الإسراء والمعراج: رحلة النور والمعجزات في ليلة واحدة

تعرف على تفاصيل رحلة الإسراء والمعراج، أعظم معجزات النبي محمد ﷺ، والأدلة الشرعية عليها، وما حدث في السماوات السبع، وقصة فرض الصلاة، والدروس المستفادة من هذه الرحلة المباركة.

الإسراء والمعراج: رحلة النور والمعجزات في ليلة واحدة
الإسراء والمعراج: رحلة النور والمعجزات في ليلة واحدة
  • مقدمة: معجزة خالدة في التاريخ الإسلامي

    تُعد رحلة الإسراء والمعراج من أعظم المعجزات في السيرة النبوية، وحدثًا فارقًا في تاريخ الدعوة الإسلامية. جاءت هذه الرحلة المباركة تكريمًا من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وتثبيتًا لفؤاده بعد عام الحزن الذي فقد فيه عمه أبا طالب وزوجته الوفية خديجة رضي الله عنها.

  • التعريف بالإسراء والمعراج

    معنى الإسراء لغة واصطلاحًا
    الإسراء لغة: مشتق من السُّرى، وهو السير ليلاً، يقال: أسرى وسرى بمعنى واحد.
    الإسراء اصطلاحًا: هو انتقال النبي صلى الله عليه وسلم بجسده وروحه من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس في جزء من الليل.
    معنى المعراج لغة واصطلاحًا
    المعراج لغة: من العروج، وهو الصعود والارتفاع.
    المعراج اصطلاحًا: هو عروج النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الأقصى إلى السماوات العلى، حتى وصل إلى سدرة المنتهى، حيث فُرضت عليه الصلوات الخمس.

  • الأدلة الشرعية على الإسراء والمعراج

    الأدلة من القرآن الكريم
    ثبت الإسراء بنص صريح في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1].
    أما المعراج، فقد أشار إليه القرآن الكريم في سورة النجم: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ * لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾ [النجم: 13-18].
    الأدلة من السنة النبوية
    وردت أحاديث صحيحة متواترة عن الإسراء والمعراج، رواها أكثر من خمسة وعشرين صحابيًا وصحابية، منهم: أنس بن مالك، وأبو هريرة، وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر الغفاري، ومالك بن صعصعة، وعائشة، وأم هانئ رضي الله عنهم جميعًا.
    أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه حديث الإسراء والمعراج المفصل، مما يدل على تواتر هذه الحادثة وثبوتها بالدليل القاطع.

  • توقيت رحلة الإسراء والمعراج

    اختلف العلماء في تحديد الزمن الدقيق لحادثة الإسراء والمعراج، والراجح أنها وقعت في السنة العاشرة من البعثة النبوية، بعد وفاة أبي طالب وخديجة رضي الله عنها، وبعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من رحلة الطائف.
    أما تحديد الليلة والشهر بالضبط، فلم يثبت فيه دليل صحيح صريح، ولذلك لا يُشرع تخصيص ليلة معينة للاحتفال بهذه الذكرى.

  • الإسراء والمعراج: بالجسد والروح معًا

    رأي جمهور العلماء
    ذهب جمهور أهل السنة والجماعة من السلف والخلف إلى أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح معًا في اليقظة، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين والمحدثين والفقهاء.
    الأدلة على الإسراء بالجسد والروح
    1.قوله تعالى: ﴿أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾: والعبد يطلق على مجموع الروح والجسد، ولو كان بالروح فقط لقال "أسرى بروح عبده".
    2. امتحان قريش للنبي: لو كان الإسراء منامًا أو بالروح فقط، لما أنكرته قريش ولما ارتد بعض ضعاف الإيمان، لأن الرؤى المنامية لا تُنكر.
    3. طلب قريش وصف المسجد الأقصى: وهذا لا معنى له إن كان الأمر مجرد رؤيا منامية.
    4. تسمية أبي بكر بالصديق: لتصديقه الفوري لهذه الرحلة الجسدية العجيبة.
    قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "وليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل، والقدرة الإلهية صالحة لذلك".
    5. وقال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: "الصحيح الذي عليه جماهير العلماء أنه كان يقظة بجسده وروحه صلى الله عليه وسلم".

