حكم استعمال العطور والبخور أثناء الصيام دراسة فقهية مقارنة على المذاهب الأربعة

حكم استعمال العطور والبخور أثناء الصيام دراسة فقهية مقارنة على المذاهب الأربعة مع أقوال العلماء المعاصرين وبيان الضابط الشرعي للمفطرات.

حكم استعمال العطور والبخور أثناء الصيام دراسة فقهية مقارنة على المذاهب الأربعة
حكم استعمال العطور والبخور أثناء الصيام دراسة فقهية مقارنة على المذاهب الأربعة
  • مقدمة

    مقدمة
    حكم استعمال العطور والبخور أثناء الصيام

    يُعدّ سؤال حكم استعمال العطور والبخور أثناء الصيام من المسائل المتكررة في شهر رمضان، لارتباطه بالسلوك اليومي للمسلم، خاصة في البيوت والمساجد وأماكن العمل. وتبرز الإشكالية الفقهية في التفريق بين مجرد شم الرائحة واستنشاق ما له جِرم يصل إلى الجوف، وهي نقطة جوهرية في تحرير محل النزاع.

    تهدف هذه المقالة إلى تقديم تحليل فقهي دقيق ومقارن، مستند إلى نصوص المذاهب الأربعة، مع ترجيح علمي، وبيان أقوال كبار العلماء المعاصرين، بأسلوب احترافي يخدم الباحث والقارئ العام، ويعزز موثوقية المحتوى الشرعي.

  • الضابط الفقهي العام في المفطرات

    الأصل في المفطرات أنها:

    • ما دخل إلى الجوف عمداً
    • وكان له جِرم محسوس
    • عن طريق منفذ مفتوح معتاد

    وعليه؛ فإن مجرد وصول الرائحة إلى الأنف لا يُعد مفطراً، لأن الرائحة أثر لا جِرم له، بخلاف الدخان أو البخار الكثيف.

    قال الإمام ابن تيمية رحمه الله:

    "الروائح لا تُفطر؛ لأنها ليست أعياناً تدخل الجوف"
    (مجموع الفتاوى 25/266)

  • حكم استعمال العطور أثناء الصيام

    1. حكم شم العطور والروائح الطيبة

    اتفق الفقهاء على أن:

    • شم العطر، والمسك، والعنبر، ودهن العود، والكولونيا
    • لا يفسد الصوم
    • سواء كان بقصد أو بغير قصد
    • ما دام ليس له جِرم يصل إلى الجوف

    الدليل:

    قال الإمام النووي رحمه الله:

    "وأما الطيب، فشمّه لا يفطر بلا خلاف"
    (المجموع شرح المهذب 6/323)

    وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

    "رائحة العطر لا تفطر، حتى لو استنشقها الإنسان، لأنه لا يتصاعد إلى جسمه شيء سوى مجرد الرائحة"
    (فتاوى رمضان، ص 499)

  • حكم البخور أثناء الصيام

    الفرق بين شم البخور واستنشاقه

    • شم رائحة البخور: لا يفطر
    • استنشاق دخان البخور عمداً: محل خلاف فقهي

    والسبب أن:

    • دخان البخور له جِرم محسوس
    • وقد يصل إلى الحلق ثم المعدة
  • أقوال المذاهب الأربعة في استنشاق البخور

    1. مذهب الحنفية

    يرى الحنفية أن:

    • من تعمد استنشاق دخان البخور أفطر

    قال ابن عابدين رحمه الله:

    "ولو تبخر ببخور وآواه إلى نفسه واشتمه ذاكراً لصومه أفطر، لإمكان التحرز عنه"
    (رد المحتار 2/395)

    ويُفرّقون بين:

    • الهواء المتطيب (لا يفطر)
    • والدخان المتولد عن مادة (يفطر)

    2. مذهب المالكية

    صرّح المالكية بأن:

    • استنشاق البخور المفطر
    • إلا إذا وصل بغير اختيار

    قال الدسوقي رحمه الله:

    "متى وصل دخان البخور للحلق باستنشاق وجب القضاء"
    (حاشية الدسوقي 1/525)

    ويُستثنى:

    • صانع البخور إذا شق عليه التحرز

    3. مذهب الشافعية

    يرى الشافعية أن:

    • دخول الدخان لا يفطر
    • لأنه ليس عيناً مستقرة في الجوف

    قال ابن حجر الهيتمي:

    "ومثل دخول دخان نحو البخور إلى الجوف، وإن تعمد فتح فاه قصداً لذلك"
    (تحفة المحتاج 3/386)

    4. مذهب الحنابلة

    يفرّق الحنابلة بين:

    • شم الروائح: لا يفطر
    • استنشاق ما له جِرم: يفطر

    قال البهوتي رحمه الله:

    "كره له شم ما لا يؤمن أن يجذبه نفس لحلق كبخور"
    (كشاف القناع 2/310)

  • أقوال العلماء المعاصرين

    1. الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله

    "البخور والعطر لا يفطران، لكن لا يستنشق البخور؛ خروجاً من الخلاف"
    (فتاوى ابن باز 15/267)

    2. الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

    "لا يجوز أن يستنشق البخور، لأن له جرماً يصل إلى المعدة"
    (فتاوى رمضان، ص 499)

  • حكم استعمال الفِكس (أبو فاس) أثناء الصيام

    • الفِكس دواء موضعي
    • ليس أكلاً ولا شرباً
    • ولا في معنى المفطرات

    وعليه:

