حكم بيع النساء وقت صلاة الجمعة واستنابتهن
مقال فقهي تحليلي يوضح حكم بيع النساء وشرائهن وقت صلاة الجمعة، وحكم استنابتهن للبيع أثناء الخطبة، مع بيان أقوال المذاهب الأربعة، وضوابط البيع داخل المسجد وخارجه، وشروط الجواز.
جدول المحتويات
-
مقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
يمثّل وقت صلاة الجمعة زمنًا له خصوصيته في الفقه الإسلامي، حيث تعلّقت به أحكام تخص المكلفين بوجوب السعي إلى الجمعة وترك البيع بعد النداء الثاني. وقد كثر السؤال في عصرنا حول جواز بيع النساء وقت الجمعة، أو استنابتهن للبيع، خاصة في المتاجر التي يعتمد عليها أصحابها في ساعات الذروة التي توافق وقت الخطبة والصلاة. وهذا المقال يقدم معالجة فقهية دقيقة، مستندة إلى أقوال المذاهب الأربعة ونصوص الشريعة، مع توضيح الضوابط العملية التي تُعين على تطبيق الحكم بصورة صحيحة.
-
الأساس الشرعي لحكم البيع وقت الجمعة
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9].هذه الآية أصل الباب، وهي واضحة في تحريم البيع على من تجب عليهم الجمعة بعد النداء الثاني. ويتفق الفقهاء على أن النهي خاص بمن خوطب بالجمعة.
-
إجماع المذاهب على جواز بيع النساء وقت الجمعة
اتفقت المذاهب الأربعة على أن من لا تجب عليهم الجمعة يجوز لهم البيع وقتها، ومنهم:
- النساء
- المسافرون
- الصبيان
- المرضى
- العبيد (في زمن وجودهم)
أدلة المذاهب الأربعة
1. الحنفية
نصّوا على استثناء من لا جمعة عليه من النهي عن البيع؛ كما ورد في الموسوعة الفقهية.
2. المالكية
جاء في حاشية الدسوقي ومنح الجليل:
"فإن تبايع اثنان تلزمهما الجمعة أو أحدهما فسخ البيع، وإن كانا ممن لا تجب الجمعة على واحد منهما لم يُفسخ."
3. الشافعية
قال النووي في المجموع ناقلاً عن الشافعي:
"إذا تبايع رجلان ليسا من أهل فرض الجمعة لم يحرم بحال ولم يكره."
4. الحنابلة
قال ابن قدامة في المغني:
"تحريم البيع يختص بالمخاطَبين بالجمعة، فأما غيرهم من النساء والصبيان والمسافرين فلا يثبت في حقه."
الخلاصة:
يجوز للنساء البيع والشراء وقت الجمعة دون حرج، ما دمنَ يتعاملن مع من لا تجب عليه الجمعة. - النساء
-
حكم استنابة المرأة للبيع وقت الجمعة
هذه المسألة هي الأكثر تداولاً، وهي التي يقع فيها كثير من أصحاب الأعمال.
الحالة الأولى: تبيع المرأة لمن لا تجب عليه الجمعة
هذه الصورة جائزة بلا خلاف، لأنها ليست مخاطبة بالسعي للجمعة، ولا تعاون على الإثم.
الحالة الثانية: أن تبيع المرأة لمن تجب عليه الجمعة
في هذه الحالة:
- الشخص المخاطب بالجمعة آثم لأنه اشتغل بالبيع بعد النداء.
- المرأة تُنهى عن البيع له؛ لأنه تعاون على الإثم.
موقف الفقهاء من صحة العقد
- الجمهور: البيع صحيح لكنه محرم.
- المالكية: يميلون إلى الفسخ إذا كان أحد المتبايعين من أهل الجمعة.
- الحنابلة: لا يصح البيع في حق من تجب عليه الجمعة.
- الشخص المخاطب بالجمعة آثم لأنه اشتغل بالبيع بعد النداء.
