حيدر الكرَّار علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه

سيرة موسَّعة ودقيقة عن حيدر الكرَّار علي بن أبي طالب رضي الله عنه: نسبه، فضائله، أقوال الصحابة والعلماء فيه، لقبه حيدر، بطولاته في المشاهد، وأثره في الفقه والتفسير واللغة — معتمَدة على المصادر الإسلامية الموثو

  • مقدمة: من هو حيدر الكرَّار؟

    حيدر الكرَّار لقبٌ من أشهر ألقاب الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ابن عم النبي محمد ﷺ وزوج ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ورابع الخلفاء الراشدين عند أهل السنة والجماعة، والإمام الأول عند الشيعة الإمامية. جمع هذا الصحابي الجليل بين الشجاعة النادرة في الميادين، والعلم الغزير في المسائل والأحكام، والزهد العميق عن حطام الدنيا، فكان مضرب الأمثال في الإقدام على الأبطال والإحجام عن زخرف الفانية.

    تتضافر المصادر الإسلامية الكبرى — من صحاح الحديث وكتب السير والطبقات والتاريخ — على إبراز مكانته الرفيعة بين الصحابة الكرام؛ إذ تحفل بفضائله صحيحا البخاري ومسلم وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه، كما أفرد الإمام أحمد بن حنبل لمناقبه فصلاً موسَّعاً في مسنده وفي كتابه «فضائل الصحابة» المستقل. وقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «الإصابة» (4/464): «لم يصحَّ في فضل أحد من الصحابة ما صحَّ في فضل علي بن أبي طالب».

  • النسب والمولد والنشأة

    ١النسب الشريف

    هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب القرشي الهاشمي. وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهي أول امرأة هاشمية تلد لرجل هاشمي في الإسلام. فنسبه من الجهتين الأبوية والأموية يصبُّ في هاشم جدِّ النبي ﷺ، وهو شرف لم يجتمع لكثير من الصحابة رضي الله عنهم. وأبوه أبو طالب — واسمه عبد مناف — عمُّ النبي ﷺ وكافله بعد وفاة جده عبد المطلب.

    روى الإمام ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (3/19): «علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي». وتنتهي أنساب النبي ﷺ وعلي رضي الله عنه إلى عبد مناف في الثالثة أو الرابعة، مما يجعل القرابة بينهما قرابةً نسبية وثيقة، فضلاً عن المصاهرة التي ربطتهما لاحقاً.

    ٢مولده في الكعبة المشرَّفة

    ذهب جمهور أهل السير والتاريخ إلى أن علياً رضي الله عنه وُلد داخل الكعبة المشرفة، وهو شرف لم يُعهد لأحد قبله ولا بعده. نصَّ على ذلك الحاكم النيسابوري في «المستدرك على الصحيحين» (3/483) وقال: «تواترت الأخبار أن علي بن أبي طالب وُلد في جوف الكعبة». وأيَّده الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (2/187) بقوله: «وُلد بمكة في الكعبة، وهذا مشهور». وذكر الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (7/338) أن هذه الكرامة كانت له دون سائر الصحابة.

    وُلد رضي الله عنه في العاشر من رجب، قبيل بعثة النبي ﷺ بعشر سنوات تقريباً، أي نحو سنة (23 قبل الهجرة / 600م). وكفله النبي ﷺ مبكراً، إذ أخذه من أبيه أبي طالب لمَّا أصاب قريشاً قحطٌ تخفيفاً عنه من أعباء العيال، فنشأ علي في بيت النبوة وتربَّى على يد خير البشر ﷺ قبل البعثة وبعدها.

    ٣نشأته في بيت النبوة

    روى الإمام أحمد في «فضائل الصحابة» (2/565) عن علي رضي الله عنه أنه قال: «كنت مع النبي ﷺ قبل أن يُبعث، وكان يذهب بي إلى الجبل فيلتمس الخلوة». وتكشف هذه الرواية أن ملازمة علي للنبي ﷺ سبقت حتى بدايات الوحي، فكان شاهداً على طلائع النبوة ومواطئ الوحي الأولى.

    وكان فارق السن بين علي والنبي ﷺ نحو ثلاثين عاماً، ومع ذلك فإن ملازمته للنبي ﷺ منذ طفولته جعلته أكثر الناس علماً بسيرته الباطنة وسنته الدقيقة وسريرته النبوية. فلم يكن علم علي مستفاداً من مجالسة عارضة، بل هو ثمرة تربية مستمرة في بيت الوحي منذ نعومة الأظفار حتى وفاة النبي ﷺ.


