من هم القبوريون؟ التعريف، النشأة، المعتقدات، والرد على أبرز شبهاتهم
من هم القبوريون؟ تعرف على معنى القبورية، وأسباب ظهورها، وأبرز معتقداتهم، وحكم الغلو في القبور، والفرق بين الزيارة الشرعية والبدعية، والرد على أشهر الشبهات وفق الكتاب والسنة.
-
مقدمة
يُعد مصطلح القبوريون من المصطلحات التي تكثر في كتب العقيدة، وخاصة عند الحديث عن توحيد العبادة ومحاربة الشرك. وقد استعمله عدد من علماء أهل السنة والجماعة للدلالة على فئة غلت في تعظيم القبور وأصحابها حتى صرفت بعض أنواع العبادة لهم أو عندهم، وهو ما عدَّه العلماء من وسائل الشرك أو من الشرك الأكبر بحسب نوع الفعل. وفي هذا المقال نتعرف على معنى القبوريين، ونشأة القبورية، وأبرز معتقداتهم، وشبهاتهم، والرد عليها وفق الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة.
-
من هم القبوريون؟
القبوريون هم: الأشخاص الذين يغلون في تعظيم القبور وأصحابها، فيصرفون لهم أو عندهم شيئًا من أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لله تعالى، مثل الدعاء، والاستغاثة، والذبح، والنذر، أو اعتقاد أن أصحاب القبور يتصرفون في الكون أو يقضون الحاجات أو يكشفون الكربات.
وقد عرف الشيخ عبد الرحيم السلمي القبوريين بقوله في شرحه لكتاب التوحيد:
"القبوريون: هم الذين يعبدون القبور، ويعكفون عندها، ويعظمونها، ويغلون فيها."
والمقصود بعبادة القبور ليس السجود لها فقط، بل يشمل كل عبادة صُرفت لغير الله بسبب تعظيم المقبور.
-
لماذا سُمّوا بالقبوريين؟
سُمّوا بهذا الاسم لأن محور ممارساتهم الدينية يدور حول القبور، ومن أبرز ذلك:
- تعظيم القبور تعظيمًا يخرج عن المشروع.
- شد الرحال إليها بقصد التعبادة.
- دعاء أصحاب القبور وطلب المدد منهم.
- الاستغاثة بالأموات.
- الذبح والنذر عند الأضرحة.
- الاعتقاد بأن الأولياء يسمعون دعاء كل من ناداهم ويملكون قضاء الحاجات.
وليس كل من زار قبرًا أو دعا للميت يُسمى قبوريًا؛ لأن زيارة القبور المشروعة سنة ثابتة عن النبي ﷺ، وإنما المذموم هو ما يصاحبها من الغلو والعبادات الموجهة لغير الله.
- تعظيم القبور تعظيمًا يخرج عن المشروع.
-
متى بدأت القبورية؟
يرى علماء أهل السنة أن أصل القبورية يرجع إلى أول شرك وقع في البشرية، عندما غلا قوم نوح في تعظيم الصالحين.
قال تعالى:
﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23].
وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الأسماء كانت لرجال صالحين، فلما ماتوا صُورت صورهم، ثم طال الزمن فعبدت من دون الله، كما رواه البخاري.
ولهذا قال الشيخ عبد الرحيم السلمي:
"إن أول شرك وقع في حياة الإنسانية كان بسبب الغلو في الصالحين، وتعظيم آثارهم، والعكوف على قبورهم."
-
موقف الإسلام من تعظيم القبور
جاء الإسلام بالموازنة بين تكريم الموتى وسد ذرائع الشرك.
فشرع:
- زيارة القبور للعظة والدعاء للأموات.
- السلام على أهل المقابر.
- الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة.
ونهى عن:
- اتخاذ القبور مساجد.
- البناء عليها.
- تجصيصها.
- الصلاة إليها.
- الطواف بها.
- دعاء أصحابها.
وقد قال النبي ﷺ:
«لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». متفق عليه.
وقال ﷺ:
«ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». رواه مسلم.
وهذا من باب حماية جناب التوحيد ومنع وسائل الغلو.
أبرز معتقدات القبوريين
ذكر علماء العقيدة أن من أشهر المعتقدات المنتشرة عند القبوريين:
1- دعاء الأولياء بعد موتهم
كأن يقول:
- يا فلان أغثني.
- يا سيدي ارزقني.
- يا بدوي اقض حاجتي.
- يا حسين اشف مريضي.
ويرى علماء أهل السنة أن الدعاء عبادة، فلا يجوز صرفه إلا لله.
قال تعالى:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60].
وقال سبحانه:
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18].
2- الاستغاثة بالأموات
ومن ذلك طلب كشف الكربات أو إزالة المصائب من أصحاب القبور.
والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله من خصائص العبادة.
