حكم صيام المريض في الإسلام: متى يجوز الإفطار؟ ومتى يجب؟ التفصيل الفقهي الكامل

حكم صيام المريض في الإسلام بالتفصيل: متى يجوز الإفطار؟ متى يجب؟ حكم المرض المزمن، الفدية، القضاء، وأقوال الفقهاء مع الأدلة الشرعية.

  • المقدمة

    جعل الله تعالى الصيام عبادة عظيمة قائمة على تحقيق التقوى، لكنه سبحانه قرن التكليف بالقدرة، ورفع الحرج عن عباده، فشرع الرخص عند وجود المشقة والضرر. ومن أعظم صور التيسير: رخصة الإفطار للمريض. وتبرز أهمية هذا الموضوع مع انتشار الأمراض المزمنة كالسُّكري، وأمراض القلب، والضغط، وأمراض المناعة والجلد، وتعدد العلاجات الطبية المعاصرة التي قد تتعارض مع الصيام.

    تهدف هذه المقالة إلى بيان حكم صيام المريض في الإسلام بيانًا فقهيًا جامعًا، مع تفصيل الحالات، وذكر أقوال العلماء، وضوابط المرض المبيح للفطر، وأحكام القضاء والفدية، وربط ذلك بالواقع الطبي المعاصر.

  • الأصل الشرعي في رخصة إفطار المريض

    الأصل في هذه الرخصة قول الله تعالى:

    ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾
    [البقرة: 184]

    وقوله سبحانه:

    ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾
    [البقرة: 185]

    وقد انعقد إجماع العلماء على أن المرض من الأعذار المبيحة للفطر، لكنهم اختلفوا في تفصيل أنواعه وأحكامه.

  • تقسيم الفقهاء لحالات المريض مع الصيام

    الحالة الأولى: مرض لا يتأثر بالصيام

    وهو المرض اليسير الذي لا يزداد بالصوم ولا تحصل به مشقة معتبرة، مثل:

    • الزكام الخفيف
    • الصداع اليسير
    • وجع الضرس المحتمل
    • الجروح السطحية

    الحكم:

    • لا يجوز الفطر
    • يجب الصيام
      لأن الرخصة لا تُستباح مع عدم وجود المشقة أو الضرر.

    قال ابن قدامة رحمه الله:

    "فأما المرض اليسير الذي لا أثر للصوم فيه، كوجع الضرس والصداع اليسير، فلا يبيح الفطر"
    (المغني)

    الحالة الثانية: مرض يشق معه الصيام ولا يضر

    وهو المرض الذي:

    • يسبب مشقة ظاهرة
    • لكن لا يترتب على الصيام معه ضرر محقق

    الحكم:

    • الصيام مكروه
    • الفطر مستحب
    • الصوم صحيح إن صام

    قال النووي رحمه الله:

    "شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها"
    (المجموع)

    الحالة الثالثة: مرض يشق مع الصيام ويضر

    وهو المرض الذي:

    • يزداد بالصيام
    • أو يتأخر شفاؤه
    • أو يترتب على الصيام ضرر محقق أو غالب الظن

    مثل:

    • مرض السُّكري (خصوصًا المعتمد على الإنسولين)
    • أمراض الكُلى
    • أمراض القلب المزمنة
    • انخفاض الضغط الشديد
    • الأمراض المناعية والجلدية التي تتأثر بترك العلاج

    الحكم:

    • يحرم الصيام
    • يجب الفطر
    • ويأثم إن صام عند كثير من أهل العلم

    قال ابن قدامة:

    "المرض المبيح للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه"
    (المغني)

  • هل يصح صيام من صام مع الضرر؟

    اختلف الفقهاء في إجزاء الصوم:

    • الجمهور: الصوم صحيح مجزئ مع الإثم
    • ابن حزم الظاهري: لا يصح ولا يجزئ
      لأنه لم يقبل رخصة الله

    قال ابن حزم:

    "من صام وهو مأمور بالفطر، لم يجزئه صومه"
    (المحلى)

    والراجح عند جمهور الفقهاء: الصوم صحيح لكنه مكروه أو محرم بحسب الحال.

  • المرض المزمن وأثره على الصيام

    المرض المزمن الذي لا يُرجى برؤه

    كالذي:

    • لا يستطيع الصيام طول العام
    • ويقرر الأطباء الثقات أن الصوم يضره دائمًا

    الحكم:

    • يجب الفطر
    • لا قضاء
    • تجب الفدية

    قال تعالى:

    ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾
    [البقرة: 184]

    وقال ابن عباس رضي الله عنه:

    "ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة والمريض الذي لا يُرجى برؤه"

    مقدار الفدية

    • إطعام مسكين عن كل يوم
    • مُدٌّ من طعام (نحو 750 غرامًا من غالب قوت البلد)
    • ولا كفارة مغلظة
  • المرض المؤقت الذي يُرجى شفاؤه

    إذا كان المرض:

    • مؤقتًا
    • ويُرجى الشفاء منه

    الحكم:

    • الفطر جائز
    • القضاء واجب بعد الشفاء

    لقوله تعالى:

    ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾
    [البقرة: 184]

  • ضابط المرض المبيح للفطر

    قال الفقهاء:

    • المرض المبيح للفطر هو:
      • ما يزيد بالصوم
      • أو يخشى تأخر البرء
      • أو تلحق به مشقة لا تُحتمل
      • أو يترتب عليه شين فاحش في الأعضاء الظاهرة

    قال الشربيني:

    "وخوف الشين الفاحش في الأعضاء الظاهرة من الأعذار المبيحة للفطر"
    (مغني المحتاج)

  • اعتبار رأي الطبيب

    يُرجع في تقدير الضرر إلى:
    الأطباء الثقات
    الأمناء في دينهم وعلمهم
    وهو ما قرره:
    المجمع الفقهي الإسلامي
    وهيئات الإفتاء المعاصرة

  • الخاتمة

    يتبيّن من هذا العرض الفقهي أن الشريعة الإسلامية قامت على رفع الحرج وحفظ النفس، وأن صيام المريض ليس حكمًا واحدًا، بل يتغير بتغير حال المرض وتأثيره. فمن ابتُلي بمرض مزمن أو ضرر محقق، ففطره عبادة، وقبوله للرخصة امتثال، وليس ضعفًا في الدين، بل هو عين الفقه.

  • أهم المصادر والمراجع

    القرآن الكريم
    صحيح البخاري ومسلم
    المغني – ابن قدامة
    المجموع – النووي
    مغني المحتاج – الشربيني
    المحلى – ابن حزم
    تفسير ابن كثير
    فتاوى اللجنة الدائمة
    فتاوى موقع إسلام ويب
    قرارات المجمع الفقهي الإسلامي
    المكتبة الشاملة