-
البيع داخل المسجد وقت الجمعة
هنا يشتد المنع لأسباب متعددة:
1. البيع داخل المسجد محرم أصلاً
ورد في صحيح السنة:
· حديث عمرو بن شعيب:
"نهى رسول الله ﷺ عن الشراء والبيع في المسجد" (رواه أحمد وأبو داود والنسائي).· حديث أبي هريرة:
"إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك" (رواه الترمذي).2. وقت الخطبة تتأكد الحرمة
وذلك لأن كل من حضر المسجد مأمور بالإنصات للخطيب، والبيع يخلّ بذلك.
إذن:
البيع في المسجد محرّم، ويتأكد التحريم وقت الجمعة. -
شروط جواز بقاء المرأة للبيع وقت الجمعة
إذا بقيت المرأة في المتجر لبيع الطعام أو غيره، فيشترط:
1. ألا تبيع محرماً
كبيع الخمر أو ما يُستخدم في معصية.
2. الالتزام بالحجاب الشرعي
مع ستر كامل البدن أمام الرجال.
3. عدم البيع لمن تجب عليه الجمعة
سواء علمت ذلك يقيناً أو غلب على ظنها.
4. الالتزام بضوابط التعامل الشرعي
مثل عدم الخضوع بالقول، وعدم الخلوة، والاكتفاء بالكلام الضروري.
-
حكم المال الناتج عن البيع وقت الجمعة
1. إن كان البيع مع غير المخاطبين بالجمعة
فالمال حلال بلا إشكال.
2. إن كان البيع مع من تجب عليه الجمعة
فالبيع عند الجمهور صحيح لكن محرم، والمال حلال، لكن البائع آثم.
هل يجب التخلص من المال؟
لا يلزم التخلص منه، لأن العقد عند الجمهور صحيح غير فاسد، بخلاف ما لو كان العقد باطلاً.
-
تطبيقات عملية لأصحاب المتاجر
لتحقيق الامتثال الشرعي دون خسارة نشاطك التجاري، يمكن اتباع النموذج التالي:
1. ترك موظفة أو امرأة في المتجر وقت الجمعة
بشرط الالتزام بالضوابط المذكورة.
2. وضع لوحة واضحة:
"نعتذر عن البيع لمن تجب عليه صلاة الجمعة بعد النداء الثاني."
3. تدريب الموظفة على كيفية الاعتذار عن البيع بلطف واحتراف.
4. وضع نظام إلكتروني لا يسمح بالبيع في هذا الوقت إلا بعد التأكد من أهلية المشتري (إن أمكن).
-
خلاصة الحكم الشرعي
1. يجوز للنساء البيع وقت الجمعة لمن لا تجب عليه.
2. لا يجوز البيع في المسجد مطلقاً، ويتأكد وقت الجمعة.
3. لا يجوز البيع لمن تجب عليه الجمعة بعد النداء الثاني، سواء كان البائع رجلاً أو امرأة.
4. يجوز استنابة المرأة في البيع بشرط ألا تبيع لمن تجب عليه الجمعة.
5. العقد صحيح عند الجمهور وإن كان محرماً، والمال حلال.
-
الخاتمة
تمثل أحكام البيع وقت الجمعة مجالاً يحكمه النص الشرعي ومقاصد الشريعة في تعظيم شعيرة الجمعة ومنع ما يشغل عنها. وقد جاءت الشريعة رحيمة مرنة، فجعلت النساء ومن لا تجب عليهم الجمعة في سعة من أمرهم، وأتاحت لهم ممارسة البيع، بشرط أن لا يكون في ذلك تعاون على الإثم أو انتهاك لحرمة المسجد أو الوقت.
إن الالتزام بهذه الضوابط يمنح النشاط التجاري مصداقية دينية ويعزز ثقة العملاء، ويجعل أعمالك متوافقة مع القيم الشرعية ومؤهلة لتصدّر النتائج في محركات البحث عبر محتوى موثوق ودقيق.
والله أعلم.