  • ألقابه — حيدر الكرَّار وسواه

    ١لقب «حيدر»: المعنى والمصدر

    «حيدر» في اللغة العربية هو الأسد، وهو من أبنية المبالغة الدالة على القوة والشجاعة والإقدام. قال ابن منظور في «لسان العرب» (مادة ح-ي-د-ر): «الحيدر: الأسد الغليظ الرقبة، وقيل: هو من أسماء الأسد». وذكر ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث» (1/466): «الحيدر: الأسد الذي يتحيَّر الناس من شجاعته وبأسه». وبعض أهل اللغة يشتقُّ اللفظ من «الحَيْدَ» وهو ما نتأ وبرز، إشارةً إلى نتوء عضلات الأسد وضخامة بنيته.

    وتذكر كتب السيرة والأدب أن أمَّه فاطمة بنت أسد سمَّته «حيدراً» عند ولادته تفاؤلاً بمعنى الأسد، ثم لما جاء أبو طالب سمَّاه «علياً». فلما كان يوم خيبر ونادى علي رضي الله عنه في رجزه المشهور: «أنا الذي سمَّتني أمي حيدرة»، تجلَّى هذا اللقب القديم وطار في الآفاق حتى غدا أشهر ما يُعرَّف به رضي الله عنه في الأدب العربي والشعر الإسلامي.

    ٢ — «الكرَّار»: اشتقاقه ودلالته

    «الكرَّار» صيغة مبالغة من «الكرِّ» وهو الحملة والعودة إلى المبارزة مرة بعد مرة دون انقطاع. يقول ابن فارس في «مقاييس اللغة» (5/122): «الكرُّ: الرجوع. يقال: كرَّ على العدو إذا عاد إليه وحمل عليه». ولُقِّب علي رضي الله عنه بالكرَّار لأنه لم يكن يفرُّ في المعارك قط، بل كان يكرُّ على الأعداء ويعود إليهم حملةً بعد حملة حتى تنهزم صفوفهم.

    وقد ورد في شعر الصحابة والمتقدمين وصفه بـ«الكرَّار غير الفرَّار»، وهي عبارة متضمِّنة لنقيضين يُبيِّنان جوهر شخصيته الحربية: الكرَّار الذي يُقبل ويشتدُّ، والفرَّار الذي يُدبر وينهزم. وعلي رضي الله عنه أثبت الصفة الأولى ونفى عنه النبي ﷺ الثانية بقوله في حديث الراية: «لا يفرُّ».

    ٣سائر ألقابه وكُناه

    تعددت ألقاب علي رضي الله عنه في المصادر الإسلامية تعدُّداً يدلُّ على تعدُّد مناقبه وتنوُّع صفاته الجليلة:

    أبو الحسن وأبو الحسين: كنيتاه، وهما أشهر كناه؛ سُمِّي بهما بسبب ولديه الإمامين الحسن والحسين رضي الله عنهما.

    أبو تراب: وهي الكنية التي أحبَّها أكثر من سائر كناه. كنَّاه بها النبي ﷺ يوم ناله كدرٌ فاضطجع في المسجد وعلاه التراب، فجاءه النبي ﷺ وجعل ينفض التراب عن وجهه ويقول: «قم يا أبا تراب، قم يا أبا تراب». أخرجه البخاري في صحيحه (3703). قال الراوي: «فما كان يُسرُّ بشيء أشدَّ سروراً منه بهذا اللقب».

    أسد الله الغالب: من أكثر ألقابه شيوعاً في الأدب العربي والمراثي الشعرية، إشارةً إلى بسالته التي لا ترد.

    المرتضى: أي المرضيُّ عنه من الله ورسوله، ويقترن كثيراً بـ«علي المرتضى» في تراث الإسلام.

    أمير المؤمنين: لقب الخلافة الذي استحقَّه حين بُويع له بعد مقتل عثمان رضي الله عنه سنة (35هـ).

    باب مدينة العلم: مستمَدٌّ من الحديث المشهور المروي عن النبي ﷺ، أفاض في جمع طرقه الحاكم في «المستدرك» (3/126).


