هل تؤجر المرأة المنشغلة بالبيت والأولاد إذا اقتصرت على الفرائض؟
هل تؤجر المرأة المنشغلة بالبيت والأولاد إذا اقتصرت على الفرائض؟ مقال فقهي موثق يوضح أقوال العلماء والأدلة الشرعية وحكم الشريعة في الموازنة بين العبادة ورعاية الأسرة.
-
مقدمة
يُعد سؤال الأجر والثواب للمرأة التي تقتصر على أداء الفرائض الأساسية بسبب انشغالها بشؤون البيت والأولاد من أهم القضايا الفقهية المعاصرة التي تشغل بال كثير من النساء المسلمات. فالمرأة في عصرنا الحاضر تواجه تحديات متعددة في الموازنة بين واجباتها الدينية وواجباتها الأسرية، مما يجعل فهم موقف الشريعة الإسلامية من هذا الأمر ضرورة ملحة.
-
المقصود بالفرائض والنوافل
تعريف الفرائض
الفرائض هي العبادات الواجبة التي أمر الله تعالى بها ورسوله صلى الله عليه وسلم، والتي يثاب فاعلها ويعاقب تاركها. وتشمل الصلوات الخمس المفروضة، وصيام رمضان، والزكاة لمن بلغ ماله النصاب، والحج لمن استطاع إليه سبيلاً.
تعريف النوافل
النوافل هي العبادات المستحبة التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، مثل صلاة الضحى والتهجد وصيام النافلة والصدقات المستحبة وغيرها من أعمال البر والطاعات. -
فضل القيام بشؤون البيت والأولاد
العناية بالبيت والأسرة عبادة
ذهب جمهور العلماء إلى أن قيام المرأة بمهام البيت ورعاية الأولاد يُعد من العبادات التي تؤجر عليها المرأة إذا احتسبتها لله تعالى. قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: "وأما خدمة المرأة زوجها في بيته فليست واجبة عليها في قول جمهور العلماء، لكن إن فعلته احتساباً كان لها فيه أجر".
الأدلة من السنة النبوية
جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها" (رواه البخاري ومسلم). وهذا يدل على أن رعاية البيت والأولاد مسؤولية عظيمة تؤجر عليها المرأة.
وروى الترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، هل لنا من أجر في بني سلمة؟ قال: "نعم، لكن في خدمة أزواجكن وحسن القيام عليهن وعلى أولادكن أجر عظيم". -
أقوال العلماء في المسألة
القول الأول: الاقتصار على الفرائض كافٍ ويؤجر عليه
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن المرأة المنشغلة بالبيت والأولاد إذا اقتصرت على الفرائض فإنها تؤجر أجرين: أجر أداء الفريضة، وأجر القيام بحق الزوج والأولاد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "والمرأة إذا قامت بما يجب عليها من طاعة زوجها وتربية أولادها كان ذلك أفضل لها من التطوع بالصلاة والصيام والحج إذا كان ذلك بغير إذنه".
وأفتى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله بأن المرأة التي تقوم برعاية بيتها وأولادها على الوجه الأكمل تنال أجراً عظيماً، وأن اقتصارها على الفرائض لا ينقص من شأنها عند الله تعالى.
القول الثاني: التفضيل بحسب الحال والموازنة
يرى بعض العلماء المعاصرين أن الأمر يختلف بحسب حال المرأة وظروفها، فإن كانت قادرة على الجمع بين الفرائض وبعض النوافل دون تقصير في حق الزوج والأولاد فهو أفضل، وإن لم تستطع فالفرائض كافية مع احتساب النية في خدمة الأسرة.
قال الشيخ القرضاوي: "المرأة المسلمة مطالبة بالقيام بما فرض الله عليها من الصلاة والصيام وغيرها، وما زاد على ذلك من النوافل فهو خير لها إن استطاعت، ولكن رعاية الأسرة وتربية الأولاد من أعظم القربات إلى الله تعالى".
