فضل شهر رجب: مكانته الشرعية وحقيقة ما ورد فيه من الفضائل

فضل شهر رجب في الإسلام كما ورد في القرآن والسنة الصحيحة، وبيان مكانته بين الأشهر الحرم، وحقيقة الأحاديث الواردة في فضله ورفع الأعمال فيه، مع توضيح ما يثبت وما لا يثبت علميًا.

  • مقدمة

    يُعَدّ شهر رجب أحد الشهور التي تحظى باهتمام واسع في الوعي الديني عند المسلمين، لما ارتبط به من تعظيم قديم، وما شاع حوله من أقوال تتعلق بفضله وأحكامه. غير أن المنهج العلمي الرصين يقتضي التمييز بين الفضل الثابت شرعًا، والفضائل التي لم يثبت فيها دليل صحيح، حتى لا يُنسب إلى الشريعة ما ليس منها. ومن هنا تأتي أهمية تحرير القول في فضل شهر رجب، وبيان مكانته الحقيقية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، مع ضبط المسائل المتصلة به ضبطًا علميًا يحقق السلامة المنهجية ويخدم المقصد الشرعي.

  • شهر رجب من الأشهر الحرم

    ثبت بنص القرآن والسنة أن شهر رجب أحد الأشهر الحرم الأربعة التي عظّمها الله تعالى، قال سبحانه:
    ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36].

    وبيّنت السنة النبوية هذه الأشهر، ففي الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
    «السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مُضَر الذي بين جمادى وشعبان».

    وعليه فإن الفضل الثابت لشهر رجب إنما هو داخل في الفضل العام للأشهر الحرم، لا أنه يمتاز بعبادات خاصة لم تثبت بدليل صحيح.

  • لماذا سُمِّي رجب؟

    سمّي شهر رجب بهذا الاسم من مادة الترجيب، أي: التعظيم. قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة:

    “الراء والجيم والباء أصل يدل على التعظيم”.

    وكانت العرب في الجاهلية تعظّمه تعظيمًا شديدًا، حتى كانوا يسمّونه منصّل الأسنّة؛ لأنهم ينزعون السلاح فيه ويكفّون عن القتال، فجاء الإسلام وأقرّ أصل التعظيم، لكن نقّاه من مظاهر الشرك والبدع.

  • حقيقة فضل شهر رجب

    1. ما ثبت من فضله

    • فضل رجب ثابت بكونه شهرًا حرامًا.
    • تعظيمه يكون بـ:
      • ترك الظلم والمعاصي.
      • زيادة مراقبة الله تعالى.
      • الإكثار من الطاعات المشروعة عمومًا دون تخصيص.

    قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى:
    ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾:

    “أي: لا تظلموا أنفسكم في هذه الأشهر الحرم؛ لأن الذنب فيها أعظم وزرًا”.

    2. ما لم يثبت من فضله

    لم يثبت عن النبي ﷺ:

    • حديث صحيح في فضل خاص لشهر رجب.
    • ولا في صيامه بخصوصه.
    • ولا في قيام ليلة مخصوصة منه.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

    “لم يثبت عن النبي ﷺ في رجب حديث، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه كذب”.

    وقال الحافظ ابن حجر في تبيين العجب بما ورد في فضل رجب:

    “لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة”.

  • هل الأحاديث الواردة في أن الأعمال تُرفع في رجب صحيحة؟

    الجواب: لا، ليست صحيحة.

    لم يثبت حديث صحيح يدل على أن الأعمال تُرفع في شهر رجب.
    والثابت شرعًا:

    • أن الأعمال تُرفع أسبوعيًا يومي الاثنين والخميس.
    • وأنها تُرفع سنويًا في شهر شعبان، كما في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.

    أما نسبة رفع الأعمال إلى رجب، فهي من الأقوال التي لا دليل صحيح عليها.

  • تعظيم رجب بين الفهم الصحيح والممارسات الخاطئة

    إن تعظيم شهر رجب لا يكون بابتداع عبادات جديدة، وإنما بـ:

    • الالتزام بالسنة.
    • ترك البدع.
    • أداء الطاعات العامة التي شُرعت في كل زمان.

    قال النبي ﷺ:
    «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق عليه.

    ومن هنا قرر العلماء أن:

    • تخصيص رجب بعبادة معينة على أنها سنة = بدعة.
    • أما العمل الصالح فيه دون اعتقاد خصوصية = جائز ومشروع.
  • الخلاصة المنهجية

    • فضل شهر رجب ثابت شرعًا من حيث كونه من الأشهر الحرم.
    • لا يثبت فيه صيام خاص ولا قيام خاص.
    • لا يصح حديث في رفع الأعمال فيه.
    • تعظيمه يكون بترك المعاصي وتعظيم حدود الله.
    • كل عبادة تُنسب إلى رجب بلا دليل = مردودة.
  • الخاتمة

    إن التعامل مع شهر رجب يجب أن يكون تعاملًا علميًا واعيًا، يوازن بين تعظيم ما عظّمه الله، ورفض ما لم يشرعه رسول الله ﷺ. فشهر رجب فرصة لمراجعة النفس، وتجديد الالتزام، والاستعداد الروحي لشعبان ورمضان، دون غلوّ ولا تفريط، وضمن منهج أهل العلم الراسخين.

  • أهم المصادر والمراجع

    • القرآن الكريم
    • صحيح البخاري
    • صحيح مسلم
    • تبيين العجب بما ورد في فضل رجب – ابن حجر العسقلاني
    • مجموع الفتاوى – شيخ الإسلام ابن تيمية
    • تفسير الطبري
    • زاد المعاد – ابن القيم
    • معجم مقاييس اللغة – ابن فارس
    • فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء