حكم الحجامة ونقل الدم أثناء الصيام

حكم الحجامة ونقل الدم أثناء الصيام دراسة فقهية مقارنة توضح أقوال العلماء، حكم الحجامة الرطبة والجافة، وأثرها على صحة الصوم مع الترجيح المعتمد.

حكم الحجامة ونقل الدم أثناء الصيام
حكم الحجامة ونقل الدم أثناء الصيام
  • مقدمة

    تُعدّ مسألة الحجامة أثناء الصيام من المسائل الفقهية التي كثر فيها الخلاف بين أهل العلم قديمًا وحديثًا، نظرًا لتعارض ظواهر بعض النصوص الواردة فيها، ولاختلاف الفقهاء في ضبط مفهوم المفطِّر وحدوده. وتزداد أهمية هذه المسألة في العصر الحديث مع انتشار أنواع جديدة من الحجامة، مثل الحجامة الجافة، ومع شيوع الإجراءات الطبية المرتبطة بالدم، كـ نقل الدم والتحاليل الطبية، مما يستدعي دراسة فقهية دقيقة تجمع بين النصوص الشرعية، وأقوال الفقهاء، والتنزيل المعاصر.

  • تعريف الحجامة وحكم التداوي بها

    معنى الحجامة لغة واصطلاحًا

    الحجامة في اللغة مأخوذة من الحَجْم، وهو المصّ.
    وفي الاصطلاح:

    شقُّ الجلد أو جرح عضوٍ من الجسد –غالبًا الظهر– لاستخراج الدم الفاسد، إمّا بالفم أو بآلة كالكأس، على سبيل التداوي.

    حكم التداوي بالحجامة

    الأصل في التداوي بالحجامة أنه مستحب، لما ثبت في السنة النبوية من الترغيب فيها.

    قال رسول الله ﷺ:
    «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ»
    متفق عليه.

    وقال ﷺ:
    «خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ»
    رواه أحمد والبخاري.

  • محل الخلاف الفقهي في الحجامة للصائم

    اختلف الفقهاء في حكم الحجامة للصائم على قولين مشهورين:

    القول الأول: أن الحجامة لا تُفطِّر الصائم (قول الجمهور)

    وهو مذهب:

    • أبي حنيفة
    • مالك
    • الشافعي

    أدلة هذا القول

    1.    ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما:
    «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ».

    2.    قول ابن عباس وعكرمة:
    «الصوم مما دخل وليس مما خرج».

    3.    ما روي عن أم علقمة قالت:

    كنا نحتجم عند عائشة ونحن صيام، وبنو أخي عائشة فلا تنهاهم.

    وجه الاستدلال

    • أن خروج الدم لا يُعدّ من المفطرات؛ لأن المفطرات في الأصل ما يدخل إلى الجوف لا ما يخرج منه.
    • وأن فعل النبي ﷺ ناسخٌ لما قد يُفهم من أحاديث أخرى ظاهرها التفطير.

    القول الثاني: أن الحجامة تُفطِّر الصائم

    وهو مذهب:

    • الإمام أحمد بن حنبل
    • وإليه ذهب إسحاق بن راهويه
    • وابن المنذر
    • واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية
    • والشيخان: ابن باز وابن عثيمين رحمهم الله

    أدلة هذا القول

    حديث شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
    «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ»
    رواه أبو داود (2369)، وابن ماجه (1681)، وأحمد (4/122)، وصححه البخاري في العلل الكبير، وصححه علي بن المديني وإسحاق بن راهويه والإمام أحمد.

    التعليل

    • أن الحجامة تُفضي غالبًا إلى ضعف شديد، قد يضطر الصائم إلى الفطر، فكانت مظنّة لإفساد الصيام.
  • مناقشة حديث «أفطر الحاجم والمحجوم»

    الجمع والترجيح بين الأدلة

    ذهب جمهور المحققين إلى أن هذا الحديث منسوخ.

    قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري تعليقًا على حديث الاحتجام للصائم:

    قال ابن عبد البر وغيره: فيه دليل على أن حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» منسوخ؛ لأنه جاء في بعض طرقه أن ذلك كان في حجة الوداع، وسبق إلى ذلك الشافعي.

    توجيه آخر عند بعض العلماء

    أن المراد بقوله ﷺ:
    «أفطر الحاجم والمحجوم»
    أي: تسببا في الفطر، لا أنهما أفطرا حقيقة:

    • الحاجم: لاحتمال وصول شيء من الدم إلى حلقه.
    • والمحجوم: لما يلحقه من ضعف قد يضطره إلى الفطر.
  • التفصيل المعاصر – أنواع الحجامة وأثرها على الصيام

    1. الحجامة الرطبة (التشريطية)

    • يُشقّ فيها الجلد ويُستخرج الدم.
    • الراجح عند كثير من المعاصرين: أنها مفطّرة؛ أخذًا بظاهر حديث شداد بن أوس، وسدًا لذريعة الضعف.
    • وهذا ترجيح عدد من أهل التحقيق المعاصرين.

    2. الحجامة الجافة (حجامة النار)

    • لا يتم فيها تشريط الجلد.
    • لا يخرج فيها دم.
    • تعتمد على الضغط السلبي فقط.

    حكمها

    لا تُفطِّر الصائم باتفاق من قال بالتفريق، لانتفاء علة التفطير.

    قال البهوتي رحمه الله:

    «فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ دَمٌ لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى إِذًا حِجَامَةً»
    شرح منتهى الإرادات (1/482).

    وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

    «فإن لم يظهر دم؛ لكون المحجوم قليل الدم ولم يخرج منه شيء، لم يفسد صومه»
    الشرح الممتع (6/378).

  • حكم نقل الدم وأخذ العينات أثناء الصيام

    ·        نقل الدم:
    لا يُفسد الصيام في ذاته، لأنه من جنس خروج الدم، لا دخوله، بشرط:

      • ألا يؤدي إلى ضعفٍ شديد يُضطر معه الصائم إلى الفطر.

    ·        أخذ عينات الدم للتحليل:
    لا يُفطِّر الصائم باتفاق المعاصرين.

  • الخلاصة الفقهية العملية

    • الحجامة الجافة: لا تُفطِّر الصائم.
    • الحجامة الرطبة:
      • محل خلاف قوي.
      • الأولى والأحوط تأجيلها إلى الليل، خاصة لمن يضعف بها.
    • نقل الدم وأخذ التحاليل: لا يُفسدان الصيام في الأصل.
    • قاعدة المسألة:
      ليس كل ما خرج من البدن مفطرًا، وإنما المفطر ما دخل على وجه التغذية أو ما كان في معناه.
  • المصادر والمراجع

    • صحيح البخاري
    • صحيح مسلم
    • فتح الباري لابن حجر
    • موطأ مالك
    • شرح منتهى الإرادات – البهوتي
    • الشرح الممتع – ابن عثيمين
    • مجموع الفتاوى – ابن تيمية
    • مجموع فتاوى ابن باز
    • موقع الإسلام سؤال وجواب
    • فتاوى شبكة إسلام ويب