  • تفاصيل رحلة الإسراء المباركة

    شق الصدر الشريف
    قبل بداية الرحلة، جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند الكعبة، فشق صدره الشريف وأخرج قلبه، ثم غسله بماء زمزم، وملأه حكمة وإيمانًا، تهيئة له لما سيشاهده من الآيات الكبرى.
    البراق: دابة الأنبياء
    رُكِّب النبي صلى الله عليه وسلم على البراق، وهي دابة بيضاء، بين الحمار والبغل، تضع حافرها عند منتهى طرفها، أي تقطع المسافات البعيدة في لمح البصر.
    الوصول إلى بيت المقدس
    انطلق النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام حتى وصل إلى المسجد الأقصى، حيث وجد جمعًا من الأنبياء والمرسلين: إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم عليهم السلام، فصلى بهم إمامًا، وهذا تأكيد لمكانته صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم النبيين وإمام المرسلين.
    اختبار الآنية الثلاثة
    عُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة آنية: إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء. فاختار اللبن، فقال له جبريل: "هُديت للفطرة، وهُديت أمتك يا محمد".
    وفي هذا دلالة على أن الإسلام دين الفطرة السليمة، وأن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم كان موفقًا، وأن أمته ستكون على الهداية والاستقامة.

  • رحلة المعراج إلى السماوات العلى

    الصعود إلى السماء الدنيا
    عرج جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس إلى السماء الدنيا، فاستأذن عند بابها، فقيل: "من هذا؟" قال: "جبريل". قيل: "ومن معك؟" قال: "محمد". قيل: "وقد بُعث إليه؟" قال: "نعم". قيل: "مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء".
    في السماء الدنيا: رأى النبي صلى الله عليه وسلم أبا البشر آدم عليه السلام، وكانت تُعرض عليه أرواح ذريته، فيسر بروح المؤمن ويحزن لروح الكافر.
    السماء الثانية
    في السماء الثانية: التقى النبي صلى الله عليه وسلم بابني الخالة: عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام، فرحبا به وسلما عليه.
    السماء الثالثة
    في السماء الثالثة: رأى يوسف عليه السلام، وقد أُعطي شطر الحسن، فسلم عليه ورحب به.
    السماء الرابعة
    في السماء الرابعة: التقى بإدريس عليه السلام، الذي رفعه الله مكانًا عليًا.
    السماء الخامسة
    في السماء الخامسة: رأى هارون بن عمران عليه السلام، المحبب في قومه.
    السماء السادسة
    في السماء السادسة: لقي موسى بن عمران عليه السلام، كليم الله، وهو الذي سيكون له دور مهم في تخفيف الصلاة على الأمة.
    السماء السابعة
    في السماء السابعة: وجد إبراهيم الخليل عليه السلام، مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، الذي يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.

  • الوصول إلى سدرة المنتهى

    ثم عُرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى، وهي شجرة عظيمة في السماء السابعة، نبقها كقلال هجر، وورقها كآذان الفيلة، في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان في الجنة، ونهران ظاهران هما النيل والفرات.
    وعند سدرة المنتهى رأى النبي صلى الله عليه وسلم من آيات ربه الكبرى، وكلمه الله تعالى بلا واسطة، وهنا فُرضت الصلوات الخمس.

