-
هل ثبت وصف «سرّ الفاتحة» عن السلف؟
نُقل عن بعض السلف – كما ذكر ابن كثير رحمه الله – أن سورة الفاتحة هي سرّ القرآن، وأن قوله تعالى:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة: 5]
هو جماع معاني الدين.
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة النبوية قول الحسن البصري:
«أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب، جمع سرّها في الأربعة، وجمع سرّ الأربعة في القرآن، وجمع سرّ القرآن في الفاتحة، وجمع سرّ الفاتحة في قوله: إياك نعبد وإياك نستعين».
لكن هذا النقل وصفي تفسيري، لا تعبدي إنشائي، ولم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة أنهم جعلوا هذا الوصف صيغة دعاء أو توسّل.
-
أقوال العلماء في هذه الصيغة
1. قول المانعين (وهو قول جمهور المعاصرين)
ذهب كثير من أهل العلم إلى أن هذه الصيغة غير مشروعة، لأنها:
- لم ترد عن النبي ﷺ.
- لم تُنقل عن الصحابة أو السلف الصالح.
- تتضمن لفظًا مجملًا («الأسرار») قد يُفهم على معانٍ غير منضبطة شرعًا.
قالت اللجنة الدائمة للإفتاء:
«لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ الفاتحة بعد الدعاء، فقراءتها بعد الدعاء بدعة» (فتاوى اللجنة الدائمة 2/528).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
«قراءة الفاتحة بين يدي الدعاء أو في خاتمته من البدع؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم» (مجموع فتاوى ابن عثيمين 14/159).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
«قولهم: بسر الفاتحة، لا أصل له».
2. قول من جوّزها من حيث المعنى لا اللفظ
ذهب بعض الباحثين إلى أن التوسل بـ«سر الفاتحة» من حيث المعنى العام قد يُحمل على التوسل بكلام الله وصفاته، لكنهم مع ذلك رجّحوا الترك؛ سدًا للذريعة، وابتعادًا عن الألفاظ المحدثة.
قال الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله:
«الأولى تجنب هذه اللفظة؛ لأنها غير واردة عن السلف، وقد يُقصد بها معانٍ باطلة».
- لم ترد عن النبي ﷺ.
-
الحكم الراجح
بناءً على مجموع الأدلة وأقوال أهل العلم:
- لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن السلف الصالح استعمال هذه الصيغة.
- تخصيص الدعاء بلفظ «أسرار الفاتحة» لا دليل عليه.
- الالتزام بالأدعية المأثورة أولى وأكمل وأحفظ للدين.
وعليه: فالأقرب للصواب أن قول: «تقبّل الله منا بأسرار سورة الفاتحة» بعد الدعاء غير مشروع، ويُستحب تركه، مع التأكيد على أن الدعاء نفسه لا يبطل، وإنما الخلل في الصيغة المضافة.
- لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن السلف الصالح استعمال هذه الصيغة.
-
البديل الشرعي المشروع
من أراد القبول بعد الدعاء، فليقل مثلًا:
- «تقبّل الله منا ومنكم».
- «اللهم تقبّل منا إنك أنت السميع العليم».
- أو يدعو بأدعية القرآن والسنة الثابتة.
قال الله تعالى:
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة البقرة: 127]
- «تقبّل الله منا ومنكم».
-
الخاتمة
إن ضبط الألفاظ التعبدية وفق الوارد عن النبي ﷺ ليس تشددًا، بل هو حوكمة شرعية للممارسة الدينية، تحفظ صفاء التوحيد وتمنع تسرب البدع تحت مسميات حسنة. والخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع.
-
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
- منهاج السنة النبوية – شيخ الإسلام ابن تيمية.
- تفسير ابن كثير.
- فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء.
- مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين.
- فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز.
- فتاوى الشيخ عبد الرحمن البراك.
- القرآن الكريم.