  • فضائله ومناقبه الثابتة بالنص الصحيح

    ١أول من أسلم من الصبيان

    ذهب جمهور أهل السير والحديث إلى أن علياً رضي الله عنه كان أول من أسلم من الصبيان والغلمان. قال الحافظ ابن عبد البر في «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (3/1089): «لا خلاف بين أهل السير أن علياً أوَّل من أسلم من الأحداث والصبيان». وذهب المحققون إلى الجمع بين الأقوال على النحو الآتي: خديجة رضي الله عنها أول من أسلم مطلقاً، وأبو بكر أول من أسلم من الرجال الأحرار البالغين، وعلي أول من أسلم من الأحداث — وهذا التفصيل هو ما اختاره ابن حجر في «الإصابة» والنووي في «تهذيب الأسماء».

    ٢حديث المنزلة

    روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لعلي — حين خلَّفه في المدينة في غزوة تبوك — : «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي؟» (صحيح البخاري 3706، صحيح مسلم 2404). وقد شهد بتواتر هذا الحديث الإمام ابن الجوزي والحافظ ابن كثير والسيوطي وغيرهم من أئمة الحديث، وهو من أعلى الدرجات في إثبات الفضائل.

    ٣حديث الراية يوم خيبر

    روى البخاري (3009) ومسلم (2406) عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحبُّ الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله». فلما أصبح دعا علياً وهو أرمد العينين، فتفل في عينيه ودعا له، فكأنما لم يكن به وجع قط، وأعطاه الراية. قال سهل: «فما برح حتى فتح الله على يديه». وفي هذا الحديث من المناقب جملة: محبة العبد لله ورسوله، ومحبة الله إياه، والفتح على يده — وكل هذه شهادات نبوية لا تُعلى عليها.

    ٤حديث الغدير

    روى الإمام أحمد في مسنده (4/281) والترمذي (3713) عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال في خطبة غدير خم عند منصرفه من حجة الوداع: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه». قال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وصحَّحه الحاكم والذهبي وابن حجر في «فتح الباري». وقد تباينت آراء العلماء في دلالة «المولى» في هذا السياق، فجمهور أهل السنة يفسِّرونها بالمحبة والنصرة والولاء، دون أن تستلزم نصاً على الخلافة.

    ٥أقضى الصحابة وأعلمهم بالقضاء

    قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه — كما رواه البخاري في أبواب الاعتصام —: «علي أقضانا». وروى الإمام أحمد في «فضائل الصحابة» (2/641) عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: «كنا نقول: إن أقضى أهل المدينة علي». وعلَّل العلماء ذلك بمصاحبته للنبي ﷺ منذ صباه وملازمته مجالس الوحي وسماعه البيان النبوي مباشرةً في المسائل الدقيقة.

    ٦ — «أنا مدينة العلم وعلي بابها»

    روى الحاكم في «المستدرك» (3/126) — وصحَّحه على شرط مسلم — أن النبي ﷺ قال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأتِ الباب». وقد تكلَّم في إسناده بعض النقاد كابن معين، غير أن الحاكم والسيوطي وجماعة من العلماء صحَّحوه أو حسَّنوه، وهو على كل حال يعكس منزلة علي العلمية المتسقة مع ما ثبت في الصحيحين من قول عمر وابن مسعود فيه.

    ٧ — «أنت مني وأنا منك»

    روى البخاري (2699) عن البراء بن عازب رضي الله عنه في حديث فيه قصة، أن النبي ﷺ قال لعلي: «أنت مني وأنا منك». وهذه العبارة النبوية نصٌّ على الاتصال الروحي والقرابة التامة والمحبة التي لا تُحجب، ومثله قوله ﷺ في علي وجعفر: «أما أنت يا علي فأخي وابن عمي وأبو ولدي» — رواه أحمد والحاكم وحسَّنه.

    ٨فضيلة المبيت في فراش النبي ﷺ ليلة الهجرة

    حين هاجر النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، بات علي رضي الله عنه في فراشه ليلة الهجرة ملتحِّفاً ببُرده الحضرمي، يُوهم المشركين المتربِّصين أنه ﷺ لا يزال في مكان مبيته. ثم قام بعد ذلك فردَّ الأمانات التي كانت عند النبي ﷺ إلى أصحابها، ولحق به إلى المدينة. وقال المفسِّرون الكبار كابن إسحاق وابن جرير الطبري وعطاء وغيرهم: إن قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ابۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ) [البقرة: 207] نزلت في علي رضي الله عنه في تلك الليلة العظيمة.