  • فرض الصلاة: قصة التخفيف الرباني

    فرض خمسين صلاة
    فُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وأمته خمسون صلاة في اليوم والليلة.
    موقف موسى عليه السلام
    عند عودته، مر النبي صلى الله عليه وسلم بموسى عليه السلام، فسأله عما فُرض عليه، فلما أخبره قال: "إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف".
    التخفيف المتكرر
    رجع النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا، وفي كل مرة يُخفف عنه عشر صلوات، وموسى عليه السلام يقول له: "ارجع فاسأل ربك التخفيف"، حتى أصبحت خمس صلوات فقط.
    الفضل العظيم
    لما أراد موسى عليه السلام أن يطلب منه الرجوع مرة أخرى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد استحييت من ربي، ولكني أرضى وأسلم".
    فنودي: "أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وهن خمس بخمسين"، أي أن أجرها كأجر خمسين صلاة، والحسنة بعشر أمثالها.

  • مشاهد من الجنة والنار

    رؤية الجنة ونعيمها
    رأى النبي صلى الله عليه وسلم الجنة وما فيها من نعيم، ورأى الكوثر، النهر الذي أُعطيه في الجنة، حافتاه قباب الدر المجوف، وطينه أو طيبه مسك أذفر.
    ورأى جارية في الجنة، فسألها: "لمن أنت؟" قالت: "لزيد بن حارثة"، فبشره بها لما عاد.
    رؤية أهل النار وعذابهم
    رأى النبي صلى الله عليه وسلم أصنافًا من المعذبين في النار بسبب معاصيهم:
    أكلة أموال اليتامى ظلمًا: لهم مشافر كمشافر الإبل، يقذفون النار في أفواههم فتخرج من أدبارهم.
    أكلة الربا: لهم بطون ضخمة، يمر عليهم آل فرعون فيطؤونهم ولا يستطيعون التحول من مكانهم.
    الزناة: أمامهم لحم طيب وآخر خبيث، فيأكلون من الخبيث ويتركون الطيب.
    المغتابون: لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم.
    النساء اللاتي أدخلن على الأزواج من ليس من أولادهم: معلقات بثديهن.
    الخطباء الذين يأمرون بالمعروف ولا يفعلونه: تُقطع ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار.

  • موقف قريش من الإسراء والمعراج

    إنكار المشركين
    لما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر قريشًا بما حدث، أنكروا ذلك وقالوا: "العير تقطع المسافة من مكة إلى الشام في شهر ذهابًا وشهر إيابًا، وأنت تزعم أنك ذهبت وعدت في ليلة واحدة!"
    ارتداد بعض ضعاف الإيمان
    ارتد بعض من كان قد أسلم حديثًا لعدم قدرتهم على تصديق هذا الأمر العجيب، وكانت هذه فتنة عظيمة امتحن الله بها إيمان الناس.

    موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه
    ذهب المشركون إلى أبي بكر رضي الله عنه ليخبروه بما قاله محمد صلى الله عليه وسلم، ظانين أنه سيكذبه.
    فقال أبو بكر رضي الله عنه في ثبات ويقين: "إن كان قد قال ذلك فقد صدق، إني لأصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء يأتيه في غدوة أو روحة".
    ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسمع منه تفاصيل الرحلة، وكلما وصف له شيئًا من بيت المقدس قال: "صدقت، أشهد أنك رسول الله"، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم من يومها "الصديق".
    إثبات صدق الرسول
    طلبت قريش من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصف لهم بيت المقدس، وكان بعضهم قد سافر إليه، فرفع الله له بيت المقدس فجعل ينظر إليه ويصفه لهم بدقة، فلم يستطيعوا أن يردوا عليه شيئًا.
    كما أخبرهم عن قافلة لقريش رآها في طريق عودته، ووصف لهم موقعها وحمولتها ووقت وصولها، فجاءت كما وصف بالضبط، لكن أكثرهم استمروا في عنادهم وكفرهم.

