هل يُستحب للحائض الوضوء لكل صلاة والجلوس في مصلاها للذكر؟

هل يُستحب للحائض الوضوء لكل صلاة والجلوس في مصلاها للذكر؟ تعرفي على الحكم الشرعي، وأقوال الفقهاء، وأحكام الذكر وقراءة القرآن أثناء الحيض.

 2

هل يُستحب للحائض الوضوء لكل صلاة والجلوس في مصلاها للذكر؟

تتساءل كثير من النساء عن حكم وضوء الحائض والنفساء عند دخول وقت الصلاة، وهل يُستحب للمرأة أن تتوضأ وتجلس في مصلاها لتذكر الله تعالى وتسبحه وتدعوه بمقدار الوقت الذي كانت تستغرقه في الصلاة قبل الحيض أو النفاس؟ وهل يؤثر هذا الوضوء في حكم الحيض؟ وما العبادات التي تستطيع المرأة المحافظة عليها خلال هذه الفترة؟

والحقيقة أن الحيض والنفاس لا يمنعان المرأة من ذكر الله تعالى ودعائه والاستغفار والتسبيح وسماع القرآن الكريم وتعلم العلوم الشرعية، وإن كانت بعض العبادات، كالصلاة والصيام، لها أحكام خاصة في هذه الحال. أما الوضوء عند دخول وقت الصلاة والجلوس للذكر، فقد ورد استحبابهما في بعض كتب الفقه الحنفي، مع ضرورة التنبيه إلى أن ذلك ليس حكمًا متفقًا عليه بين جميع المذاهب الفقهية.

في هذا المقال من موقع مؤمنة، نتعرف بالتفصيل على حكم وضوء الحائض وجلوسها في مصلاها، والأدلة المتعلقة بالمسألة، وأهم الأعمال الصالحة التي يمكن للمرأة القيام بها في أيام الحيض والنفاس.

حكم وضوء الحائض لكل صلاة والجلوس في مصلاها

ذكر فقهاء الحنفية استحباب الوضوء للحائض عند وقت كل صلاة، وجلوسها في الموضع الذي اعتادت الصلاة فيه، مع الاشتغال بالتسبيح والتهليل والتكبير وذكر الله تعالى بمقدار زمن الصلاة المعتاد.

وقد ورد هذا الحكم في كتب الفقه الحنفي، ومنها حاشية ابن عابدين والبحر الرائق شرح كنز الدقائق، حيث ذكر أصحاب هذه الكتب استحباب جلوس الحائض في مصلاها للذكر بمقدار أداء الصلاة، ومن الحكم التي ذكروها ألا تنسى المرأة عادتها في العبادة.

وبناءً على ذلك، يجوز للمرأة التي تتبع هذا القول الفقهي أن تتوضأ عند دخول وقت الصلاة، ثم تجلس في مكانها المعتاد للصلاة، وتشتغل بذكر الله تعالى والدعاء والاستغفار، دون أن تصلي الصلاة المفروضة أو النافلة.

لكن ينبغي التنبيه إلى أن هذا الاستحباب ليس محل اتفاق بين العلماء، كما أن الحديث الوارد في قصة وضوء أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها وجلوسها للذكر أثناء حيضها يحتاج إلى مراعاة درجته الحديثية عند الاستدلال به. لذلك لا يصح تقديم هذا الحكم على أنه سنة نبوية ثابتة متفق عليها أو عبادة واجبة على كل امرأة حائض.

الدليل على جلوس الحائض للذكر أثناء الحيض

ورد في المعجم الكبير للإمام الطبراني حديث عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، يتضمن قصة مبيت ابن عباس عند خالته ميمونة رضي الله عنها، وقيام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل للوضوء والصلاة، وفيه أن ميمونة رضي الله عنها كانت حائضًا، فقامت فتوضأت، ثم قعدت خلف النبي صلى الله عليه وسلم تذكر الله.

وقد أخرج الطبراني هذا الخبر في المعجم الكبير (11/135)، برقم (11277)، وأورده كذلك في المعجم الأوسط (7/186).

غير أن هذا الخبر لا ينبغي أن يُستدل به دون النظر في إسناده ودرجة ثبوته؛ إذ نبهت الموسوعة الحديثية في موقع الدرر السنية إلى أن الحديث بهذا اللفظ تفرد به أيوب بن سويد عن عتبة بن أبي حكيم. ومن ثم ينبغي التفريق بين أصل مشروعية ذكر الله للحائض، وهو ثابت بأدلة أخرى، وبين الاستدلال بهذه الرواية الخاصة لإثبات استحباب الوضوء والجلوس لكل صلاة.

أما أصل جواز الذكر والدعاء للحائض، فلا يتوقف على ثبوت هذه الرواية؛ لأن النصوص الشرعية الأخرى تدل على مشروعية ذكر الله تعالى في مختلف الأحوال، ما لم يوجد مانع شرعي خاص.

