الدعاء بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾
توضيح شرعي دقيق لمعنى قوله تعالى ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق﴾، سبب نزولها، حكم الدعاء بها، وبيان خطأ تخصيصها بفضائل لم تثبت عن النبي ﷺ.
جدول المحتويات
-
المقدمة
في زمن الانتشار السريع للرسائل الدعوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يكثر تداول نصوص تُنسب إلى القرآن الكريم أو السنة النبوية، ويُلحق بها وعود بفضائل خاصة أو “أسرار عجيبة” دون مستند علمي موثوق. ومن أكثر الآيات التي شاع توظيفها بهذا الأسلوب قوله تعالى:
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾
(سورة الإسراء: الآية 80)فما المعنى الصحيح لهذه الآية؟ وما سبب نزولها؟ وهل يصح تخصيصها بفضائل معينة عند الخروج من المنزل أو دخول العمل أو الأسواق؟ هذا ما تسعى هذه المقالة إلى بيانه بيانًا علميًا رصينًا.
-
سبب نزول قوله تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾
ذكر جمهور المفسرين أن هذه الآية نزلت في هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة.
أقوال السلف في سبب النزول
· روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
«كان النبي ﷺ بمكة، ثم أُمر بالهجرة، فنزلت».
· وقال الضحّاك:
«هو خروجه من مكة مهاجرًا، ودخوله مكة يوم الفتح آمنًا».
وقد رجّح هذا القول كلٌّ من:
- الإمام الطبري – تفسير الطبري (15/57)
- الإمام ابن كثير – تفسير ابن كثير (5/111)
وهو القول الصحيح المعتمد عند أهل التفسير.
الدلالة العقدية للآية
المعنى أن الله تعالى علّم نبيَّه ﷺ أن يسأله:
- خروجًا صادقًا من دار الشرك والأذى
- ودخولًا صادقًا إلى دار الأمن والتمكين
فكان هذا الدعاء إيذانًا بمرحلة استراتيجية مفصلية في مسار الدعوة الإسلامية.
- الإمام الطبري – تفسير الطبري (15/57)
-
لماذا قُدِّم الإدخال على الإخراج في الآية؟
مع أن الخروج من مكة سبق الدخول إلى المدينة زمنًا، إلا أن تقديم الإدخال في الآية جاء لأن:
- الغاية مقدَّمة على الوسيلة
- فالمراد هو الدخول في موطن الطمأنينة والنصر، لا مجرد الخروج
وهذا من دقائق الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم.
- الغاية مقدَّمة على الوسيلة
-
هل يجوز الدعاء بهذه الآية على وجه العموم؟
الجواب: نعم، بشروط علمية
بعد معرفة سبب النزول، قرر أهل العلم أنه لا حرج في الدعاء بهذه الآية على وجه العموم، من باب:
- الاقتباس من أدعية القرآن
- طلب الصدق في المداخل والمخارج كلها
أقوال العلماء في عموم المعنى
1. ابن عطية رحمه الله
قال في المحرر الوجيز (3/479):
«ظاهر هذه الآية، والأحسن فيها: أن يكون دعاءً في أن يُحسن الله حالته في كل ما يتناوله من الأمور، والأسفار، والأعمال، والموت والحياة؛ فهي على أتم عموم».
2. الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله
قال في تيسير الكريم الرحمن (ص 464):
«أي: اجعل مداخلي ومخارجي كلها في طاعتك وعلى مرضاتك… وهذا أعلى حالة ينزلها الله العبد».
- الاقتباس من أدعية القرآن
-
هل لهذه الآية فضائل خاصة عند الخروج من المنزل؟
الجواب العلمي المنضبط
لا يصح شرعًا تخصيص هذه الآية بفضائل معيّنة، أو الادعاء بأن من داوم عليها عند الخروج أو الدخول:
- سيحصل له “العجب العجاب”
- أو تيسير مخصوص
- أو حماية خاصة
لأن:
- لا دليل صحيح على ذلك
- ولم يرد عن النبي ﷺ
- ولا عن الصحابة رضي الله عنهم
وكل تحديد لعبادة أو فضل بلا دليل يدخل في:
القول على الله بغير علم
- سيحصل له “العجب العجاب”
-
الدعاء النبوي الصحيح عند الخروج من المنزل
ثبت عن النبي ﷺ دعاء مخصوص عند الخروج من البيت:
الحديث الصحيح
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يُقَالُ لَهُ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ…»
رواه:
- أبو داود (5090)
- الترمذي (3426) وصححه الألباني.
وهذا هو الدعاء المشروع الثابت الذي لا يُعدل عنه.
- أبو داود (5090)
-
الجمع بين المشروع والجائز
- المشروع: الالتزام بالأدعية النبوية الثابتة
- الجائز: الدعاء بالآية أحيانًا دون اعتقاد فضل خاص
أما:
- جعله وردًا دائمًا
- أو نسب فضائل مخصوصة له
- أو نشر رسائل تزعم “سر تأثيره العجيب”
فكل ذلك غير جائز شرعًا.
- المشروع: الالتزام بالأدعية النبوية الثابتة
-
الخاتمة
إن ضبط العبادة بالدليل هو أساس سلامة المنهج، وحماية الشريعة من الإضافة والابتداع. والآية الكريمة ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ دعاء عظيم المعنى، جليل المقصد، لكن تعظيم النص لا يكون بتكلف الفضائل، بل باتباع الوحي.
-
أهم المصادر والمراجع
• تفسير الطبري
• تفسير ابن كثير
• التفسير الوسيط – مجمع البحوث الإسلامية
• تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز)
• تفسير السعدي
• مصنف ابن أبي شيبة
• موقع الإسلام سؤال وجواب