  • الحكم والدروس المستفادة من الإسراء والمعراج

    تكريم النبي صلى الله عليه وسلم
    هذه الرحلة تكريم عظيم من الله لنبيه، فقد اختصه بما لم يُعطه أحدًا من قبل، فكان صلى الله عليه وسلم أول من دخل السماوات السبع بجسده وروحه، وأول من وصل إلى سدرة المنتهى.
    عظم منزلة الصلاة
    فُرضت الصلاة في السماء، بينما فُرضت بقية الشرائع في الأرض، وهذا يدل على عظم شأنها ومكانتها في الإسلام، فهي عماد الدين، وصلة العبد بربه، والفارق بين الإيمان والكفر.
    التثبيت والتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم
    جاءت هذه الرحلة بعد عام الحزن، حيث فقد النبي صلى الله عليه وسلم أكبر داعمين له: عمه أبو طالب وزوجته خديجة، وبعد أن رُفضت دعوته في الطائف وأُوذي، فكانت هذه الرحلة تثبيتًا لقلبه وتسلية له.
    فضل المسجد الأقصى
    جعل الله المسجد الأقصى محطة الإسراء، مما يدل على مكانته العظيمة في الإسلام، وأنه أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وأن له ارتباطًا عقديًا وثيقًا بالإسلام والمسلمين.
    الإيمان بالغيب
    تعلمنا هذه الرحلة ضرورة الإيمان بالغيب، وأن قدرة الله لا حدود لها، وأنه تعالى قادر على كل شيء، فما كان مستحيلاً في عقول البشر هو ممكن وواقع بإذن الله.
    الجزاء من جنس العمل
    ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب أهل المعاصي في النار يُعلمنا أن الجزاء من جنس العمل، فكل من عصى الله بجارحة عُذب بها في الآخرة إلا أن يتوب ويغفر الله له.
    قيمة الصحبة الصالحة
    موقف موسى عليه السلام في المعراج يدل على قيمة النصح والمشورة من الصالحين، وحرص الأنبياء على التيسير على الأمة.
    التسليم لأمر الله
    تعلمنا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "قد استحييت من ربي، ولكني أرضى وأسلم" معنى التسليم المطلق لأمر الله والرضا بقضائه.

  • الرد على الشبهات حول الإسراء والمعراج

    شبهة: كيف يتم هذا في ليلة واحدة؟
    الجواب: قدرة الله لا تُقاس بمقاييس البشر، فالذي خلق السماوات والأرض قادر على أن ينقل نبيه في لمحة بصر من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات العلى. والله تعالى قد أخبرنا عن معجزات أعظم من ذلك، كإحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام، وشق البحر لموسى عليه السلام.
    شبهة: لماذا لم يره أحد؟
    الجواب: كانت الرحلة ليلاً والناس نيام، كما أن الله تعالى قادر على أن يحجب رؤية نبيه عمن شاء. والمعجزة لا يشترط فيها أن يراها الجميع، بل يكفي أن تقوم بها الحجة على من علم بها.
    شبهة: التناقض بين الروايات
    الجواب: اختلاف الروايات في بعض التفاصيل لا يطعن في أصل الحادثة، فهذا أمر طبيعي في نقل الأحداث التاريخية، وكل راوٍ يذكر ما حفظه من التفاصيل، ومجموع الروايات يُكمل بعضها بعضًا ويوضح الصورة الكاملة.

  • الخاتمة

    رحلة الإسراء والمعراج معجزة خالدة ودليل قاطع على صدق النبوة المحمدية، وحدث فارق في التاريخ الإسلامي. فيها تكريم عظيم للنبي صلى الله عليه وسلم، وإظهار لقدرة الله المطلقة، وتشريف للمسجد الأقصى، وتثبيت لقلوب المؤمنين.
    وفيها فُرضت الصلاة التي هي صلة العبد بربه، وامتحان للإيمان فارتد من ضعف يقينه وثبت من قوي إيمانه. والمؤمن الحق هو من يسلم بكل ما جاء عن الله ورسوله، ولا يتردد في التصديق بما صح من الأخبار، وإن لم تدركه عقول البشر القاصرة.
    نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، وأن يرزقنا اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا، وأن يجمعنا به في جنات النعيم.