مدة النفاس في الفقه الإسلامي: دراسة فقهية مقارنة شاملة
دليل عملي معاصر يوضح مدة النفاس وأحكامه خطوة بخطوة، ومتى تعود النفساء للصلاة والصيام، وكيف تتعامل مع استمرار الدم وفق المذاهب الأربعة.
-
مقدمة
تُعدّ أحكام النفاس من المسائل الفقهية الدقيقة المرتبطة بأحكام الطهارة والعبادات، إذ يترتب عليها ترك الصلاة والصوم وأحكام المعاشرة وغيرها من الأحكام الشرعية. وقد تناول الفقهاء هذه المسألة بالتحليل والاستقراء، فبيّنوا حدوده الزمنية وأحكامه التفصيلية، واختلفوا في تحديد أقلّه وأكثره وغالبه، بناءً على الأدلة الشرعية والنظر في الوقائع الطبية والعرفية. وهذه الدراسة تعرض تحرير المسألة وفق مذاهب الفقهاء مع مناقشة أدلتهم والترجيح بينها.
-
تعريف النفاس وحقيقته الفقهية
النفاس هو: الدم الخارج عقب الولادة. وهو دم طبيعة وجِبِلّة، يختلف عن الحيض والاستحاضة من حيث الأحكام والسبب. وقد اتفق الفقهاء على أن النفاس يثبت بخروج الدم عقب الولادة، سواء ولدت المرأة ولداً كاملاً أو سقطاً تبين فيه خلق إنسان.
ومن المسائل المهمة أن النفاس قد يوجد مع الدم وقد يوجد بدونه، فقد نقل أهل العلم أنه قد تلد المرأة ولا ترى دماً أصلاً، وقد رُوي أن امرأة ولدت على عهد النبي ﷺ «فلم تر نفاساً» فسميت ذات الجفوف، وهذا يدل على أن النفاس ليس لازماً لكل ولادة.
-
أقل مدة النفاس
اختلف الفقهاء في تحديد أقل النفاس على أقوال:
1 ـ قول الجمهور
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا حدّ لأقل النفاس، فمتى رأت المرأة الطهر بعد الولادة ولو بعد لحظة اغتسلت وصلّت.
والعلة في ذلك:- عدم ورود نص شرعي يحدد حداً أدنى.
- وجود حالات واقعية ترى فيها المرأة الدم قليلاً جداً.
2 ـ قول الشافعية
ذكر بعض فقهاء الشافعية أن أقله لحظة أو دفعة دم واحدة. وهذا في الحقيقة لا يخالف قول الجمهور، لأن المقصود أنه لا حدّ مضبوطاً، وإنما العبرة بوجود الدم.
3 ـ أقوال أخرى منقولة
- نقل عن المزني أن أقل النفاس أربعة أيام.
- وروي عن الإمام أحمد أنه يوم.
- ونقل عن بعض الحنفية تقديرات في مسائل خاصة بالعدة لا بحد النفاس ذاته.
التحليل الفقهي:
التحقيق أن الخلاف هنا لفظي في معظمه؛ لأن الجميع متفقون عملياً على أن المرأة متى طهرت انقطع حكم النفاس عنها، ولو كان الدم يسيراً جداً. - عدم ورود نص شرعي يحدد حداً أدنى.
-
غالب مدة النفاس
الغالب في مدة النفاس عند الشافعية أربعون يوماً، وهذا مبني على الاستقراء؛ أي ملاحظة الواقع الغالب للنساء، لا على نص ملزم. والغالب لا يعني الحدّ الشرعي، بل يعني المدة الأكثر شيوعاً.
-
أكثر مدة النفاس
اختلف الفقهاء في الحد الأعلى للنفاس على قولين مشهورين:
القول الأول: أكثره أربعون يوماً
وهو مذهب الحنفية والحنابلة، وهو مقابل المشهور عند المالكية، ورجحه جماعة من السلف.
واستدلوا بحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت:
«كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً»
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد.ووجه الاستدلال:
أن الحديث يدل على أن النساء في زمن النبوة كن يتركن الصلاة أربعين يوماً، فكان ذلك حدّ النفاس.وقال الترمذي: أجمع أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك.
القول الثاني: أكثره ستون يوماً
وهو المشهور عند المالكية والشافعية، ورواية عن أحمد.
واستدلوا بما يأتي:- الاستقراء؛ فقد وُجدت نساء يستمر معهن الدم شهرين.
- ما رُوي عن الأوزاعي أنه قال: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين.
- أن حديث الأربعين محمول على الغالب لا على الحد.
- الاستقراء؛ فقد وُجدت نساء يستمر معهن الدم شهرين.
-
مناقشة أدلة الفريقين
عند التحليل المقارن يظهر ما يلي:
1. حديث الأربعين صحيح عند كثير من أهل الحديث، لكنه خبر عن الواقع لا نصّ تشريع صريح يحدد الحد الأعلى.
2. النص لم يصرح بعبارة: "أكثر النفاس أربعون يوماً"، وإنما وصف حال النساء.
3. الاستقراء الطبي والواقعي يدل على اختلاف النساء اختلافاً كبيراً.
لذلك قال الشافعية: الحديث لا يدل على نفي الزيادة، بل يحمل على الغالب أو على نساء مخصوصات.
-
الحكم إذا زاد الدم على أكثر النفاس
بناءً على اختلافهم في الحد الأعلى اختلف الحكم:
· من قال إن أكثره أربعون:
ما زاد على الأربعين ليس نفاساً، بل:- إن وافق زمن العادة فهو حيض.
- وإن لم يوافق فهو استحاضة.
· من قال إن أكثره ستون:
يبقى نفاساً حتى بلوغ الستين، ثم بعد ذلك يكون استحاضة. - إن وافق زمن العادة فهو حيض.
-
التكييف المعاصر في ضوء الطب
الطب الحديث يقرر أن دم ما بعد الولادة يمر بمراحل، وقد يطول أو يقصر تبعاً لعوامل صحية وهرمونية. وهذا يعضد قول من جعل المرجع إلى الوجود الفعلي لا إلى حدّ جامد.
ولهذا يميل كثير من المحققين المعاصرين إلى ترجيح أن:
- الأصل اعتبار الدم ما دام في زمن يمكن أن يكون نفاساً.
- ولا يُحكم بانتهائه إلا بدليل طهر واضح.
- الأصل اعتبار الدم ما دام في زمن يمكن أن يكون نفاساً.
-
الخاتمة
مسألة مدة النفاس نموذج واضح لمرونة الفقه الإسلامي واتساعه لمراعاة اختلاف الطبائع البشرية. فالخلاف بين الفقهاء ليس تضاداً، بل تنوع اجتهادي مبني على فهم النصوص وملاحظة الواقع. والواجب على المرأة أن تعمل بما يغلب على ظنها أنه دم نفاس، وأن ترجع لأهل العلم عند الاشتباه، وأن تعلم أن الشريعة قائمة على اليسر ورفع الحرج.
-
المصادر والمراجع
- فتح القدير للكمال بن الهمام.
- بدائع الصنائع للكاساني.
- روضة الطالبين للنووي.
- مغني المحتاج للشربيني.
- المغني لابن قدامة.
- كشاف القناع للبهوتي.
- نيل الأوطار للشوكاني.
- سنن أبي داود.
- سنن الترمذي.
- سنن ابن ماجه.
- فتح القدير للكمال بن الهمام.