    لا يفسد الصوم باتفاق المعاصرين

  • حكم تبخير المساجد وشم البخور أثناء الصلاة

    • تبخير المساجد سنة معروفة
    • لا حرج على المصلي أن يشم رائحة البخور
    • ما لم يتعمد الاستنشاق

    قال البهوتي:

    "ويُسنّ تطييب المسجد وتجميره في الجمع والأعياد"
    (كشاف القناع 2/372)

  • حكم دخان الشواء للصائم

     يتفرع بحسب الضبط الفقهي للدخان وطريقة وصوله، ويمكن حسمه بدقة على النحو الآتي:

    أولاً: إذا وصل دخان الشواء بغير قصد

    إذا كان الصائم:

    • يمرّ بجانب الشواء
    • أو كان موجودًا في مكان الشواء
    • فوصل الدخان إلى أنفه من غير تعمّد للاستنشاق

     فلا يفسد صومه باتفاق أهل العلم؛ لأن هذا مما يعسر التحرز منه، وقد تقرر فقهيًا أن:

    ما لا يمكن الاحتراز عنه لا يُكلَّف به الصائم

    قال الإمام الدسوقي المالكي:

    "وأما ما وصل للحلق بغير اختياره فلا قضاء فيه"
    (حاشية الدسوقي 1/525)

    ثانياً: إذا تعمّد استنشاق دخان الشواء

    إذا قام الصائم بـ:

    • تعمّد استنشاق الدخان
    • أو قرّب أنفه من الشواء ليستنشقه

    فهنا يختلف الحكم باختلاف المذاهب:

     قول الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة)

    • يفطر الصائم إذا تعمّد استنشاق دخان له جِرم
    • لأن دخان الشواء له أجزاء محسوسة قد تصل إلى الجوف

    قال ابن عابدين الحنفي:

    "الدخان إذا أدخله إلى جوفه عامدًا أفطر"
    (رد المحتار 2/395)

    وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

    "الدخان له جرم، فإذا استنشقه الصائم فوصل إلى معدته أفطر"
    (فتاوى رمضان)

     مذهب الشافعية

    • لا يرون فساد الصوم بدخول الدخان
    • لأنه ليس عينًا مستقرة في الجوف

    قال ابن حجر الهيتمي:

    "دخول الدخان إلى الجوف لا يفطر"
    (تحفة المحتاج 3/386)

    ثالثاً: الترجيح والضابط العملي

    الراجح والأحوط:

    • أن يتجنب الصائم تعمّد استنشاق دخان الشواء
    • خروجًا من الخلاف
    • وعملاً بقاعدة سد الذرائع في العبادات

    أما:

    • مجرد وجود الدخان في الجو
    • أو شم رائحته دون قصد

     فلا يفسد الصوم قطعًا

  • حكم العامل في الشواء

    أولًا: توصيف المسألة فقهيًا

    العامل في الشواء:

    • يتعرض لدخان كثيف له جِرم
    • ويشق عليه التحرز التام منه
    • ولا يقصد الاستنشاق لذاته، وإنما العمل والكسب

    فهذه ليست حالة ترف أو اختيار، بل ضرورة مهنية.

    ثانيًا: هل يمتنع عن العمل؟

    لا يُطلب منه شرعًا الامتناع عن العمل، وذلك لأسباب أصولية واضحة:

    1.   المشقة تجلب التيسير

    2.   ما لا يمكن الاحتراز عنه معفوّ عنه

    3.   التكليف بما فيه إضرار بالمعاش مرفوع شرعًا

    قال الله تعالى:

    ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
    [البقرة: 286]

    فإلزامه بترك العمل في رمضان غير متجه شرعًا.

    ثالثًا: هل يجوز له تقليد مذهب الشافعية؟

    نعم، يجوز له ذلك بشروط منضبطة

    والقول بالجواز هنا قول فقهي معتبر، لا تتبع رخص، ولا تلاعب بالمذاهب، وذلك لما يلي:

    1. مذهب الشافعية لا يرون فساد الصوم بدخول الدخان

    قال ابن حجر الهيتمي:

    "دخول دخان نحو البخور إلى الجوف لا يفطر"
    (تحفة المحتاج 3/386)

    ودخان الشواء في معناه.

    2. هذه الحالة تدخل تحت باب الحاجة العامة

    والحاجة إذا عمّت:

    نُزِّلت منزلة الضرورة

    والتقليد هنا:

    • ليس لأجل الهوى
    • بل لدفع الحرج والمشقة المستمرة

    3. أفتى بالتوسعة المعاصرة في نظائر المسألة

    كثير من المحققين المعاصرين:

    • رخّصوا لمن ابتُلي بدخانٍ لا ينفك عنه
    • كالعامل في الأفران والمطابخ والشواء

    مع التأكيد على:

    • عدم تعمّد الاستنشاق
    • وبذل الوسع في التخفيف قدر الإمكان

      العامل في الشواء لا يُطالب بترك عمله، ولا يفطر، ويجوز له تقليد مذهب الشافعية عند المشقة، وصومه صحيح ما دام لم يتعمد الاستنشاق، وما لا يُحتَرز عنه معفوّ عنه شرعًا.

  • المصادر والمراجع

    • رد المحتار لابن عابدين
    • حاشية الدسوقي على الشرح الكبير
    • تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي
    • كشاف القناع للبهوتي
    • مجموع فتاوى ابن تيمية
    • فتاوى ابن باز
    • فتاوى ابن عثيمين
    • فتاوى موقع الإسلام سؤال وجواب