أقوال الفقهاء في استحباب وضوء الحائض للذكر

أولًا: ما ورد في حاشية ابن عابدين

نقل فقهاء الحنفية في حاشية ابن عابدين استحباب الوضوء للحائض عند كل صلاة، وجلوسها في مصلاها بمقدار الصلاة للذكر، حتى لا تنسى عادتها في العبادة.

وهذا النقل يوضح الحكم داخل المذهب الحنفي، ولا يعني بالضرورة أن سائر المذاهب الفقهية تقول باستحباب الوضوء للحائض في هذه الصورة.

ثانيًا: ما ورد في البحر الرائق

ذكر ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق شرح كنز الدقائق استحباب وضوء الحائض عند وقت كل صلاة وجلوسها في مصلاها للتسبيح والتهليل والتكبير، كما أشار إلى أن من الحكم في ذلك المحافظة على العادة التعبدية.

ويُفهم من هذا القول أن المقصود هو إبقاء المرأة على صلة بالعبادة والذكر في الوقت الذي كانت تخصصه للصلاة، وليس جعل الوضوء بديلًا عن الصلاة أو وسيلة لرفع حكم الحيض.

ثالثًا: هل هذا الحكم متفق عليه بين المذاهب؟

لا يصح تعميم الحكم الوارد في بعض كتب الحنفية على جميع المذاهب. فالأصل أن العبادات المحددة تحتاج إلى دليل معتبر، ولا يُشرع تخصيص عبادة بوقت أو هيئة أو عدد على أنها سنة ثابتة دون مستند صحيح.

ولهذا ينبغي التفريق بين أمرين:

  • ذكر الله والجلوس للدعاء والتسبيح: مشروع للحائض، ولا يتوقف على الوضوء.

  • الوضوء لكل صلاة والجلوس بمقدارها باعتباره عملًا مستحبًا مخصوصًا: ورد في الفقه الحنفي، وليس حكمًا متفقًا عليه بين العلماء.

ومن أرادت العمل بالقول الحنفي في هذه المسألة، فلها أن تعمل به، مع عدم اعتقاد وجوبه أو إنكار من لا يرى استحبابه.

هل وضوء الحائض يرفع حدث الحيض؟

لا، وضوء الحائض لا يرفع حدث الحيض، ولا يجعلها في حكم الطاهرة التي يجوز لها أداء الصلاة.

فالحيض حدث أكبر مرتبط بخروج دم الحيض، ولا ينتهي حكمه بمجرد الوضوء، وإنما ينتهي بانقطاع الدم وتحقق الطهر، ثم تغتسل المرأة غسل الحيض لأداء العبادات التي يشترط لها الطهر.

وعليه، فإن وضوء الحائض عند دخول وقت الصلاة، على القول باستحبابه، لا يبيح لها الصلاة ولا يرفع عنها حكم الحيض. وإنما يكون المقصود منه الذكر والمحافظة على العادة التعبدية وفق القول الفقهي الذي يجيزه.

كما ينبغي التفريق بين وضوء الحائض أثناء استمرار الدم وبين أحكام الوضوء أو الغسل بعد انقطاعه؛ فلكل حالة حكمها، ولا يصح نقل الأحكام الخاصة بالجنب إلى الحائض من غير مراعاة الفروق الفقهية بين الحدثين.

هل يجوز للحائض ذكر الله تعالى دون وضوء؟

نعم، يجوز للحائض ذكر الله تعالى دون وضوء؛ فالوضوء ليس شرطًا لصحة التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد والاستغفار والدعاء.

ويمكن للمرأة أن تحافظ على وردها اليومي من الأذكار، وأن تقول أذكار الصباح والمساء والنوم، وأن تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تدعو الله تعالى بما شاءت من خيري الدنيا والآخرة.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ۝ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42].

وهذا الأمر بذكر الله تعالى عام، ولا يدل على منع المرأة الحائض من الذكر.

كما يجوز لها حضور مجالس العلم والاستماع إلى الدروس الشرعية والمشاركة في أعمال الخير، ما لم يترتب على ذلك مانع شرعي آخر.

هل يجوز للحائض قراءة القرآن الكريم؟

مسألة قراءة الحائض للقرآن الكريم من المسائل التي وقع فيها خلاف بين الفقهاء، وينبغي عرضها بأمانة دون نسبة قول واحد إلى جميع العلماء.

فجمهور الفقهاء يمنعون الحائض من تلاوة القرآن باللسان أثناء استمرار الحيض، مع اختلافهم في بعض التفاصيل والاستثناءات. وفي المقابل، ذهب علماء إلى جواز قراءتها عن ظهر قلب، ولا سيما عند الحاجة إلى التعليم والتعلم أو الخشية من نسيان الحفظ، وهو قول معروف في المذهب المالكي وأخذ به عدد من أهل العلم.

ومن الفتاوى المعاصرة ما يجيز للحائض النظر إلى آيات القرآن على شاشة الهاتف أو المصحف الإلكتروني وإمرارها على القلب دون النطق باللسان، مع التفريق بين النظر إلى الآيات، والتلاوة اللفظية، ومس المصحف.

