حكم سجدة التلاوة في المذاهب الأربعة

تعرف على حكم سجود التلاوة بغير وضوء بالتفصيل، مع عرض أقوال المذاهب الأربعة وأدلتهم، ومناقشة أدلة المخالفين، وحكم السجود في أوقات النهي، واستقبال القبلة، وما يقال عند العجز عن السجود.

  • تعريف سجود التلاوة

    السجود لغةً

    السجود مصدر سجد، وأصله التطامن والخضوع والتذلل.

    السجود اصطلاحًا

    هو وضع الجبهة أو بعضها على الأرض أو ما اتصل بها من ثابتٍ مستقرٍ على هيئةٍ مخصوصة.

    التلاوة

    التلاوة مصدر تلا يتلو، ويقال: تلوتُ القرآن تلاوةً إذا قرأته، وعمَّ بعضهم بها كل كلام.

    التعريف المركب

    سجود التلاوة: هو السجود الذي سببه وجوبُه أو ندبُه تلاوةُ آيةٍ من آيات السجود.

  • حكم سجود التلاوة عند الشافعية والحنابلة

    يرى الشافعية والحنابلة أن سجود التلاوة سنة مؤكدة عقب تلاوة آية السجدة.

    أدلتهم من القرآن

    قال الله تعالى:

    {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ۝ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ۝ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}
    (الإسراء: 107–109)

    أدلتهم من السنة

    عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

    «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلِي – وَفِي رِوَايَةٍ: يَا وَيْلَهُ – أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ»
    رواه مسلم.

    وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:

    «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ»
    متفق عليه.

    دليلهم على عدم الوجوب

    استدلوا بحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال:

    «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا»

    رواه البخاري.

    كما روى البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ يوم الجمعة سورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، ثم في الجمعة التالية قرأها حتى إذا جاء السجدة قال:

    «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ»

    وفي رواية في الموطأ:

    «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ»

    وكان ذلك بمحضرٍ من الصحابة فلم يُنكر عليه أحد، فكان إجماعًا سكوتيًا.

    واستدلوا كذلك بحديث الأعرابي:

    «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»
    قال: هل علي غيرها؟
    قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَتَطَوَّعَ»
    متفق عليه.

    كما استدلوا بأن الأصل عدم الوجوب حتى يثبت دليل صحيح صريح بالأمر به ولا معارض له، ولم يثبت.

    واحتجوا أيضًا بأنه يجوز سجود التلاوة على الراحلة في السفر بالاتفاق، ولو كان واجبًا لما جاز كصلاة الفرض.

  • حكم سجود التلاوة عند المالكية

    اختلف فقهاء المالكية في حكمه:

    • قيل: سنة غير مؤكدة، وهو المشهور.
    • وقيل: فضيلة.

    ذكر القول بالسنية ابن عطاء الله وابن الفاكهاني وعليه الأكثر.
    والقول بأنه فضيلة هو قول الباجي وابن الكاتب، وصدّر به ابن الحاجب.

    وفائدة الخلاف عندهم: كثرة الثواب وقلته.

    أما في الصلاة – ولو كانت فرضًا – فالسجود مطلوب على القولين.

    وقال ابن العربي:

    "وسجود التلاوة واجب وجوب سنة، لا يأثم من تركه عامدًا."

  • حكم سجود التلاوة عند الحنفية

    ذهب الحنفية إلى أن سجود التلاوة واجب، أو بدله كالإيماء واجب.

    أدلتهم

    استدلوا بحديث:

    «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا»

    واحتجوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه:

    «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي… أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ…»

    قالوا: إن لفظ "أُمِرَ" يدل على الوجوب، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف.

  • الخلاصة

    • اتفق الفقهاء على مشروعية سجود التلاوة.
    • الشافعية والحنابلة: سنة مؤكدة.
    • المالكية: سنة غير مؤكدة أو فضيلة.
    • الحنفية: واجب.

    والخلاف دائر بين الوجوب والندب، مع اتفاقهم على أنه من شعائر القرآن الظاهرة، ومن مظاهر الخضوع لله تعالى عند سماع آيات السجود.

  • أهم المصادر والمراجع

    1.   الموسوعة الفقهية الكويتية – مادة: سجود التلاوة.

    2.   صحيح البخاري.

    3.   صحيح مسلم.

    4.   الموطأ – للإمام مالك.

    5.   أحكام القرآن – لابن العربي.