موقعة صفين: التاريخ الكامل، الأسباب، الأحداث

دراسة تاريخية وفقهية شاملة لموقعة صفين (37هـ): أسبابها، مجرياتها، موقف الصحابة، أقوال العلماء والمحدثين، وأثرها في الفكر الإسلامي.

  • مقدمة

    تُعدُّ موقعةُ صِفِّين من أعظم الأحداث وأخطرها في تاريخ الإسلام، وقد وقعت في شهر صفر من عام سبعةٍ وثلاثين من الهجرة النبوية الشريفة (37هـ / 657م)، في الأرض المعروفة بصِفِّين على ضفاف نهر الفرات في منطقة الجزيرة الفراتية شمال الشام. وكانت هذه المعركة بين جيش أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وجيش معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه والي الشام، في خضمِّ أزمة الفتنة الكبرى التي اندلعت إثر مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه.

    وقد تركت هذه الموقعة بصماتٍ عميقةً في التاريخ الإسلامي السياسي والعقدي والفقهي، إذ تفرَّعت عنها مسألة التحكيم الشهيرة، وكان من نتائجها المباشرة ظهورُ فرقة الخوارج. ولا يزال الحديث عن أحداثها وتداعياتها يستوجب دقةً علمية وتأصيلاً منهجياً رصيناً بعيداً عن التعصب والهوى، واستناداً إلى كبار المصادر الأولية من كتب الحديث والتاريخ والتراجم.

  • الخلفية التاريخية — مرحلة ما قبل صِفِّين

    1 — مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه (35هـ)

    في شهر ذي الحجة عام خمسةٍ وثلاثين للهجرة اقتحم الثوارُ القادمون من الكوفة والبصرة ومصر دارَ الخليفة عثمان رضي الله عنه في المدينة المنورة، فقتلوه مظلوماً صائماً تالياً لكتاب الله تعالى. وقد هزَّ هذا الحدثُ الفاجعُ أركانَ الأمة هزاً عنيفاً، وأشعل فتيلَ الفتنة الكبرى التي لم تنطفئ جذوتها إلا بعد سنوات.

    قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (2/590): «وكان مقتلُه فتحَ باب الفتنة الذي لم يُغلق إلى الآن». وقال ابن كثير في البداية والنهاية (7/171): «كان مقتلُ عثمان رضي الله عنه أعظمَ فتنةٍ جاءت على الإسلام في تلك المدة».

    2 — بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه

    بعد مقتل عثمان رضي الله عنه بويع عليٌّ رضي الله عنه بالخلافة في المدينة في أواخر 35هـ، وبايعه جمهور الصحابة الحاضرين فيها. غير أن معاوية رضي الله عنه امتنع عن البيعة، مطالباً بالقصاص من قتلة عثمان أولاً قبل كل شيء، وأرسل قميص عثمان الملطَّخ بالدماء إلى الشام يستنهض به الهمم ويُذكِّي جذوة المطالبة.

    قال الطبري في تاريخه (4/429): «كتب معاوية إلى علي يشترط القصاصَ قبل البيعة، فأبى علي». وكان موقف علي رضي الله عنه أن تنفيذ القصاص مشروطٌ باستقرار الأمور وإحكام السلطة، وأن الطرفَ الذي يُحرِّك الجيوش وقد وقع الخلاف هو الباغي.

    3 — موقعة الجمل وأثرها في تعقيد الأزمة (36هـ)

    قبل صفين وقعت موقعة الجمل في جمادى الآخرة 36هـ قرب البصرة، بين جيش علي رضي الله عنه من جهة، وجيش أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها مع طلحة والزبير رضي الله عنهما من جهة أخرى، وقد التقوا على إنكار التسويف في القصاص من قتلة عثمان. وانتهت الموقعة بانتصار جيش علي رضي الله عنه، ومقتل طلحة والزبير رضي الله عنهما، وعودة أم المؤمنين عائشة إلى المدينة مكرَّمةً. وأضافت هذه الأحداث مزيداً من التعقيد إلى المشهد السياسي، وزادت من تصلُّب معسكر الشام.

