حكم زيارة القبور للنساء والفتيات والحائض والجنب في الإسلام

تعرف على حكم زيارة القبور للنساء والفتيات في الإسلام، وحكم زيارة القبور للحائض والجنب، مع أقوال العلماء وأدلتهم من السنة النبوية، وبيان الحكمة من الزيارة وآدابها الشرعية.

حكم زيارة القبور للنساء والفتيات والحائض والجنب في الإسلام
حكم زيارة القبور للنساء والفتيات والحائض والجنب في الإسلام
  • مقدمة

    زيارة القبور من السنن النبوية التي شرعها الإسلام لتذكير المسلم بالآخرة، وترقيق القلب، والدعاء للأموات. وقد اتفق العلماء على مشروعيتها للرجال، لكنهم اختلفوا في حكمها للنساء والفتيات، كما تساءل كثيرون عن حكم زيارتها للحائض والجنب.
    وفي هذا المقال سنعرض أقوال الفقهاء وأدلتهم التفصيلية في هذه المسائل، مع بيان الراجح منها، وذكر الحكمة والآداب الشرعية التي ينبغي مراعاتها أثناء الزيارة.

  • حكم زيارة القبور للنساء في الإسلام

    1. موضع الخلاف بين العلماء

    اختلف العلماء في حكم زيارة القبور للنساء على ثلاثة أقوال رئيسية:

    القول الأول: التحريم

    ذهب بعض العلماء إلى تحريم زيارة القبور للنساء، مستدلين بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:

    «لَعَنَ اللهُ زَوَّارَاتِ القُبُورِ»
    رواه أحمد (2/337) وصححه الألباني في صحيح الجامع.

    قالوا: إن اللعن لا يكون إلا على فعل محرّم، وعلّلوا ذلك بأن النساء يغلب عليهن الجزع، وكثرة البكاء، مما قد يؤدي إلى رفع الصوت والنياحة المنهي عنها.

    القول الثاني: الكراهة

    ذهب جمهور الفقهاء – ومنهم المالكية والشافعية في قول – إلى كراهة زيارة القبور للنساء، لا تحريمها.
    قالوا: إن النهي في حديث «لعن الله زوارات القبور» محمول على الإكثار والمبالغة في الزيارة، بدليل قوله ﷺ في الحديث الآخر:

    «كُنتُ نَهَيتُكم عن زِيارَةِ القُبورِ، فزُورُوها، فإنَّها تُذكِّرُ الآخِرَةَ»
    رواه مسلم (977).

    قال الإمام القرطبي: اللعن في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه صيغة المبالغة (زوّارات).
    وعليه، فإن زيارة القبور للنساء جائزة بشرط ترك الجزع، والنياحة، وعدم الإكثار.

    القول الثالث: الإباحة

    وهو مذهب الحنفية في الأصح، ورواية عن الإمام أحمد، وقول عند الشافعية، واختاره القرطبي والشوكاني، رحمهم الله جميعًا.
    استدلوا بعموم قول النبي ﷺ:

    «فَزُورُوها فإنها تُذكِّرُكم الآخرة»
    (رواه مسلم).

    قالوا: إن الخطاب في الحديث يشمل الرجال والنساء لأن العلة واحدة، وهي التذكير بالآخرة، والدعاء للأموات، وهو أمر مندوب للجميع.

  • الأدلة النبوية الدالة على جواز زيارة النساء للقبور

    1.   حديث بريدة رضي الله عنه:

    قال رسول الله ﷺ: «نهَيْتُكم عن زيارَةِ القُبورِ فزُورُوها».
    رواه مسلم (977).
    وجه الدلالة: أن النسخ في النهي يدل على الإذن للجميع رجالًا ونساءً.

    2.   حديث أبي هريرة رضي الله عنه:

    أن النبي ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال: «استأذنتُ ربّي في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروها، فإنها تذكّر الموت».
    رواه مسلم (976).
    وجه الدلالة: أن الأمر بالزيارة عام، والعلة – وهي تذكر الموت – يشترك فيها الجميع.

    3.   حديث عائشة رضي الله عنها:

    أنها أقبلت يومًا من المقابر، فقال لها ابن أبي مليكة: من أين أقبلتِ؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن. فقلتُ: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، كان نهى، ثم أمر بزيارتها.
    رواه الأثرم والحاكم، وصححه العراقي والألباني في الإرواء (759).
    وجه الدلالة: أن عائشة رضي الله عنها زارت القبور بعد إقرار النبي ﷺ، مما يدل على الجواز.