  • أقوال الصحابة الكرام في حيدر الكرَّار

    ١أقوال أبي بكر الصديق رضي الله عنه

    قال أبو بكر رضي الله عنه — كما رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (3/24) — في سياق مشاورته لفضلاء الصحابة: «لا أتخطَّاه وهو حيٌّ». وكان أبو بكر يُجلُّ علياً إجلالاً بالغاً ويُقدِّمه في المشورة ويحتكم إلى رأيه في المعضلات. وروى الطبراني في «المعجم الكبير» أن أبا بكر قال: «علي عترة النبي ﷺ وابن عمه، حقُّه علينا عظيم، وودُّه لازم». ومن أبلغ ما يدل على إجلاله له أن أبا بكر حين سُئل عن أعلم الناس بعد النبي ﷺ ذكر علياً رضي الله عنه.

    ٢أقوال عمر بن الخطاب رضي الله عنه

    روى ابن أبي شيبة في «المصنَّف» والبيهقي في «السنن الكبرى» عن عمر رضي الله عنه قوله في مواقف متعددة: «لولا علي لهلك عمر». وهي مقولة رددها في مسائل قضائية وفقهية حسم فيها علي ما أشكل عليه. وقال عمر رضي الله عنه — كما في «سنن سعيد بن منصور» —: «أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن». وكان عمر رضي الله عنه يقول لعلي حين يُفتي بالصواب: «أصبتَ السنة». وفي «صحيح البخاري» (كتاب المغازي) شهادة عمر لعلي بإصابة الصواب في حكم قضائي دقيق. وهذه الشواهد مجتمعةً ترسم صورة واضحة: عمر الفاروق الحازم القوي كان يلجأ إلى علي في ما يُعضله من مسائل الدين والقضاء.

    ٣أقوال عثمان بن عفان رضي الله عنه

    روى الحاكم في «المستدرك» (3/116) أن عثمان رضي الله عنه قال: «ما كنت أشك في أن علياً من خيار الناس خُلقاً وديناً وعلماً». وكان عثمان رضي الله عنه يستشير علياً في النوازل الكبرى التي تعرض له في خلافته، مما يدل على اعترافه بعلو منزلته في الاجتهاد والفقه.

    ٤قول ابن عباس رضي الله عنهما

    قال ابن عباس رضي الله عنهما — وهو ترجمان القرآن وفقيه الأمة المشهود له —: «إذا ثبت لنا قول علي لم نعدُه إلى غيره». وقال أيضاً فيما نقله أهل الأدب والحديث: «أُعطي علي ستَّ خصال ما أُعطيها أحد: القضاء، والسابقة، والشجاعة، والزوجة الكريمة، والولدان الكريمان، والعلم». وفي «صحيح البخاري» (4726) رواية ابن عباس عن عمر تُظهر مكانة علي في مجمع الصحابة.

    ٥شهادة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

    روى مسلم في صحيحه (2404) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه — وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة — أن معاوية أمره أن يسبَّ علياً فأبى وقال: «أتأمرني أن أسبَّ رجلاً سمعت رسول الله ﷺ يقول فيه ثلاثاً، لو كانت لي واحدة منهن لكانت أحبَّ إليَّ من حمر النعم؟!»، ثم ذكر حديث المنزلة، وحديث الراية، وقوله ﷺ: «من كنت مولاه فعلي مولاه». وهذه الشهادة من سعد — الذي لم يكن بينه وبين علي ما بين غيره — تعكس الإجماع العملي للصحابة على فضله.

    ٦شهادة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

    مع ما جرى من خلاف سياسي بين عائشة رضي الله عنها وعلي رضي الله عنه في وقعة الجمل، فإن الروايات تذكر ثناءها على علمه وعبادته. وفي «مسند أحمد» (6/151) عن عائشة: «ما رأيت أحداً أعلم بالسنة من علي». وهذه الشهادة ممن كانت طرفاً في الخلاف السياسي تزيدها قيمةً ووزناً؛ إذ لم تمنعها العداوة السياسية من الإقرار بعلمه.


