هل قصة ثعبان الكعبة صحيحة؟ تحقيق علمي شامل
تحقيق علمي موثّق حول قصة ثعبان الكعبة، يفرّق بين الروايات التاريخية الثابتة والأساطير المتداولة عن كنز الكعبة ودابة الأرض، مع توثيق من كتب السيرة والتفسير.
-
مقدمة
تنتشر على مواقع الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي قصص مثيرة تتعلق بالكعبة المشرفة، من أبرزها قصة ما يُسمّى بـ«ثعبان الكعبة الذي حرس كنزها 500 عام». هذه القصة تُقدَّم غالبًا بصيغة درامية توحي بوجود كنز دفين وثعبان أسطوري اختفى فجأة، دون إسناد علمي أو تحقيق تاريخي دقيق.
ونظرًا لمكانة الكعبة المشرفة في الوجدان الإسلامي، كان لزامًا إخضاع هذه الرواية للبحث العلمي الرصين، وردّها إلى مصادرها الأصلية في كتب التفسير والسيرة والتاريخ، وبيان الصحيح من الضعيف، والتفريق بين الرواية التاريخية الموثقة والأسطورة الشعبية المتداولة.
-
الرواية الثابتة في السيرة النبوية
ما ورد في سيرة ابن إسحاق
ثبت في السيرة النبوية لابن إسحاق رواية واضحة عن حية (ثعبان) كانت عند الكعبة المشرفة في زمن بناء قريش لها، وذلك قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
روى الإمام أحمد عن يونس عن ابن إسحاق في سياق حديثه عن بناء الكعبة: "ثم سقفت فكان ذلك أول ما سقفت الكعبة، فلما فرغوا من البنيان وبنوها على ما أرادوا"، ثم ذكر شعر الزبير بن عبد المطلب في وصف الحية التي كانت تمنع قريشاً من البناء.
شهادة الزبير بن عبد المطلب
قال الزبير بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم في شعره يصف ما حدث مع الحية:
عجبت لما تصوبت العقاب ... إلى الثعبان وهي لها اضطراب
وقد كانت يكون لها كشيش ... وأحياناً يكون لها وثاب
إذا قمنا إلى البنيان شدت ... تهيبنا البناء وقد تهاب
فلما أن خشينا الرجز جاءت ... عقاب قد يظل لها الضباب
فضمتها إليها ثم خلت ... لنا البنيان ليس له حجاب
فقمنا حاشدين على بناء ... لنا منه القواعد والتراب
غداة نرفع التأسيس منه ... وليس على مساوينا ثياب
وقال أيضاً في موضع آخر:
لقد كان في أمر العقاب عجيبة ... ومخطفها الثعبان حين تدلت
فكان مدى الأبصار آخر عهدنا ... بها بعد ما باتت هناك وطلت
إذا جاء قوم يرفعون عماده ... من البيت شدت نحوهم واحزألت
فما برحت حتى ظننا جماعة ... بأن علينا لعنة الله حلت
فقلنا جميعاً قد علمنا خطية ... فعسى لنا والحلم منا أضلت
شهادة الوليد بن المغيرة
وقال الوليد بن المغيرة في بنيان الكعبة وشأن الحية:
لقد كان في الثعبان يا قوم عبرة ... ورأي لمن رام الأمور على ذعر
غداة هوى النسر المحلق يرتمي ... به غير حمد منكم يا بني فهر
على حين ما ضلت حلوم سراتكم ... وخفتم بأن لا ترفعوا آخر الدهر
ما تؤكده هذه النصوص
هذه الأشعار التي نقلها ابن إسحاق تؤكد الحقائق التالية:
1. وجود حية (ثعبان) عند الكعبة حين أرادت قريش بناءها
2. كانت الحية تمنع قريشاً من البناء وتخيفهم حين يقتربون
3. جاءت عقاب (نسر) واختطفت الحية فتمكنت قريش من البناء
4. الحادثة كانت قبل بعثة النبي ﷺ بسنوات
طبيعة هذه الرواية
هذه الرواية من المرويات التاريخية في السيرة، وقد وثقها ابن إسحاق بذكر أشعار معاصري الحادثة، وهي من الأحداث التي يتساهل فيها المحدثون أكثر من أحاديث الأحكام الشرعية.
والأهم هنا: هذا الثعبان لم يُذكر في الرواية الأصلية أنه:
- حرس كنزاً مخفياً
- عاش مئات السنين (500 عام)
- كان كائناً مقدساً يُطاف به
- له علاقة بكنوز دفينة
- حرس كنزاً مخفياً
-
الخلط بين ثعبان الكعبة ودابة الأرض
نشأة الخلط
وقع الخلط الكبير حين رُبطت قصة الثعبان بدابة الأرض المذكورة في سورة النمل. فقد ورد في بعض كتب التفسير عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ﴾ (النمل: 82) قول يربط بين دابة الأرض والثعبان الذي كان في الكعبة.
ونقل القرطبي في تفسيره هذا القول، لكنه نبّه على أن هذا من ضمن أقوال متعددة لا يُقطع بأحدها.
اختلاف العلماء في تعيين دابة الأرض
اختلف السلف اختلافاً واسعاً في تعيين جنس الدابة، ولم يأتِ نص قطعي يلزم بقول واحد. من الأقوال الواردة:
- أنها دابة عظيمة مركبة من صفات حيوانات متعددة (ذكره الماوردي والثعلبي)
- أنها الجسّاسة الواردة في حديث تميم الداري رضي الله عنه (رواه مسلم)
- أنها ثعبان من ثعابين الأرض (قول في التفسير)
- أنها فصيل ناقة صالح عليه السلام (قول آخر)
قال الإمام القرطبي رحمه الله: "لم يأتِ في وصفها أو جنسها نصٌّ يُعتمد عليه، وإنما هي أقوال مروية لا يقطع بشيء منها".