القول الثالث: الحث على الموازنة والاجتهاد
يذهب فريق من الفقهاء إلى أن المرأة ينبغي لها أن تجتهد في تنظيم وقتها بحيث تؤدي الفرائض وتقوم ببعض النوافل قدر استطاعتها، مع عدم التفريط في حق الأسرة.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: "على المرأة أن تحرص على أداء ما فرض الله عليها، وما تيسر من النوافل، ولا حرج عليها إن اقتصرت على الفرائض لانشغالها بشؤون بيتها وأولادها، فإن ذلك من العبادة أيضاً". -
الأدلة الشرعية على الأجر
من القرآن الكريم
قال الله تعالى: "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ" (آل عمران: 195). وهذا يدل على أن كل عمل صالح يقوم به المسلم أو المسلمة يؤجر عليه.
وقال تعالى: "وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا" (الإسراء: 24)، مما يدل على عظم شأن التربية والرعاية.
من السنة النبوية
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت" (رواه البخاري ومسلم).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك" (رواه مسلم). -
الفتاوى المعاصرة
فتوى دار الإفتاء المصرية
أفتت دار الإفتاء المصرية بأن المرأة التي تقتصر على الفرائض بسبب انشغالها بالبيت والأولاد لا إثم عليها، بل إنها تؤجر على قيامها بواجبها نحو أسرتها، وأن رعاية الأسرة من أفضل القربات.
فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: "ليس على المرأة حرج إذا اقتصرت على الواجبات وتركت المستحبات من أجل القيام بشؤون بيتها وتربية أولادها، بل إن ذلك مما تؤجر عليه إذا احتسبت الأجر عند الله".
فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز
سئل الشيخ ابن باز رحمه الله: هل المرأة إذا اقتصرت على الفرائض بسبب انشغالها بالبيت والأولاد تكون مقصرة؟ فأجاب: "لا حرج في ذلك، والقيام بشؤون البيت والأولاد من العبادة إذا احتسبت الأجر، ولكن الأفضل أن تحرص على ما تيسر من النوافل". -
شروط نيل الأجر
النية الصالحة
يشترط لنيل الأجر أن تحتسب المرأة نيتها عند الله تعالى في القيام بشؤون البيت والأولاد، فالأعمال بالنيات كما جاء في الحديث الصحيح.
الإخلاص لله تعالى
ينبغي أن يكون العمل خالصاً لوجه الله تعالى، لا رياء فيه ولا سمعة، فالله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً صواباً.
المحافظة على الفرائض
الشرط الأساسي هو المحافظة على أداء الفرائض في أوقاتها، فلا يجوز التفريط في الصلوات المفروضة أو الصيام أو غيرها من الواجبات بحجة الانشغال. -
التوازن بين الواجبات
تنظيم الوقت
ينصح العلماء المرأة بتنظيم وقتها بحيث تستطيع أداء الفرائض في أوقاتها مع القيام بواجباتها الأسرية، فالله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها.
الاستعانة بالآخرين
يجوز للمرأة أن تستعين بغيرها في بعض أعمال البيت إن أمكن ذلك، لكي تتفرغ لبعض العبادات، وهذا لا ينقص من أجرها.
الأولويات الشرعية
ينبغي ترتيب الأولويات بحسب الأهمية الشرعية، فالفرائض مقدمة على النوافل، وحقوق الزوج والأولاد من الأمور المهمة التي لا ينبغي التفريط فيها. -
نماذج من السلف الصالح
أمهات المؤمنين
كانت أمهات المؤمنين رضي الله عنهن قدوة في الموازنة بين العبادة والقيام بحقوق النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كن يحافظن على الفرائض ويقمن بما يستطعن من النوافل دون تفريط في حقوق البيت.
نساء الصحابة
كانت نساء الصحابة رضي الله عنهن يجمعن بين العبادة والقيام بشؤون البيت والأولاد، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على نساء الأنصار بقوله: "نعم النساء نساء الأنصار".