  • أسباب موقعة صِفِّين

    1 — المطالبة بدم عثمان رضي الله عنه

    كان السبب المُعلَن الذي رفعه معاوية رضي الله عنه لرفض البيعة لعلي رضي الله عنه هو المطالبة بالقصاص من قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه. ورأى معاوية ومن معه أن علياً كان يُسوِّف في تنفيذ القصاص، وأن من واجبه ولاءً لعثمان ابن عمِّه أن يطالب بهذا الحق. وكان علي رضي الله عنه يرى في المقابل أن إقامة الحدِّ على قوم بأعيانهم وسط هذا الاضطراب ممَّا يزيد الفتنة اشتعالاً.

    2 — النزاع على الشرعية السياسية

    في جوهره كان النزاع يتعلق بمسألة الشرعية؛ فعلي رضي الله عنه يرى أن البيعة انعقدت له شرعاً وأن طاعته واجبة على كل مسلم. ومعاوية رضي الله عنه يرى أن انعقاد البيعة في ظروف يُحاصر فيها القتلةُ المدينةَ يُلقي بظلاله على صحتها، وأن الفصل في شأن الخلافة لا يتمُّ قبل إقامة القصاص. ووظَّف كلٌّ من الطرفين الحجج الشرعية لتسويغ موقفه.

    3 — البُعد العشائري والقَبَلي

    أشار عدد من المؤرخين كابن خلدون في المقدمة وابن الأثير في الكامل إلى أن ثمة بُعداً قبلياً لا يُمكن إغفاله؛ إذ إن العداء القديم بين بني هاشم وبني أمية، والتنافس على الزعامة القريشية، أضفى على الأزمة السياسية أبعاداً عشائرية جعلت الحل الوسطي أكثر عسراً.

  • مسير الجيشين إلى صِفِّين

    1 — جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه

    تحرَّك علي رضي الله عنه من الكوفة — عاصمته — في صفر 37هـ على رأس جيشٍ يتفاوت المؤرخون في تقدير عدده؛ يُقدِّره الطبري بنحو تسعين ألفاً، ويرى ابن الأثير في الكامل أنه كان نحو خمسين ألفاً. ومن أبرز قادته وصحابته: الأشترُ النخعي، وعمار بن ياسر رضي الله عنه، وهاشم بن عتبة المرقال، وسهل بن حنيف، وقيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم. وكان عمار بن ياسر رضي الله عنه من أشد المتحمسين للقتال في صفوف علي.

    2 — جيش معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه

    قدِم معاوية رضي الله عنه من الشام على رأس جيشٍ يُقدَّر بنحو سبعين ألف مقاتل أو أكثر. ومن أبرز قادته عمرو بن العاص رضي الله عنه الذي كان مستشاره السياسي والعسكري الأبرز، فضلاً عن بُسر بن أبي أرطاة، وعبد الله بن عمرو بن العاص الذي حضر المعركة مع أبيه وهو كارهٌ لذلك مُنتظِرٌ لأمر ربِّه.

    3 — مفاوضات ما قبل المعركة

    قبل اشتعال القتال جرت مفاوضاتٌ بين الطرفين؛ أرسل علي رضي الله عنه وفوداً تدعو معاوية إلى البيعة ووحدة الصفِّ. ومن رسله: بشير بن عمرو الأنصاري، وسعيد بن قيس الهمداني، وشبث بن ربعي. وقد دارت بين هؤلاء ومعاوية نقاشاتٌ مسجَّلة يوردها الطبري في تاريخه، لكنها انتهت دون نتيجة.