وقد أوضحت دار الإفتاء المصرية في فتواها رقم (22454)، بتاريخ 30 ديسمبر 2025، حكم قراءة الحائض للقرآن من الهاتف أو المصحف الرقمي، وذكرت تفصيلًا في النظر إلى الآيات وإجرائها على القلب دون نطق، مع بيان القول المتعلق بالتلاوة اللفظية ومس المصحف.

لذلك، ينبغي للمرأة أن تراعي المذهب الذي تتبعه والفتوى الموثوقة التي تعمل بها، وخاصة إذا كانت معلمة للقرآن أو طالبة علم أو تخشى نسيان حفظها.

ما العبادات التي تستطيع الحائض المحافظة عليها؟

لا يعني الحيض انقطاع المرأة عن العبادة، بل يمكنها استثمار هذه الأيام في أعمال كثيرة تقربها من الله تعالى، ومنها:

  1. التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير: المحافظة على الأذكار اليومية دون اشتراط الوضوء.

  2. الاستغفار والتوبة: الإكثار من الاستغفار وتجديد التوبة والدعاء.

  3. الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: الإكثار من الصلاة والسلام عليه.

  4. الدعاء: سؤال الله تعالى المغفرة والرحمة والرزق وصلاح الأبناء وسائر الحاجات المشروعة.

  5. سماع القرآن الكريم: الاستماع إلى تلاوة القرآن والتدبر في معانيه.

  6. طلب العلم الشرعي: قراءة كتب الفقه والعقيدة والتفسير والحديث، والاستماع إلى الدروس العلمية.

  7. الصدقة والإحسان: مساعدة المحتاجين وبر الوالدين وصلة الرحم والإحسان إلى الآخرين.

  8. قراءة القرآن وفق القول الفقهي الذي تعمل به: مراعاة الخلاف في التلاوة اللفظية ومس المصحف، والأخذ بقول معتبر عند الحاجة وفق الضوابط الشرعية.

وبذلك تستطيع المرأة أن تحافظ على صلتها بالله تعالى، حتى في الأيام التي لا تؤدي فيها الصلاة أو الصيام بسبب الحيض أو النفاس.

هل تجلس الحائض في مكان صلاتها عند كل وقت صلاة؟

يجوز للحائض أن تجلس في المكان الذي اعتادت الصلاة فيه لتذكر الله تعالى وتدعو وتستغفر، سواء أكان ذلك عند دخول وقت الصلاة أم في وقت آخر. ولا يلزمها الجلوس في مصلاها تحديدًا، ولا الالتزام بمدة معينة، ما لم تكن تعمل بقول فقهي يستحب ذلك.

وإذا أرادت المحافظة على روتين تعبدي يومي، فيمكنها تخصيص بضع دقائق عند كل وقت صلاة للأذكار والدعاء، دون اعتقاد أن هذا التوقيت أو العدد واجب أو سنة ثابتة بدليل صحيح خاص.

والأهم أن تعلم المرأة أن ترك الصلاة أثناء الحيض ليس تقصيرًا منها، بل هو امتثال للحكم الشرعي، وأن أبواب الذكر والدعاء والعلم والصدقة وسائر أعمال البر تبقى مفتوحة أمامها.

هل تقضي الحائض الصلاة والصيام بعد الطهر؟

لا تقضي المرأة الحائض الصلوات التي تركتها أثناء الحيض، بينما تقضي أيام الصيام الواجب التي أفطرتها بسبب الحيض، مثل أيام شهر رمضان.

وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ».

رواه مسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، حديث رقم (335).

وهذا الحكم من الأحكام المستقرة عند أهل العلم، فلا ينبغي أن تشعر المرأة بالذنب بسبب ترك الصلاة في أيام الحيض؛ لأنها مأمورة شرعًا بتركها، ولا يلزمها قضاؤها بعد الطهر.

الخلاصة: هل يُستحب للحائض الوضوء لكل صلاة والجلوس للذكر؟

يمكن تلخيص الحكم في النقاط الآتية:

  • يجوز للحائض والنفساء ذكر الله تعالى والدعاء والاستغفار والتسبيح دون وضوء.

  • ورد في بعض كتب الفقه الحنفي استحباب الوضوء عند وقت كل صلاة والجلوس في المصلى للذكر بمقدار زمن الصلاة.

  • هذا الاستحباب ليس محل اتفاق بين المذاهب، ولا ينبغي تقديمه على أنه سنة نبوية ثابتة بإسناد صحيح متفق عليه.

  • وضوء الحائض لا يرفع حدث الحيض، ولا يبيح لها الصلاة.

  • قراءة القرآن للحائض محل خلاف فقهي، فينبغي مراعاة الأقوال المعتبرة والفتاوى الموثوقة.

  • لا تقضي الحائض الصلاة بعد الطهر، لكنها تقضي الصيام الواجب الذي أفطرته أثناء الحيض.

والأصل أن تحافظ المرأة على ذكر الله تعالى وسائر أعمال البر، وألا تجعل الحيض سببًا للانقطاع عن العبادة؛ فالتعبد لله تعالى لا يقتصر على الصلاة وحدها.

والله تعالى أعلم.

ما هو رد فعلك؟

like

dislike

love

funny

angry

sad

wow