    4.   حديثها الآخر في مسلم:

    قالت: قلتُ يا رسول الله، كيف أقول إذا زرتُ المقابر؟ قال: «قولي: السَّلامُ على أهلِ الدِّيارِ من المؤمنينَ والمسلمينَ، ويَرْحَمُ اللهُ المُستَقدِمينَ مِنَّا والمُستَأخِّرينَ، وإنَّا إن شاءَ اللهُ بكم لاحقونَ».
    (رواه مسلم رقم 974).
    وجه الدلالة: أن النبي ﷺ علّمها دعاء الزيارة، فلو كانت محرمة لما أقرّها على الفعل.

    5.   حديث أنس بن مالك رضي الله عنه:

    أن النبي ﷺ مرَّ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله واصبري»، ولم ينكر عليها زيارتها.
    (متفق عليه).
    وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم ينهها عن الزيارة، وإنما وجّهها إلى الصبر، فدلّ على الجواز.

  • حكم زيارة القبور للفتيات

    لا يختلف حكم الفتيات عن حكم سائر النساء، لأن الأدلة جاءت عامة.
    فقد كانت عائشة رضي الله عنها تزور البقيع وهي في شرخ الشباب، مما يدل على أن السن ليس مؤثرًا في الحكم، بل المؤثر هو حال الزائرة وسلوكها أثناء الزيارة.

    قال الرملي وابن عابدين من الحنفية:

    إن كانت الزيارة لتجديد الحزن والبكاء فلا تجوز، وإن كانت للاعتبار والدعاء فلا بأس بها.
    بينما فرّق بعض الشافعية بين الشواب والعجائز، فأباحوا للعجوز التي لا تُشتهى، وكرهوا للشواب سداً للذريعة، كما نقل النووي في المجموع، وقال: وهذا جمع حسن.

    والراجح أن الزيارة مباحة للفتيات متى أُمِنت الفتنة، والتزمت الهدوء والاحتشام، وخلت الزيارة من الجزع والبكاء الممنوع.

  • حكم زيارة القبور للحائض والجنب

    أجمع الفقهاء على أن زيارة القبور لا يشترط لها الطهارة، فهي ليست عبادة يشترط فيها الوضوء أو الغسل كالصلاة والطواف.
    وعليه، يجوز للحائض والجنب زيارة القبور، بشرط ألا يقرأا القرآن أثناء الزيارة.

    قال الإمام النووي في المجموع:

    "يجوز للحائض والجنب زيارة القبور، إذ لم يرد في الشرع ما يمنع ذلك".

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

    "يجوز لهما الزيارة والدعاء، لأن المقصود من الزيارة الدعاء والاعتبار، لا العبادة التي يشترط لها الطهارة"

  • الحكمة من زيارة القبور

    شرعت زيارة القبور لتحقيق مقاصد تربوية وإيمانية عظيمة، منها:

    1.   تذكير المسلم بالموت والآخرة: كما قال النبي ﷺ:

    «فزوروها فإنها تذكركم الآخرة»
    (رواه مسلم).

    2.   الدعاء للأموات والاستغفار لهم: وهو من أعظم القربات.

    3.   ترقيق القلب وإزالة الغفلة، فإن في المقابر عظةً لمن كان له قلب.

    4.   صلة الرحم بعد الموت، إذ زيارة قبر القريب نوع من البرّ به.

  • آداب زيارة القبور الشرعية

    1.   أن تكون الزيارة للعبرة والدعاء لا للتبرك أو الاستغاثة.

    2.   السلام على أهل القبور والدعاء لهم بالألفاظ المأثورة.

    3.   عدم الجلوس أو الدعاء إلى القبور أو الاستغاثة بالأموات.

    4.   الوقار والسكينة أثناء الزيارة، دون رفع صوت أو جزع.

    5.   عدم تصوير المقابر أو التفاخر بزيارتها.

    6.   اجتناب الطيب والزينة للنساء أثناء الزيارة، محافظة على الحياء والوقار.

  • الخلاصة

    بعد جمع الأدلة وأقوال العلماء، يظهر أن الراجح هو جواز زيارة القبور للنساء والفتيات بشرط الالتزام بالآداب الشرعية، وترك ما لا يليق من النياحة أو رفع الصوت أو التجاوزات.
    كما أن زيارة القبور للحائض والجنب جائزة، ولا فرق في الحكم، لأن النصوص لم تفرّق بينهم.

    قال الإمام النووي:

    الزيارة مشروعة للجميع لتذكر الآخرة، والدعاء للأموات، ولا دليل على تخصيص الرجال دون النساء.

  • الخاتمة