  • مجريات المعركة وأبرز أحداثها

    1 — مرحلة المناوشات الأولى (محرم — صفر 37هـ)

    بدأت العمليات العسكرية بمناوشات وسرايا وغارات خفيفة في محرم 37هـ، ثم اشتدَّ القتال في صفر. وتصف المصادر — كالطبري والمسعودي في مروج الذهب (2/393) — هذه المرحلة بأنها كانت عبارة عن مبارزات فردية وسرايا صغيرة قبل أن تتشكَّل الصفوف الكبرى.

    2 — مقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه

    من أبرز ما سجَّله التاريخ في صفين مقتلُ الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضي الله عنه في صفوف جيش علي. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بذلك فيما ثبت في الصحيحين وغيرهما، قوله صلى الله عليه وسلم: «تقتله الفئةُ الباغية»، متفق عليه، أخرجه البخاري (447) ومسلم (2916). وقد استدلَّ بعضُ العلماء بهذا الحديث على أن الحق كان مع علي رضي الله عنه، إذ إن الذي قتل عماراً هو جيش معاوية.

    وقال ابن تيمية في منهاج السنة (4/393): «وقول النبي صلى الله عليه وسلم في عمار: تقتله الفئة الباغية، دليلٌ على أن الذين قتلوه كانوا باغين، وأن علياً كان أولى بالحق منهم في تلك الحرب». وقال الذهبي في السير (1/425): «هو دليلٌ واضح على أن علياً كان على الحق».

    3 — ليلة الهرير

    بلغت المعركة ذروتها في ما يُعرف بـ«ليلة الهرير»، وهي من أشرس ليالي القتال في التاريخ الإسلامي. يقول الطبري (4/583): «فاقتتلوا تلك الليلة حتى كثرت القتلى والجرحى، وحتى تكسَّرت الرماح وتقطَّعت السيوف في أيدي الرجال، وكانت القتلى في تلك الليلة كثيرةً جداً». وكان جيش علي رضي الله عنه في طريقه إلى حسم المعركة عسكرياً حين وقع حادث رفع المصاحف.

    4 — رفع المصاحف وطلب التحكيم

    في اللحظات الحاسمة التي كاد فيها جيش معاوية أن ينهار، أشار عمرو بن العاص رضي الله عنه بفكرة رفع المصاحف على أطراف الرماح داعياً إلى التحكيم بكتاب الله، فرفع جنود الشام المصاحف على أسنَّة رماحهم وهم يهتفون: «القرآنُ بيننا وبينكم، كتابُ الله يحكم بيننا».

    أحدثت هذه الخطوة انقساماً حادًّا في صفوف علي رضي الله عنه؛ فالأشتر وجماعةٌ من القادة رأوا فيها مكيدةً حربية وخداعاً لا ينبغي الاستجابة له، وقالوا: «هي خديعةٌ ومكر ومؤامرة، دعنا ندفعها». في المقابل، ضغط كثيرٌ من القرَّاء والمقاتلين على علي رضي الله عنه بشدة للقبول بالتحكيم، بعضهم هدَّد بمغادرة الصفوف وبعضهم هدَّد بأشدَّ من ذلك، فاضطُرَّ علي رضي الله عنه إلى الاستجابة مُكرَهاً. وقد قال علي رضي الله عنه في بعض رواياته المأثورة: «كنتُ كارهاً للتحكيم ولكنَّكم أبيتم».

  • التحكيم — من أذرح إلى نتائجه المُرَّة

    1 — اختيار الحكمين

    بعد قبول التحكيم احتدم الخلاف في اختيار الحَكَم من جانب علي رضي الله عنه؛ فرشَّح عبدالله بن عباس رضي الله عنهما ثم الأشتر النخعي، لكن جماعة المُكرِهين أصرَّت على أبي موسى الأشعري رضي الله عنه لمعرفته بالكتاب والسنة وبُعده عن التحيُّز. ومن جانب معاوية اختير عمرو بن العاص رضي الله عنه.

    يقول ابن كثير في البداية والنهاية (7/263): «فأمَّا عمرو فكان داهيةً محنَّكاً، وأمَّا أبو موسى فكان رجلاً صالحاً فقيهاً غير أنه لم يكن في درجة عمرو في الدهاء والمكر السياسي».