  • أقوال العلماء المتقدِّمين والمتأخِّرين

    ١الإمام أحمد بن حنبل

    أفرد الإمام أحمد كتاباً مستقلاً هو «فضائل الصحابة»، خصَّص قدراً كبيراً منه لفضائل علي رضي الله عنه جمع فيه مئات الروايات بأسانيدها. وقال رحمه الله — كما نقله تلميذه أبو بكر الخلال — : «لم يأتِ في فضل أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما جاء في فضل علي بن أبي طالب». وكان الإمام أحمد مع شدته في نقد الرجال وتدقيقه في الأسانيد يُقرُّ بهذا الفضل الثابت إقراراً علمياً دقيقاً.

    ٢الإمام الشافعي

    قال الإمام الشافعي رحمه الله — كما نقله البيهقي في «مناقب الشافعي» (2/135) — : «علي بن أبي طالب باب من أبواب العلم، لا يعلم الله أنه فتحه على أحد مثله». وكان الشافعي يتمثَّل بقول علي وفعله في كثير من مسائل الأصول والفروع، ونقل عنه في «مسنده» جملةً وافرة من الآراء الفقهية المعتمدة.

    ٣الحافظ ابن حجر العسقلاني

    قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة في تمييز الصحابة» (4/464): «علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ وختنه وخليفته، من أعلم الصحابة وأقضاهم وأشجعهم، جمع بين شرف النسب وعلو القدر وكمال الخُلق وسعة العلم والزهد في الدنيا». وهذا توصيف جامع من حافظ كبير يُحرَّر كلامه ولا يُسرف.

    ٤الإمام ابن كثير

    قال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (7/358): «كان علي رضي الله عنه من أعلم الناس وأعقلهم وأفضلهم وأشجعهم وأكرمهم، وأكثرهم مروءةً وديناً وزهداً في الدنيا وإقبالاً على الآخرة». وأفاض ابن كثير في ذكر مناقبه في الجزء الثامن من كتابه إفاضةً تملأ عشرات الصفحات.

    ٥الإمام الذهبي

    قال الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (2/185): «هو الإمام، أبو الحسنين، أمير المؤمنين، ابن عم رسول الله ﷺ وزوج البضعة النبوية، كان رضي الله عنه بحراً من بحور العلم، وبطلاً من أبطال الإسلام، زاهداً في الدنيا متعلِّقاً بالآخرة، لم يُخلَق مثله شجاعةً وعلماً وفصاحةً». وللذهبي عناية فائقة بتمييز الصحيح من الضعيف في فضائله، فكلامه ثمينٌ لكونه مزيجاً من النقد الحديثي والتوثيق التاريخي.

    ٦الإمام النووي

    قال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (1/344): «وأجمع المسلمون على جلالته وإمامته وعلمه وفضله وشجاعته وكونه من أفضل الصحابة رضي الله عنهم، وتواترت الأخبار بأنه كان من أكابر الصحابة وأفاضلهم». وذكر أن إجماع أهل السنة منعقد على تقديم الشيخين أبي بكر وعمر في الفضل، لكن ذلك لا يَمسُّ من مكانة علي الرفيعة شيئاً.

    ٧ابن عساكر في تاريخ دمشق

    أفرد الإمام ابن عساكر في «تاريخ مدينة دمشق» ترجمةً لعلي بن أبي طالب تقع في نحو ألفَي صفحة في طبعتها الحديثة، جمع فيها فضائله وأخباره وأشعاره ومناقبه ومروياته من طرق شتى، وهي أوسع مصدر تاريخي وحديثي يُفرَد لصحابي واحد في التراث الإسلامي، وقد استقى منها كل من جاء بعده.


  • بطولاته في المشاهد والغزوات

    ١يوم بدر الكبرى (2هـ)

    شهد علي رضي الله عنه غزوة بدر وكان في مقدمة المقاتلين، وأبلى بلاءً حسناً حتى قال المؤرخون: إن شطر المشركين القتلى كان على يد علي وحمزة رضي الله عنهما. بارز علي يوم بدر وليد بن عتبة فقتله، وشارك في عدد من المبارزات الفردية التي فصلت المعركة لصالح المسلمين. وكان يومئذٍ في نحو العشرين من عمره — شاباً غضاً — ومع ذلك كان فارسها المذكور.

    ٢يوم أُحد (3هـ)

    في غزوة أُحد حين انكشف كثير من المسلمين في الفتنة الشهيرة، ثبت علي رضي الله عنه مع النبي ﷺ في الخاصة التي لم تُغادره، وحماه بنفسه وأُصيب بعشرات الجراح. وذكر أهل السيرة من أمثال ابن إسحاق وابن هشام أن علياً حمل لواء المسلمين بعد أن سقط من كان يحمله، وأنه دافع عن النبي ﷺ بالسيف والترس حتى بلغ الإعياء منه مبلغاً شديداً.