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير في التعليق على تفسير القرطبي: "هذه الروايات لا يثبت بها وصفٌ ملزم للدابة، ولا يصح الجزم بشيء منها".
الخلاصة المنهجية
ربط ثعبان الكعبة بدابة الأرض قولٌ تفسيري محتمل من بين أقوال متعددة، وليس حقيقة قطعية. وحتى لو صح هذا القول، فإنه لا يعني أن الثعبان حرس كنزاً أو عاش مئات السنين، فهذه إضافات خيالية لاحقة.
- أنها دابة عظيمة مركبة من صفات حيوانات متعددة (ذكره الماوردي والثعلبي)
-
التحقيق في قصة الكنز المزعوم
ما ثبت تاريخياً
الكعبة المشرفة كانت تُودَع فيها هدايا ونذور وأموال من العرب قبل الإسلام، كما ورد في كتب السيرة أن بئر الكعبة (زمزم) كانت قد طُمرت ودُفنت فيها بعض الأشياء الثمينة.
وبعد الإسلام، وُضعت في الكعبة بعض النفائس على سبيل التكريم والحفظ، لا على سبيل الكنز السري المخفي.
ما لم يثبت أبدًا
لا يوجد في كتب السنة الصحيحة، ولا التفسير المعتبر، ولا التاريخ الإسلامي الموثق، ولا حتى في شعر الزبير بن عبد المطلب والوليد بن المغيرة:
- ذكر كنز دفين سري محروس بثعبان
- ذهب مخفي تحرسه دابة أو حية
- اختفاء كنز مع اختفاء الثعبان
- ثعبان عاش خمسمئة عام في الكعبة
- أي علاقة بين وجود الحية وحراسة كنز
مصطلح "كنز الكعبة المحروس" في التداول المعاصر هو مصطلح إعلامي خيالي، لا أصل له في المصادر الشرعية المعتبرة.
- ذكر كنز دفين سري محروس بثعبان
-
التحقيق الحديثي والإسنادي
درجة الرواية التاريخية
رواية ابن إسحاق عن الحية التي كانت عند الكعبة هي من المرويات التاريخية التي توثقت بأشعار المعاصرين للحادثة (الزبير بن عبد المطلب والوليد بن المغيرة)، وهذا يعطيها قوة في السياق التاريخي.
لكن يجب التفريق بين:
- الرواية الأصلية البسيطة: وجود حية منعت البناء ثم جاءت عقاب واختطفتها (هذا له أصل)
- الإضافات الخيالية اللاحقة: الكنز، 500 عام، الحراسة المقدسة (هذا لا أصل له)
ضعف الروايات المبالغ فيها
معظم الروايات التفصيلية التي تتحدث عن كنز محروس أو عمر طويل للثعبان لا تصل إلى درجة الصحة، بل هي:
- إما ضعيفة السند
- أو من الإسرائيليات
- أو من القصص الشعبية المتأخرة
العلماء المحققون كالشيخ الألباني وغيره لم يصححوا الروايات التفصيلية المبالغ فيها عن هذه القصة.
الاختلاط بالإسرائيليات
بعض التفاصيل الواردة في القصة قد تكون من الإسرائيليات التي دخلت على كتب التفسير والقصص، خاصة ما يتعلق بالأرقام الضخمة (500 عام) والكنوز الأسطورية، فهذا من أسلوب القصص الإسرائيلية.
- الرواية الأصلية البسيطة: وجود حية منعت البناء ثم جاءت عقاب واختطفتها (هذا له أصل)
-
الموقف الشرعي والعلمي النهائي
يمكن تلخيص الحكم العلمي في النقاط التالية:
ثبت تاريخياً وجود حية (ثعبان) عند الكعبة منعت قريشاً من البناء، كما في سيرة ابن إسحاق وأشعار الزبير بن عبد المطلب والوليد بن المغيرة
ثبت أن عقاباً (نسراً) جاءت واختطفت هذه الحية فتمكنت قريش من البناء
لم يثبت أن الثعبان حرس كنزاً أو ذهباً مخفياً
لم يثبت أن الثعبان عاش 500 عام
لم يثبت أنه كائن مقدس أو خارق
الربط بين هذا الثعبان وبين دابة الأرض قولٌ تفسيري غير ملزم من بين أقوال متعددة
القصة المتداولة اليوم بصيغتها الشائعة (كنز محروس 500 عام) أسطورة لا أصل لها
-
أهم المصادر والمراجع
1. القرآن الكريم – سورة النمل، الآية 82
2. السيرة النبوية لابن إسحاق – رواية الإمام أحمد عن يونس عن ابن إسحاق في قصة بناء الكعبة
3. الإمام القرطبي – الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة النمل
4. الماوردي – النكت والعيون في التفسير
5. الثعلبي – الكشف والبيان عن تفسير القرآن
6. ابن كثير – تفسير القرآن العظيم
7. ابن هشام – السيرة النبوية (الروض الأنف)
8. عبد الكريم الخضير – التعليق على تفسير القرطبي
9. صحيح مسلم – حديث تميم الداري رضي الله عنه (قصة الجساسة)