    2 — وثيقة التحكيم

    كُتبت وثيقة التحكيم وفيها: أن الحكمين سيحكمان بكتاب الله وسنة نبيِّه، وأن ما حكما به نافذٌ، وأن الأمر سيُقضى في مكان وزمان يتَّفقان عليه. واعترض الأشتر وابن عباس رضي الله عنه على بنودٍ في الوثيقة. وعندما كُتب اسم «أمير المؤمنين» بجانب اسم علي اعترض عمرو بن العاص، وقال: لو أقررنا له بذلك ما قاتلناه؛ فمحا علي رضي الله عنه التسميةَ بيده قائلاً: «اللهم إنك تعلم أني أمير المؤمنين» — وهو موقف يذكِّر بموقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية لمَّا محا «رسول الله» من الوثيقة.

    3 — نتيجة التحكيم في أذرح (38هـ)

    اجتمع الحكمان في أذرح — وقيل دومة الجندل — في رمضان أو شعبان من عام 38هـ بعد تأخيرات متعددة. وقد دارت بينهما مباحثات ثم خرجا بنتيجة مثيرة للجدل: أعلن أبو موسى الأشعري رضي الله عنه خلعَ عليٍّ ومعاوية جميعاً وإحالة الأمر إلى شورى المسلمين. لكن عمرو بن العاص رضي الله عنه أقرَّ خلع علي وأعلن تثبيتَ معاوية. فأثار ذلك موجةً عاتيةً من الغضب في معسكر علي رضي الله عنه.

    وقد اختلف العلماء في تفسير هذا الموقف؛ فمنهم من رأى أن أبا موسى رضي الله عنه استُغفِل وغُرِّر به، ومنهم من رأى أنه اجتهد واجتهاد المخطئ له أجر. وقال القرطبي: «لم يكن أبو موسى رضي الله عنه مُغفَّلاً، بل كان من أعلم الصحابة بالكتاب، لكنَّ عمراً كان أشدَّ دهاءً في السياسة منه».

  • ظهور الخوارج كنتيجة مباشرة لصفِّين

    رفضت مجموعةٌ من جيش علي رضي الله عنه قبولَ التحكيم من الأصل، ورفعت شعارها المشهور: «لا حكمَ إلا لله». فردَّ عليهم علي رضي الله عنه بقوله الشهير المأثور في كتب السنة: «كلمةُ حقٍّ يُراد بها باطل». وانشقَّ هؤلاء عن جيشه وتوجَّهوا نحو النهروان، فدارت معركة النهروان في ربيع 38هـ وقُضي على الخوارج فيها.

    وقد أثَّر ظهور الخوارج على الفكر الإسلامي تأثيراً بالغاً؛ إذ مثَّلوا النموذج الأبرز للغلو والتكفير في التاريخ الإسلامي، وأصبح التحذير منهم مادةً رئيسية في كتب العقيدة وشروح الحديث.

  • أقوال العلماء المعتبرين في موقعة صِفِّين

    1 — المنهج الصحيح في الموقف من أحداث الفتنة

    قرَّر علماء أهل السنة والجماعة جملةً من الأصول المنهجية في التعامل مع هذا الباب:

    الأصل الأول: الإمساكُ عن الخوض فيما جرى بين الصحابة، مع الاعتراف بأن الحق كان مع علي رضي الله عنه.

    الأصل الثاني: اعتبار كلا الطرفين مجتهداً، والمصيب له أجران والمخطئ له أجر واحد.

    الأصل الثالث: عدم تكفير أو تفسيق أيٍّ من الصحابة المشاركين.

    الأصل الرابع: الترضِّي عن الصحابة جميعاً، ومحبَّتهم كلِّهم.

    2 — أقوال الأئمة الكبار

    قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله — كما نقله ابن بطة في الإبانة ، وابن تيمية في منهاج السنة «لا نتكلَّم في أحدٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونكفُّ عمَّا شجر بينهم».