    ٣يوم الخندق — مبارزة عمرو بن عبد ود (5هـ)

    في غزوة الخندق اقتحم عمرو بن عبد ود العامري — وكان يُعدَّل عند العرب بألف فارس — الخندقَ مع نفر من المشركين، فخرج إليه علي رضي الله عنه مبارزاً بإذن النبي ﷺ وقتله. وروى ابن إسحاق في «السيرة» أن النبي ﷺ قال لما انتهى اللقاء: «اليوم عرفنا شجاعة أبي الحسن». وكانت هذه المبارزة فاصلةً في نفسية المسلمين والمشركين معاً، إذ كان عمرو ممن لا يُقدم على مبارزته أحد في العرب.

    ٤فتح خيبر ورجزه المشهور (7هـ)

    يوم خيبر أعطى النبي ﷺ علياً الراية بعد أن كان غيره قد أخذها وردَّها، فخرج علي وهو أرمد العينين — كما مرَّ في حديث الراية — وهزم الحصون. وفي ذلك اليوم نادى بنسبه الشعري: «أنا الذي سمَّتني أمي حيدرة / كليثِ غاباتٍ كريهِ المنظرة / أوفيهم بالصاعِ كيلَ السندرة»، فاشتهر لقب «حيدر» من ذاك اليوم. وذكر ابن سعد في «الطبقات» (2/110) أن علياً اقتلع باب أحد حصون خيبر مستخدِماً إياه ترساً، وهي رواية مشهورة في كتب السيرة يتناقلها أهل التاريخ.

    ٥يوم حنين (8هـ)

    كان علي رضي الله عنه من الثابتين مع النبي ﷺ حين انكشف كثير من المسلمين في بدء معركة حنين. وذكر أهل المغازي أنه كان في الخاصة المحيطة بالنبي ﷺ التي لم تنهزم يوم انهزام الناس، وأنه قاتل قتالاً شديداً حتى كان النصر.

    ٦غزوة ذات العشيرة ويمن

    بعثه النبي ﷺ إلى اليمن مرتين على رواية الصحيح، وأظهر في قضائه بين أهلها من الحكمة والعدل ما أثنى عليه النبي ﷺ بقوله: «اللهم ثبِّت لسانه واهدِ قلبه». رواه أبو داود والحاكم بأسانيد معتمدة.

  • أثره العلمي في الفقه والتفسير والبلاغة

    ١في الفقه الإسلامي

    يُعدُّ علي رضي الله عنه من كبار مجتهدي الصحابة الذين استُفتوا في النوازل واستُشيروا في الأحكام. روى ابن القيم في «إعلام الموقعين» (1/12) أن عمر رضي الله عنه كان يقول: «أخشى أن تُعرَض لي في القضاء قضية فلا يكون علي بجنبي». وقد اجتهد علي رضي الله عنه في مسائل من الميراث والطلاق وحدود القذف والمعاملات، وتناقل عنه أصحاب المذاهب الأربعة مسائل كثيرة يُحتج بها في أصول الفقه وفروعه.

    ٢في التفسير

    روى السيوطي في «الإتقان في علوم القرآن» أن ابن عباس — ترجمان القرآن — تعلَّم التفسير من علي بن أبي طالب. وللإمام علي روايات تفسيرية معتبرة في تفسير الطبري وابن كثير والقرطبي والبغوي وغيرها من كتب التفسير الكبرى. وكان علي يقول: «لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً» — وهي مقولة تُظهر عمق معرفته اليقينية بحقائق الدين.

    ٣في علوم اللغة والنحو

    يُنسب إلى علي رضي الله عنه تأسيس علم النحو أو على الأقل الإشارة إلى أصوله الأولى، إذ روى أبو الأسود الدؤلي أن علياً أملى عليه أقسام الكلام (اسم وفعل وحرف) وأصول الإعراب، وهو ما فصَّله السيوطي في «بغية الوعاة» (1/4) وأبو الطيب اللغوي في «مراتب النحويين». ويبقى هذا المروي موضع نقاش بين المؤرخين للنحو، غير أن نسبته إلى علي مشهورة ومتداولة في تراث العلوم العربية تداولاً واسعاً.

