حكم قول: «أخذ الشر وراح» أو «انكسر الشر» عند انكسار الكوب

حكم قول «أخذ الشر وراح» أو «انكسر الشر» عند انكسار الكوب أو الزجاج، وبيان علاقته بالعقيدة والإيمان بالقدر والطيرة، مع أقوال العلماء واللفظ المشروع شرعًا.

  • مقدمة

    تتداول بعض المجتمعات عبارات شائعة تُقال عند وقوع حوادث يومية بسيطة، مثل انكسار كوب أو سقوط شيء، ومن أبرزها قول: «أخذ الشر وراح» أو «طاح الشر».
    ورغم أن القائل غالبًا لا يقصد بها سوءًا، فإن المنهج الشرعي يوجب التوقف عند الألفاظ، لأن للكلمة أثرًا عقديًا، وقد تحمل معاني لا يقرها الإسلام، خاصة إذا تعلقت بالقدر والغيب ودفع الضر.

  • الأصل العقدي في المصائب والحوادث

    قرر الإسلام أصلًا محكمًا، وهو أن كل ما يقع في الكون بقدر الله تعالى، لا يخرج عن علمه ولا عن مشيئته.

    قال الله تعالى:

    ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
    (سورة القمر: 49)

    وقال سبحانه:

    ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾
    (سورة يونس: 107)

    وعليه؛ فلا شيء يدفع شيئًا بذاته، ولا حادثة تمنع أخرى استقلالًا، بل الله وحده هو المدبر.

  • المعنى المتضمن في قول «أخذ الشر وراح»

    هذه العبارة تتضمن إشكالين شرعيين رئيسين:

    1. نسبة دفع الشر إلى غير الله

    فاللفظ يوحي بأن:

    • الكوب
    • أو الشيء المنكسر
      هو الذي “أخذ” الشر، وهذا مخالف لكمال التوحيد؛ لأن دفع الشر وجلب الخير من خصائص الربوبية.

    2. الجزم بأن ما وقع شرٌّ محض

    وهذا غير صحيح شرعًا؛ لأن:

    • الله لا يخلق شرًا محضًا
    • وقد يكون في المكروه خير خفي

    قال الله تعالى:

    ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
    (سورة البقرة: 216)

  • أقوال أهل العلم في حكم هذه العبارة

    فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ

    سُئل مفتي عام المملكة العربية السعودية عن قول بعض الناس عند انكسار الإناء:
    «أخذ الشر وذهب» أو «انسكب الشر»
    فأجاب:

    «هذا لم يرد عن رسول الله ﷺ ولا عن صحابته رضي الله عنهم، وليس لهذا القول أصل أو دليل في الشرع».

    فتوى فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

    قال حفظه الله في حكم قول: طاح الشر أو انكسر الشر:

    • هذا اللفظ لم يرد في السنة
    • ما وقع إنما وقع بقدر الله
    • الجزم بأن هذا شر بلا دليل غير صحيح
    • الله لا يخلق شرًا محضًا
    • المشروع عند المصيبة أن يقول المسلم:

    «قدَّر الله وما شاء فعل»
    (رواه مسلم)

  • هل هذا القول من حسن الظن بالله؟

    قد يقال:

    إن كان اعتقاد صاحبه أن الله قدَّر عليه هذه المصيبة الخفيفة ليذهِب عنه شرًّا أكبر؛ فهو من حسن الظن بالله.

    وهذه العبارة تحتاج إلى بيان دقيق، حتى لا يُفهم منها إقرار اللفظ.

    أولًا: من جهة الاعتقاد

    إذا كان قصد القائل:

    • أن الله بحكمته قدّر هذه المصيبة اليسيرة
    • دون اعتقاد أن الشيء المنكسر يدفع الشر بذاته
    • مع تفويض الأمر لله دون جزم بالغيب

    فهذا المعنى يدخل في حسن الظن بالله من حيث الجملة.

    قال النبي ﷺ:

    «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير»
    (رواه مسلم)

    لكن لا يجوز الجزم بأن هذه المصيبة دُفع بها بلاء أكبر؛ لأن ذلك من علم الغيب.

    ثانيًا: من جهة اللفظ

    مع صحة هذا المعنى في الاعتقاد، فإن اللفظ نفسه غير مستحسن شرعًا، وذلك للأسباب التالية:

    1.   إيهام نسبة الفعل إلى غير الله

    2.   الجزم بأمر غيبي بلا دليل

    3.   مخالفته للألفاظ الواردة عن النبي ﷺ

    ولهذا قرر أهل العلم قاعدة مهمة:

    سلامة المعنى لا تُبرر فساد اللفظ

  • هل كثرة انكسار الزجاج تدل على الحسد أو دفع الشر؟

    يعتقد بعض الناس أن:

    • كثرة كسر الزجاج
    • أو تكرر الحوادث المنزلية
      دليل على حسد، أو وسيلة لدفع الشر.

    وهذا الاعتقاد خرافة وطيرة لا أصل لها في الشرع.

    قال النبي ﷺ:

    «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ»
    (رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني)

    وكل ربط للحوادث اليومية بالغيب دون دليل شرعي انحراف عقدي

  • اللفظ المشروع عند وقوع المصيبة

    السنة النبوية أرشدت إلى ألفاظ صحيحة جامعة، منها:

    • «قدَّر الله وما شاء فعل» (رواه مسلم)
    • «إنا لله وإنا إليه راجعون» (سورة البقرة: 156)

    وهي ألفاظ:

    • سليمة عقديًا
    • محققة للتوحيد
    • مغلقة لباب الخرافة
  • خاتمة

    قول «أخذ الشر وراح» من العبارات الشائعة التي يجب تركها شرعًا، لا لفساد النية، بل لخلل اللفظ وما قد يوهمه من معانٍ عقدية غير صحيحة.
    والمنهج الإسلامي يقوم على:

    • تصحيح الاعتقاد
    • وضبط اللسان
    • وتعظيم ألفاظ التوحيد

    فالأكمل للمسلم أن يقف عند ما صح عن النبي ﷺ، ففيه السلامة والكفاية