    وقال الإمام الطحاوي رحمه الله في متن العقيدة الطحاوية  «ونحبُّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نُفرِّط في حبِّ أحدٍ منهم، ولا نتبرَّأ من أحدٍ منهم، ونُبغض من يُبغضهم وبغير الخير يذكرهم».

    وقال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم «وأما حروب الصحابة رضي الله عنهم فكانوا متأوِّلين فيها، والذين قاتلوا معتقدون الجواز أو الوجوب، والذين أمسكوا معتقدون الإمساك، وكلُّهم متأوِّلون، رضي الله عنهم أجمعين، ولا يجوز التعرُّض لأحدٍ منهم».

    وقال ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة النبوية «والصحابة الذين قاتلوا مع علي ومع معاوية كلُّهم من أهل الجنة بإذن الله، وكلُّهم من عدول رسول الله الذين زكَّاهم القرآن والسنة». ثم قال في الموضع ذاته: «وأهل السنة يعتقدون أن علياً كان أحقَّ بالإمامة من معاوية وأن الحق كان معه، وأن معاوية كان مخطئاً باغياً في هذا القتال».

    وقال الإمام الذهبي:«وأمَّا معاوية فكان متأوِّلاً في طلب القصاص بدم عثمان، فمن اعترض على معاوية بغير هذا أو أوجب له النار فقد أخطأ، ومن رآه أفضل من علي أو أحقَّ بالخلافة منه فقد غلا».

    وقال ابن حجر العسقلاني «الصحابة عدولٌ كلُّهم بتعديل الله لهم، والثناء عليهم في القرآن الكريم والسنة النبوية، وما شجر بينهم من الخلاف فهو محمولٌ على الاجتهاد».

    3 — موقف الأئمة من معاوية رضي الله عنه تحديداً

    اتَّفق أئمة أهل السنة على الترضِّي عن معاوية رضي الله عنه وعدم تكفيره أو تفسيقه، مع الاعتراف بأن علياً كان الأحق. قال ابن تيمية في منهاج السنة«ولا يُشكُّ عند أهل السنة أن علياً كان أولى بالإمامة من معاوية، وأن معاوية كان باغياً في القتال، ولكنه كان مجتهداً متأوِّلاً، والباغي المتأوِّل معذورٌ غير فاسق». وقال الذهبي:«إن معاوية رضي الله عنه لم يكن من الخوارج ولم يكن مُستحِلاًّ للقتال، بل كان متأوِّلاً».

    4 — دلالة حديث مقتل عمار رضي الله عنه

    ثبت في الصحيحين وعند جمع كبير من الأئمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله لعمار بن ياسر رضي الله عنه: «تقتلك الفئةُ الباغية» (البخاري: 447، ومسلم: 2916). واستنبط جمهور العلماء من هذا الحديث دلالةً صريحة على أن الحق كان في صفوف علي رضي الله عنه.

    وقد أجاب بعض أنصار معاوية رضي الله عنه عن هذا الحديث بأن «الفئة الباغية» لا يُراد بها الفسق والمعصية بالضرورة، بل هي الفئة التي بغت أي طلبت وتجاوزت. لكن الجمهور ردَّ بأن البغي في الاصطلاح الشرعي معنى محدَّد يستوجب القتال دفعاً. وقال ابن تيمية: «بغيُهم لا يُوجب تكفيرهم ولا تفسيقهم إذا كانوا متأوِّلين، كما في قتال أهل البغي في الفقه الإسلامي».

  • الخلاف العلمي حول التحكيم

     هل كان التحكيم جائزاً شرعاً؟

    انقسم العلماء في هذه المسألة على قولين بارزين:

    القول الأول: أن التحكيم لم يكن جائزاً، وأن علياً رضي الله عنه كان مُكرَهاً عليه، وهذا ما صرَّح به علي رضي الله عنه نفسه في مواقف متعددة، وقال إنه ندم على قبوله. ونقل عن علي رضي الله عنه قوله: «رأيُ الأشتر كان أصوب من رأيي».