    ٤نهج البلاغة: المجموع الخطابي والحِكَمي

    «نهج البلاغة» هو المجموع الشهير الذي جمعه الشريف الرضي (ت 406هـ) من خطب علي رضي الله عنه وكتبه ورسائله وحِكَمه. ويرى المحققون أن قدراً كبيراً منه ثابت لعلي أو معبِّر عن أسلوبه الذي يُعرف في كتب الأدب. شرحه ابن أبي الحديد المعتزلي في عشرين مجلداً ضخماً، وشرحه ابن ميثم البحراني وغيرهم، وهو يُدرَّس في الأدب العربي والبلاغة في الجامعات الإسلامية حول العالم.

  • خلافته واستشهاده

    ١البيعة والخلافة

    بُويع علي رضي الله عنه بالخلافة في المدينة المنورة في ذي الحجة سنة (35هـ / 656م)، عقب مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه. وكانت خلافته فترة مضطربة شهدت وقعة الجمل وصفين وقضية التحكيم وظهور الخوارج، وهي أحداث يتناولها أهل السنة بمنهج الكف عما جرى بين الصحابة، مع الإقرار بأن علياً كان على الحق في جوهر موقفه، كما هو مذهب الجمهور.

    ٢عدله وزهده في خلافته

    اشتُهر علي رضي الله عنه بصرامته في تطبيق الحدود دون محاباة لقريب أو بعيد. وقد كان في خلافته يُرقِّع ثوبه بيده، ويحمل تمره في طرف ردائه إلى بيته، ويسأل عن كل درهم يُصرف من بيت المال. روى أبو نعيم في «حلية الأولياء» (1/76) أنه كان يقول: «والله لأن أبيت على حسك السعدان ما بيتُ على فراش وثير أحبُّ إليَّ من أن أظلم أحداً من خلق الله أو أغتصب أحداً حقه».

    ٣استشهاده رضي الله عنه

    في السابع عشر من رمضان سنة (40هـ / 661م)، ضربه الخارجي الغالي عبد الرحمن بن ملجم المرادي بسيف مسموم حين كان يوقظ الناس لصلاة الفجر في مسجد الكوفة. فجُرح جرحاً بالغاً ومات بعد يومين — في التاسع عشر أو الحادي والعشرين من رمضان على خلاف في التحديد — وهو يوصي بتقوى الله والعفو عن قاتله إن هو شاء العفو، ألا يُمثَّل بالقاتل ولا يُتعدَّى. فكان وفاؤه بخُلق العفو في لحظة الأَلَم مضربَ المثل في تاريخ الإسلام. ضجَّت الكوفة لمصابه، ودُفن في النجف على الراجح من أقوال المؤرخين.


  • موقف المذاهب الإسلامية من مكانة علي رضي الله عنه

    ١عند أهل السنة والجماعة

    يُرتِّب أهل السنة الخلفاء الراشدين في الفضل على حسب ترتيبهم في الخلافة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. وهذا مذهب الإمامين أحمد والشافعي وجمهور أهل الحديث. قال الإمام الطحاوي في «العقيدة الطحاوية»: «ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان». وقال ابن حجر في «الفتح» (7/74): «والصحيح عند أهل السنة تفضيل أبي بكر على الجميع، مع الإقرار بفضل علي وجلالته».

    ٢عند الشيعة الإمامية

    تعدُّ الشيعة الإمامية علياً رضي الله عنه الإمامَ الأول المنصوص على إمامته بالوصاية النبوية، وتعتقد عصمته من الخطأ في الأمور الدينية والدنيوية. وهذا ما يُفرِّق المذهبين من الناحية العقدية، فيما تتفق الروايات التاريخية المشتركة على جُلِّ ما ذُكر من فضائله ومناقبه ومواقفه في الغزوات وعلمه وزهده.

    ٣الإجماع المشترك على فضله

    بمعزل عن الاختلاف في ترتيب الفضل أو مسألة الإمامة والخلافة، فإن إجماع المسلمين من سائر المذاهب منعقد على: شجاعته الفائقة التي لا ترد، وعلمه الغزير الذي شهد به خيرة الصحابة، وزهده الصادق الذي لم يُجادَل فيه، ومحبة النبي ﷺ له محبةً ثبتت بالتواتر، وأن علياً رضي الله عنه من أفضل هذه الأمة وأجلِّ رجالها على الإطلاق.