أم سليم الأنصارية
كانت أم سليم رضي الله عنها مثالاً للمرأة الصالحة التي توازن بين عبادتها وواجباتها الأسرية، وقد كان لها شأن عظيم في خدمة الدين ورعاية أسرتها. -
الضوابط الفقهية
عدم التفريط في الفرائض
لا يجوز للمرأة أن تفرط في أداء الفرائض بحجة الانشغال بالبيت والأولاد، فالصلوات الخمس والصيام والزكاة والحج واجبات لا يسقطها الانشغال.
مراعاة الظروف الخاصة
يراعى في الحكم ظروف كل امرأة، فقد تكون بعض النساء أكثر انشغالاً من غيرهن بسبب كثرة الأولاد أو المرض أو ضيق الحال.
التدرج في النوافل
ينصح الفقهاء المرأة بالتدرج في أداء النوافل حسب استطاعتها، فتبدأ بالرواتب ثم الوتر ثم غيرها من النوافل قدر المستطاع. -
الرد على الشبهات
شبهة التقصير
قد يظن البعض أن اقتصار المرأة على الفرائض تقصير في حق الله تعالى، والجواب أن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وأن القيام بشؤون الأسرة من العبادة.
شبهة عدم التساوي مع الرجل
قد يقال إن الرجل يستطيع الجمع بين العمل والنوافل فلماذا لا تستطيع المرأة؟ والجواب أن طبيعة عمل المرأة في البيت ورعاية الأولاد تختلف عن عمل الرجل، ولكل منهما واجباته وأجره.
شبهة الانشغال عن الذكر
قد يظن البعض أن المرأة المنشغلة بالبيت والأولاد تنشغل عن ذكر الله، والجواب أن المرأة تستطيع الذكر أثناء القيام بأعمالها، وأن احتساب النية في العمل نوع من الذكر. -
نصائح عملية للمرأة
تخصيص وقت للعبادة
ينبغي للمرأة أن تخصص أوقاتاً معينة للعبادة والذكر، كالفترة بعد صلاة الفجر أو قبل النوم، لتحافظ على صلتها بالله تعالى.
الاستفادة من الأوقات المباركة
يمكن للمرأة أن تستغل الأوقات المباركة كالثلث الأخير من الليل أو يوم الجمعة في الدعاء والذكر والقرآن ولو لوقت قصير.
تعليم الأولاد المشاركة
يفيد تعليم الأولاد المشاركة في أعمال البيت حسب أعمارهم، فهذا يخفف العبء عن الأم ويعلم الأولاد المسؤولية.
الدعاء والذكر أثناء العمل
تستطيع المرأة أن تذكر الله وتدعوه أثناء قيامها بأعمال البيت، فهذا لا يحتاج إلى وقت إضافي وله أجر عظيم. -
الخلاصة
بعد استعراض أقوال العلماء والأدلة الشرعية، يتبين أن الراجح هو أن المرأة المنشغلة بالبيت والأولاد إذا اقتصرت على الفرائض فإنها تؤجر أجرين: أجر أداء الفريضة، وأجر القيام بواجبها نحو أسرتها. وهذا لا يمنع من حثها على الموازنة والاجتهاد في أداء ما تيسر من النوافل دون تفريط في حق الأسرة.
قال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين: "وأما المرأة فأفضل عباداتها ما تقوم به من حق الزوج وتدبير البيت وتربية الأولاد، فإن ذلك من أعظم القربات إلى الله تعالى". -
الخاتمة
في ختام هذا البحث، نؤكد على أن الشريعة الإسلامية دين التيسير والرحمة، وأنها راعت ظروف المرأة وواجباتها المتعددة. فالمرأة المسلمة التي تحافظ على الفرائض وتقوم بواجباتها الأسرية على أكمل وجه تنال أجراً عظيماً عند الله تعالى، ولا ينقص من شأنها اقتصارها على الفرائض إذا كان ذلك لعذر شرعي كالانشغال بالبيت والأولاد.
وننصح كل امرأة مسلمة بتقوى الله تعالى في السر والعلن، والمحافظة على الفرائض، والاجتهاد في تنظيم الوقت للجمع بين واجباتها الدينية والأسرية قدر الاستطاعة، مع احتساب النية في كل عمل تقوم به، فإن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.