3- الذبح والنذر للأضرحة
فيذبح بعض الناس عند القبور تقربًا لصاحب القبر.
وقد قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163].
4- الطواف بالقبور
فالطواف عبادة لا تكون إلا بالبيت الحرام.
ولهذا عد العلماء الطواف بالقبور من الأعمال المحرمة، ويكون شركًا إذا قصد به التقرب لصاحب القبر.
5- الاعتقاد بأن الأولياء يعلمون الغيب
وهذا مخالف لقوله تعالى:
﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: 65].
- زيارة القبور للعظة والدعاء للأموات.
-
أشهر شبهات القبوريين
ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب كشف الشبهات عددًا من أشهر الشبهات التي يتمسك بها من يجيزون دعاء غير الله.
ومن أبرزها:
الشبهة الأولى: نحن لا نعبدهم وإنما نتوسل بهم
يقولون إنهم لا يقصدون عبادة الأولياء، وإنما يجعلونهم وسطاء بينهم وبين الله.
الرد
هذا هو عين احتجاج المشركين الأولين.
قال تعالى:
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3].
وقال سبحانه:
﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18].
فسمى الله هذا شركًا مع أنهم كانوا يقرون بأن الله هو الخالق الرازق.
الشبهة الثانية: الأولياء لهم جاه عند الله
الرد أن جاه الصالحين لا يبيح صرف العبادة لهم.
فالعبادة حق خالص لله.
أما الشفاعة فلا تكون إلا بإذن الله ورضاه.
قال تعالى:
﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255].
الشبهة الثالثة: نحن نحب الأولياء
الرد أن محبة الأولياء من الدين، لكن محبتهم لا تعني عبادتهم.
بل إن أعظم محبة لهم تكون باتباعهم والسير على نهجهم.
هل يقع الشرك في أمة محمد ﷺ؟
أنكر بعض الناس إمكانية وقوع الشرك في الأمة الإسلامية.
لكن جاءت النصوص الصحيحة بخلاف ذلك.
قال النبي ﷺ:
«لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان». رواه أبو داود والترمذي وصححه جمع من أهل العلم.
كما قال ﷺ:
«لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة...» متفق عليه.
وقد استدل الإمام محمد بن عبد الوهاب بهذا الحديث في باب: "ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان".
هل كل من وقع في هذه الأفعال يُحكم عليه بالشرك مباشرة؟
يفرق أهل السنة والجماعة بين:
- الحكم على الفعل بأنه شرك إذا دل الدليل على ذلك.
- والحكم على الشخص المعين، فهذا يحتاج إلى تحقق الشروط وانتفاء الموانع، كقيام الحجة وبلوغ العلم وانتفاء الجهل أو التأويل المعتبر، وهي مسألة يرجع فيها إلى أهل العلم والقضاء الشرعي، ولا يجوز لعامة الناس التسرع في تكفير الأعيان.
وهذا من القواعد المهمة في باب العقيدة.
الزيارة الشرعية للقبور
زيارة القبور مشروعة إذا كانت لتحقيق المقاصد التي بينها النبي ﷺ، ومنها:
- تذكر الآخرة.
- الاتعاظ.
- الدعاء للأموات.
- السلام عليهم.
قال ﷺ:
«كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة». رواه مسلم.
أما اتخاذ القبور أماكن للعبادة أو دعاء أصحابها أو الاستغاثة بهم فليس من الزيارة المشروعة.
- الحكم على الفعل بأنه شرك إذا دل الدليل على ذلك.
-
الخلاصة
القبوريون مصطلح يطلقه علماء العقيدة على من غلا في تعظيم القبور حتى صرف شيئًا من أنواع العبادة لأصحابها أو عندها. وقد بين القرآن الكريم والسنة النبوية أن العبادة بجميع أنواعها حق خالص لله تعالى، وأن الغلو في الصالحين كان أول طريق وقع به الشرك في البشرية. وفي الوقت نفسه، يقرر أهل السنة أن محبة الأولياء واحترامهم والدعاء لهم وزيارة قبورهم الزيارة الشرعية من الدين، لكن دون غلو أو صرف شيء من العبادة لغير الله، مع التفريق بين الحكم على الأفعال المخالفة للدليل والحكم على الأشخاص، إذ ذلك له ضوابط شرعية مقررة عند أهل العلم.
-
المصادر والمراجع
1. القرآن الكريم.
2. صحيح البخاري.
3. صحيح مسلم.
4. محمد بن عبد الوهاب، كتاب التوحيد.
5. محمد بن عبد الوهاب، كشف الشبهات.
6. عبد الرحيم السلمي، شرح كتاب التوحيد.
7. ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم.
8. ابن القيم، إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان.
9. عبد العزيز بن باز، مجموع الفتاوى.
10. محمد بن صالح العثيمين، القول المفيد على كتاب التوحيد.
ما هو رد فعلك؟