حكم نقل الدم للصائم في نهار رمضان

حكم نقل الدم للصائم في نهار رمضان، دراسة فقهية معاصرة توضح أقوال العلماء، رأي المجامع الفقهية، وحكم تحليل الدم والتبرع به مع الترجيح والدليل.

  • مقدمة

    يُعدّ نقل الدم في نهار رمضان من النوازل الطبية المعاصرة التي استدعت بحثًا فقهيًا دقيقًا، نظرًا لارتباطها المباشر بعبادة الصيام، وما يترتب عليها من آثار صحية وشرعية. ومع تطور الطب الحديث وتعدد الحالات الطبية التي تستلزم نقل الدم، برز الخلاف بين العلماء المعاصرين حول:
    هل نقل الدم للصائم يُفطر أم لا؟
    وهل يختلف الحكم بين من نُقل منه الدم، ومن نُقل إليه؟
    هذا المقال يقدّم معالجة علمية شاملة للمسألة، تجمع بين الفقه المقارن والاعتبار الطبي، مع تحرير محل النزاع وبيان الراجح.

  • تعريف نقل الدم طبيًا

    نقل الدم هو إجراء طبي يُنقل فيه الدم أو أحد مكوناته من شخص إلى آخر عبر الوريد، ويُستخدم لعلاج حالات مثل:

    • النزيف الحاد
    • فقر الدم الشديد
    • العمليات الجراحية
    • بعض الأمراض المزمنة

    وهو يختلف جوهريًا عن الأكل والشرب من حيث المنفذ والطبيعة والمقصد.

  • محل الخلاف الفقهي في نقل الدم للصائم

    اتفق الفقهاء على أن المسألة اجتهادية معاصرة، ولم يرد فيها نص خاص من القرآن أو السنة، مما جعلها خاضعة للقياس والقواعد العامة.

     القول الأول: نقل الدم يُفطر الصائم

    القائلون به:

    • الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله
    • الشيخ عبد العزيز آل الشيخ
    • الشيخ محمد بن إبراهيم التويجري وغيرهم

    تعليل هذا القول:

    • أن الدم خلاصة الغذاء
    • وأن إدخاله إلى الجسد يحقق معنى التغذية
    • فيأخذ حكم الأكل والشرب
    • ولأنه يقوّي البدن ويحفظه كما يفعل الطعام

    وهذا القياس مبني على العِلّة لا على الصورة.

     القول الثاني: نقل الدم لا يُفطر الصائم

    القائلون به:

    • الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
    • الشيخ عطية صقر رحمه الله
    • الشيخ أحمد حطيبة
    • الشيخ الدكتور خالد المصلح
    • دار الإفتاء المصرية
    • مجمع البحوث الإسلامية
    • الندوة الفقهية الطبية التاسعة التابعة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية (الكويت – 1997م)

    أدلة هذا القول:

    1.   أن نقل الدم ليس أكلًا ولا شربًا

    2.   ولا يدخل من منفذ معتاد

    3.   ولا يحقق معنى التغذية الكاملة

    4.   أن الأصل بقاء صحة العبادة

    5.   والقاعدة الفقهية:
    "
    اليقين لا يزول بالشك"

     نصّ الإمام ابن عثيمين رحمه الله

    قال في شرح بلوغ المرام:

    "الذي يُحقن به الدم وهو صائم، هل يفطر أم لا؟ كنتُ أرى أنه يفطر، وأقول: إذا كان الطعام والشراب مفطرًا فإنه يتحول إلى دم، فالدم هو لبابة الطعام والشراب، ثم بدا لي أنه لا يفطر؛ لأنه وإن أعطى البدن قوة، لكنه لا يغنيه عن الطعام والشراب، وليس من حقنا أن نلحق فرعًا بأصل لا يساويه."

    وهذا النص يُعدّ تحريرًا فقهيًا دقيقًا لمسألة القياس.

  • حكم نقل الدم في نهار رمضان عند المؤسسات الرسمية

     دار الإفتاء المصرية

    أفتت بأن نقل الدم لا يُفسد الصوم، لأنه:

    • ليس أكلًا ولا شربًا
    • ولا يدخل من منفذ مفتوح
    • بشرط ألا يترتب عليه ضرر أو ضعف شديد

     مجمع البحوث الإسلامية

    رجّح أن:

    • نقل الدم لا يُبطل الصيام
    • وهو من المسائل الاجتهادية
    • والراجح صحة الصوم لعدم الدليل على الإفساد
  • حكم أخذ الدم للصائم لغرض التحليل

     الحكم الشرعي

    أخذ عينة دم للتحليل لا يُفطر الصائم باتفاق المعاصرين، لأن:

    • الدم الخارج لا الداخل
    • الكمية يسيرة
    • لا تُضعف البدن غالبًا

    وقد نصّت لجان الفتوى بالأزهر ومجمع البحوث الإسلامية على ذلك صراحة.

    لكن:

    • إن ترتب على التحليل ضعف شديد
    • فيُكره فعله أثناء الصيام
    • دون أن يترتب عليه بطلان الصوم
  • الفرق بين نقل الدم والتبرع بالدم

    المسألة

    الحكم

    نقل الدم إلى الصائم

    لا يُفطر على الراجح

    التبرع بالدم

    لا يُفطر، وقد يُكره إن أضعف

    تحليل الدم

    لا يُفطر باتفاق

  • القول الأحوط في المسألة

    يرى كثير من العلماء أن:

    • الأحوط لمن نُقل إليه دم أن يقضي ذلك اليوم
    • خروجًا من الخلاف
    • خاصة وأنه في الغالب مريض يُباح له الفطر

    لكن:

    • من لم يقضِ، اعتمادًا على القول الراجح
    • فلا حرج عليه ولا إثم
  • الخاتمة

    يتبين من خلال الدراسة أن نقل الدم في نهار رمضان لا يُفطر الصائم على الراجح من أقوال أهل العلم، وهو ما استقر عليه اجتهاد المجامع الفقهية والمؤسسات الإفتائية المعاصرة، مراعاةً لمقاصد الشريعة، وحفظًا للنفس، ورفعًا للحرج.
    ويبقى باب الاحتياط مفتوحًا لمن أراد الخروج من الخلاف، مع التأكيد على أن الشريعة لا تُضيّق على المريض ولا تُكلّفه بما فيه مشقة أو ضرر.

  • المصادر والمراجع

    • شرح بلوغ المرام – الشيخ محمد بن صالح العثيمين
    • فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز
    • فتاوى الشيخ عطية صقر – لجنة الفتوى بالأزهر
    • قرارات الندوة الفقهية الطبية التاسعة – المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية (1997م)
    • فتاوى دار الإفتاء المصرية
    • فتاوى مجمع البحوث الإسلامية