المرض المبيح للإفطار في رمضان: الضوابط الفقهية والأحكام التفصيلية

تعرف على ضوابط المرض المبيح للإفطار في رمضان وأقوال الفقهاء وشروط الترخيص الشرعي والفروق بين المرض المؤقت والمزمن مع الأدلة من القرآن والسنة وأقوال العلماء.

  • مقدمة

    تُعد مسألة المرض المبيح للإفطار في رمضان من أهم القضايا الفقهية التطبيقية التي تمس حياة المسلمين سنويًا، نظرًا لتنوع الحالات الصحية واختلاف درجات المرض وتأثير الصيام عليها. وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمنهج متوازن يجمع بين تعظيم فريضة الصيام وتحقيق مقاصد الرحمة والتيسير، فقررت قاعدة عظيمة مفادها أن التكليف مرتبط بالاستطاعة، وأن حفظ النفس مقدم على أداء العبادة عند تعارضهما.

    قال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185].

  • تعريف المرض المبيح للفطر شرعًا

    عرّف الفقهاء المرض المبيح للفطر بأنه:

    المرض الذي يخشى معه زيادة العلة، أو تأخر الشفاء، أو حصول ضرر بسبب الصيام، أو وقوع مشقة شديدة لا تحتمل عادة.

    قال ابن قدامة:
    "
    والمرض المبيح للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه."المغني

    وقال النووي:
    "
    شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها."

    إذن معيار الحكم ليس مجرد وجود المرض، بل أثر الصيام عليه.

  • ضوابط تحديد المرض المبيح للفطر

    يُعرف كون المرض مبيحًا للفطر عبر معيارين معتمدين عند الفقهاء:

    1. التجربة الشخصية

    إذا ثبت للمريض بالتجربة أن الصيام يزيد مرضه أو يؤخر شفاؤه أو يسبب له ألمًا شديدًا، جاز له الفطر.

    2. تقرير طبيب ثقة

    إذا أخبر طبيب مختص موثوق بعلمه أن الصوم يضر المريض، جاز له الفطر، لأن الشريعة تعتمد الخبرة الطبية في تقدير الضرر.

  • أنواع المرض وأثرها على حكم الفطر

    1. مرض لا يؤثر فيه الصيام

    مثل:

    • جرح يسير
    • وجع سن
    • صداع خفيف
    • دمل صغير

    هذا النوع لا يبيح الفطر؛ لأن الضرر غير متحقق.

    2. مرض يتضرر بالصيام

    مثل:

    • الأمراض التي تزداد حدتها مع الجفاف
    • الحالات التي تحتاج دواء منتظمًا
    • الأمراض التي يسبب الصيام معها هبوطًا أو ضعفًا شديدًا

    هذا النوع يبيح الفطر بلا خلاف.

    3. مرض يستفيد من الصيام

    بعض الأمراض تتحسن بالصيام مثل:

    • التخمة
    • بعض اضطرابات الهضم

    فهذا لا يجوز الفطر لأجله لأن الصيام لا يضره بل ينفعه.

  • حكم من صام مع وجود الضرر

    إذا تحقق الضرر من الصيام ومع ذلك صام المريض، فحكم صيامه:

    • صحيح من حيث الصحة الفقهية
    • مكروه أو محرم من حيث الفعل

    لأنه ترك رخصة الله وأضر بنفسه.

    قال تعالى:
    {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29].

  • حكم استعمال الدواء نهار رمضان للمريض

    إذا احتاج المريض دواء في النهار:

    • إن كان الدواء يصل إلى الحلق عبر منفذ مفتوح كالفم أو الأنف → فهو مفطر عند جمهور الفقهاء.
    • مثل:
      • بخاخات الأنف
      • القطرات التي تصل للحلق
      • الشراب الطبي

    أما ما لا يصل للحلق عادة فليس مفطرًا.

  • ما الواجب على المريض بعد الإفطار؟

    الحالة الأولى: المرض المؤقت

    إذا كان المرض يرجى شفاؤه:

    • يجب القضاء فقط
    • ولا فدية عليه

    لقوله تعالى:
    {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}

    الحالة الثانية: المرض المزمن

    إذا كان المرض دائمًا لا يُرجى شفاؤه:

    • لا يجب القضاء
    • يجب الإطعام عن كل يوم مسكين

    ومقداره: وجبة مشبعة أو ما يعادلها.

    وعند الحنفية: يجوز دفع القيمة نقدًا للفقراء.

  • الفرق بين الرخصة والعزيمة في صيام المريض

    من القواعد الأصولية أن الرخصة:

    تشريع مقصود لا نقص فيه.

    فالمريض إذا أفطر:

    • لم يترك العبادة
    • بل امتثل أمر الله بالرخصة

    بل قد يكون الفطر واجبًا إذا خيف الضرر.

  • قاعدة فقهية جامعة للمسألة

    يمكن تلخيص الحكم في قاعدة:

    كل مرض يترتب على الصيام معه ضرر أو مشقة شديدة فهو مبيح للفطر.

  • الخاتمة

    يتبين من مجموع النصوص الشرعية وأقوال الفقهاء أن الإسلام لم يجعل الصيام عبئًا يرهق المريض، بل جعله عبادة منضبطة بضوابط القدرة والاستطاعة. فالرخصة في الإفطار ليست استثناءً طارئًا، بل تشريع أصيل قائم على الرحمة والحكمة. والمطلوب من المسلم أن يتعامل مع هذه الرخصة بفقه ووعي، فلا يتساهل بلا عذر، ولا يتشدد فيضر نفسه، بل يسير على منهج الاعتدال الذي جاءت به الشريعة.

  • المصادر والمراجع

    • القرآن الكريم
    • ابن قدامة — المغني
    • النووي — المجموع شرح المهذب
    • الخرشي — شرح مختصر خليل
    • الحصكفي — الدر المختار
    • كتب الفقه المقارن المعتمدة