ماذا نقول عند قول المؤذن: الصلاة خير من النوم؟
ما الذي يقال عند قول المؤذن الصلاة خير من النوم؟ مقال فقهي موسع يوضح الخلاف بين العلماء، الأدلة الشرعية، والترجيح الصحيح وفق السنة النبوية.
-
المقدمة
ما نقول عند قول المؤذن: الصلاة خير من النوم؟ يُعدّ الأذان من أعظم شعائر الإسلام الظاهرة، وقد شُرع له الذكر والمتابعة لما فيه من تعظيم لشأن الصلاة وربط القلوب بها. ومن الألفاظ الخاصة بأذان الفجر قول المؤذن: «الصلاة خير من النوم»، وهو ما يُسمّى عند الفقهاء بـ التثويب.
وقد وقع الخلاف بين العلماء: هل يُقال مثلها؟ أم يُقال: صدقت وبررت؟
هذا المقال يقدّم معالجة علمية دقيقة للمسألة، مع استعراض الأقوال، أدلتها، ومناقشتها، ثم بيان الراجح. -
الأصل العام في متابعة المؤذن
الأصل الكلي في هذه المسألة هو ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ»
رواه البخاري (611)، ومسلم (318)وهذا الحديث قاعدة تشريعية عامة في متابعة ألفاظ الأذان، واستثني منه فقط ما ثبت فيه نص خاص، وهو الحيعلة.
-
ما يُقال عند الحيعلة (استثناء متفق عليه)
ثبت في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»
رواه مسلم (385)وهذا الاستثناء محل إجماع عملي بين أهل العلم.
-
محل الخلاف – ماذا يقال عند «الصلاة خير من النوم»؟
القول الأول: يقول مثل ما يقول المؤذن
وهو قول طائفة من المالكية، واختاره جماعة من المحققين من أهل الحديث، ورجحه عدد من المعاصرين.
الدليل:
التمسك بعموم حديث:
«فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ»
إذ لم يرد نص صحيح صريح يستثني لفظ «الصلاة خير من النوم» من هذا العموم.
من أقوال العلماء:
· قال ابن قدامة رحمه الله:
«لا أعلم خلافًا بين أهل العلم في استحباب ذلك»
المغني (1/591)· وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
«الصحيح أن يقال مثل ما يقول: الصلاة خير من النوم؛ لأن النبي ﷺ قال: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول»
الشرح الممتع (2/84)· وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
«لا أصل لما ذكره في الصلاة خير من النوم»
التلخيص الحبير (1/378)· وقال الصنعاني رحمه الله:
«وقيل يقول في جواب التثويب صدقت وبررت، وهذا استحسان من قائله، وإلا فليس فيه سنة تعتمد»
سبل السلام (1/190)وجه الاستدلال:
- العبادة توقيفية
- ولم يثبت عن النبي ﷺ ذكر مخصوص عند التثويب
- فيبقى اللفظ داخلًا في عموم الحديث
القول الثاني: يقول «صدقت وبررت»
وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة في المشهور عندهم.
من أقوالهم:
· قال النووي رحمه الله:
«ويقول إذا سمع المؤذن الصلاة خير من النوم: صدقت وبررت، هذا هو المشهور»
المجموع (3/127)· وقال الكاساني الحنفي رحمه الله:
«وكذا إذا قال المؤذن الصلاة خير من النوم… ولكنه يقول: صدقت وبررت أو ما يؤجر عليه»
بدائع الصنائع (1/152)· وقال المرداوي الحنبلي رحمه الله:
«أن يقول عند التثويب: صدقت وبررت فقط، على الصحيح من المذهب»
الإنصاف (1/415)تعليلهم:
- من باب التصديق للمؤذن
- واستحسانًا لا اعتمادًا على نص مرفوع صحيح
- العبادة توقيفية
-
هل ورد حديث صحيح في «صدقت وبررت»؟
الجواب: لا.
- الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة لا تثبت
- ولم يخرجها أصحاب الصحاح
- ولهذا صرّح عدد من أهل الحديث بعدم ثبوتها
قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله:
«أما صدقت وبررت فإنما جاءت في حديث ضعيف»
مجموع الفتاوى (2/448) - الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة لا تثبت
-
هل يجوز الجمع بين العبارتين؟
ذهب بعض المتأخرين إلى جواز الجمع، لكن:
- لا دليل عليه
- ولم يثبت عن السلف
- والأصل الاقتصار على الوارد
ولهذا قال المحققون: الأولى والأحوط اتباع النص الصريح دون زيادة.
- لا دليل عليه
-
الترجيح والقول الراجح
الراجح – والله أعلم – أن المشروع عند سماع قول المؤذن:
«الصلاة خير من النوم» أن يقول السامع:الصلاة خير من النوم
وذلك للأسباب الآتية:
- عموم الحديث الصحيح المتفق عليه
- عدم ثبوت نص صحيح في غيره
- أن العبادات مبناها على التوقيف
- أن الاستثناء ثبت فقط في الحيعلة
- عموم الحديث الصحيح المتفق عليه
-
أهم المصادر والمراجع
• صحيح البخاري
• صحيح مسلم
• المغني لابن قدامة
• المجموع للنووي
• بدائع الصنائع للكاساني
• الإنصاف للمرداوي
• سبل السلام للصنعاني
• الشرح الممتع لابن عثيمين
• التلخيص الحبير لابن حجر
• مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم
• موقع الإسلام سؤال وجواب