  • رجزه وحِكَمه وأثره الأدبي

    ١رجزه يوم خيبر

    من أشهر ما يُنسب إليه من الرجز يوم خيبر — كما أورده ابن هشام في «السيرة النبوية» (3/349) — :

    أنا الذي سمَّتني أمي حيدرة كليثِ غاباتٍ كريهِ المنظرة أوفيهم بالصاعِ كيلَ السندرة

    وفي هذه الأبيات القليلة تجلَّى الاعتزاز باللقب القديم الذي أطلقته عليه أمه، والتعريف بالنفس بصفة الأسد الكاسر في غابته.

    ٢حِكَمه وأقواله الخالدة

    من أشهر ما يُنسب إليه من الحِكَم الواردة في كتب الأدب والتراث:

    «قيمة كل امرئ ما يُحسنه»وهي من أشهر حِكَم العرب المنسوبة إليه، أوردها ابن عبد البر في «بهجة المجالس» (1/89) والماوردي في «أدب الدنيا والدين».

    «ازهد في الدنيا يُبصِّرك الله عوراتها»تُوردها كتب الزهد والرقائق.

    «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا»أوردها الغزالي في «إحياء علوم الدين» منسوبةً إليه، وهي من أعمق ما قيل في الحثِّ على التيقُّظ للآخرة.

    «لا تستحيِ من إعطاء القليل، فإن الحرمان أقلُّ منه».

    «أحبب حبيبك هوناً ما، فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما»رُوي مرفوعاً وموقوفاً، وهو في صحيح مسلم (2643) مرفوعاً، وينسبه كثيرون إلى علي توسُّعاً.


  • الخاتمة

    حيدر الكرَّار — علي بن أبي طالب رضي الله عنه — شخصية استثنائية في تاريخ الإسلام والإنسانية، اجتمع فيها ما ندر اجتماعه في واحد: القرابة من سيد المرسلين ﷺ نسباً ومصاهرةً، والسبق إلى الإسلام من الصبا، والثبات في المحن حين ينهزم الأقوياء، والجهاد المتواصل في سبيل الله من بدر إلى خيبر، والعلم الذي شهد له عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم جميعاً، والزهد الذي جعله يُرقِّع ثوبه بيده حين كان خليفةَ المسلمين وسيدَ أمصارهم.

    جمعت هذه المقالة أقوال العلماء والصحابة وبطولاته في معارك الإسلام وأثره الفقهي واللغوي، معتمدةً على المصادر الإسلامية الأولى، رجاء أن تكون مرجعاً نافعاً لكل دارس ومهتم.

    رضي الله عن علي بن أبي طالب وعن الصحابة أجمعين، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

    ﴿ رَبَّنَا اغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ ﴾

  • المصادر والمراجع

    القرآن الكريم — صحيح البخاري للإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256هـ)، دار طوق النجاة — صحيح مسلم للإمام مسلم بن الحجاج (ت 261هـ)، دار إحياء التراث العربي — سنن الترمذي (ت 279هـ)، دار الغرب الإسلامي — مسند الإمام أحمد (ت 241هـ) وفضائل الصحابة، مؤسسة الرسالة — المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري (ت 405هـ)، دار الكتب العلمية — الطبقات الكبرى لابن سعد (ت 230هـ)، دار صادر — البداية والنهاية للحافظ ابن كثير (ت 774هـ) — سير أعلام النبلاء للذهبي (ت 748هـ)، مؤسسة الرسالة — الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) — الاستيعاب لابن عبد البر (ت 463هـ) — تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (ت 571هـ) — لسان العرب لابن منظور (ت 711هـ)، دار صادر — مقاييس اللغة لابن فارس (ت 395هـ) — النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (ت 606هـ) — تهذيب الأسماء واللغات للنووي (ت 676هـ) — إعلام الموقعين لابن القيم (ت 751هـ) — الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (ت 911هـ) — بغية الوعاة للسيوطي — نهج البلاغة (جمع الشريف الرضي ت 406هـ) — شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (ت 656هـ) — السيرة النبوية لابن هشام (ت 218هـ) — العقيدة الطحاوية للإمام الطحاوي (ت 321هـ) — حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني (ت 430هـ) — المصنَّف لابن أبي شيبة (ت 235هـ) — المعجم الكبير للطبراني (ت 360هـ).