    القول الثاني: أن التحكيم بحدِّ ذاته جائزٌ، وأن الخطأ كان في نتيجته لا في أصله، وأن اللجوء إلى الحكمين طلباً للسلم ودرءاً لإراقة المزيد من الدماء كان مسلكاً مشروعاً في الجملة.

    2 — حكم من قاتل في صفِّين

    قرَّر الفقهاء أن أحكام «قتال أهل البغي» هي المرجع في فهم ما جرى في صفين؛ فعلي رضي الله عنه كان الإمام الشرعي، ومن خرج عليه كان بحكم الباغي المتأوِّل — لا الكافر ولا الفاسق — وأحكام الباغي المتأوِّل مقرَّرةٌ في كتب الفقه الإسلامي ولا سيَّما في باب «قتال البغاة» في المذاهب الأربعة.

  • نتائج موقعة صِفِّين وتداعياتها

    1 — على الصعيد السياسي

    أسهمت موقعة صفين في إرساء نمط سياسي جديد؛ إذ انتقلت الخلافة فعلياً من المركز الحجازي (المدينة — الكوفة) إلى الدائرة الشامية الأموية. وقد انتهى عهد علي رضي الله عنه باغتياله في رمضان 40هـ على يد الخارجي عبد الرحمن بن ملجم، ثم تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما عن الخلافة لمعاوية عام 41هـ في عام الجماعة (عام الوحدة).

    2 — على الصعيد الفكري والعقدي

    أفرزت صفين جملةً من الإشكاليات الفكرية الكبرى في الفكر الإسلامي: مسألة الإمامة ومشروعيتها، ومسألة موقف الفرد من الخروج على الإمام، وأحكام قتال أهل البغي، ومسألة العدالة في الصحابة، وقد أصبحت كلٌّ من هذه المسائل باباً واسعاً في علم الكلام والفقه الإسلامي.

    3 — ظهور الفرق المتطرفة

    كان من أشد نتائج صفين وطأةً ظهورُ الخوارج الذين ألحقوا أذىً بالغاً بالأمة في العقود التالية، وقد قاتلهم علي رضي الله عنه في النهروان وأحذرَ منهم، وجاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تُصرِّح بذمِّهم وضرورة قتالهم — كحديث: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» — أخرجه البخاري (3611) ومسلم (1066).

  • الخاتمة

    موقعةُ صِفِّين — في مجملها — حلقةٌ مُضنيةٌ من حلقات الفتنة الكبرى التي ابتُلي بها المسلمون الأوائل؛ فتنةٌ لم يُرِدها الصحابة الكرام رضي الله عنهم ابتداءً، ولا أشعل نارها إلا الثوارُ على عثمان رضي الله عنه من الخارجين عن طاعة الأمة. والناظر في كتب أئمة أهل السنة والجماعة يجد منهجاً راسخاً موزوناً: يُقرِّر أن الحق كان مع علي رضي الله عنه، ولا يُكفِّر معاوية رضي الله عنه ولا يفسِّقه بل يعذره بالتأويل، ويُجلُّ الصحابة جميعاً ويُمسك عن الخوض فيما شجر بينهم إلا لعلمٍ أو بيانٍ أو دفعٍ للباطل.

    وقد تركت هذه الأحداث إرثاً فقهياً وعقدياً ضخماً لا يزال حيَّاً في مدارسة علوم الإسلام، من أحكام البغاة، إلى مسائل الإمامة، إلى منزلة الصحابة رضي الله عنهم. والواجب على كل مسلم أن يقرأ هذا التاريخ بعين الإنصاف وبمنهج أهل السنة والجماعة، بعيداً عن الغلو في الطرفين.

    رضي الله عن علي ومعاوية وعمَّار وعمرو وعن سائر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين