قصة أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها-قصة سورة الممتحنة للأطفال
قصة أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها للأطفال بأسلوب شيق ومبسط، تحكي كيف ثبتت على الإسلام رغم معارضة أهلها، وكيف نزلت بسبب هجرتها آيات من سورة الممتحنة، مع أهم الدروس الإيمانية والتربوية المستفادة.
قصة أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها-قصة سورة الممتحنة
في مدينة مكة المكرمة، قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام، عاش رجل من زعماء قريش اسمه عقبة بن أبي معيط.
لكن هذا الرجل لم يكن يحب النبي محمدًا ﷺ، بل كان من أشد الناس عداوة له، وكان يؤذيه ويؤذي المسلمين.
وفي يوم من الأيام، بينما كان رسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة، جاء عقبة ووضع سَلَا الجزور على ظهره الشريف وهو ساجد، حتى جاءت السيدة فاطمة رضي الله عنها فأزالته عنه، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري. ولم يكن هذا هو الأذى الوحيد، بل ظل عقبة يحارب الإسلام حتى قُتل بعد غزوة بدر وهو على الكفر.
ولو رأى الناس بيت عقبة في ذلك الوقت لظنوا أن جميع من فيه سيبقون على دينه، لكن الله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء.
ففي ذلك البيت كانت تعيش فتاة هادئة، طيبة القلب، اسمها أم كلثوم بنت عقبة.
كانت تسمع أخبار النبي ﷺ، وتستمع إلى ما يقوله المسلمون عن القرآن الكريم، فأحبّت الإسلام، وآمنت بالله ورسوله، لكنها أخفت إيمانها؛ لأنها كانت تعلم أن إعلان إسلامها قد يعرضها للأذى من أهلها.
وكانت كل ليلة تدعو الله أن يأتي اليوم الذي تستطيع فيه أن تعيش مع المسلمين، وتعبد الله بحرية.
ومرت الأيام...
ثم هاجر رسول الله ﷺ وأصحابه إلى المدينة المنورة، وأصبحت المدينة دار الإسلام، بينما بقيت أم كلثوم في مكة، تنتظر أن يهيئ الله لها طريقًا للهجرة.
وكان قلبها يشتاق إلى رؤية رسول الله ﷺ، لكنها لم تجد فرصة للخروج.
ثم وقعت غزوة بدر، وانتصر المسلمون، وقُتل والدها عقبة بن أبي معيط وهو ما يزال على الكفر.
ومع مرور الوقت، عقد النبي ﷺ صلح الحديبية مع قريش، وكان من بنود الصلح أن من جاء من رجال مكة مسلمًا إلى المدينة يُعاد إلى قريش.
وعندما سمعت أم كلثوم بذلك، حزنت، لكنها لم تفقد الأمل.
قالت في نفسها:
"الله يعلم ما في قلبي، ولن يضيع من خرج إليه."
وفي يوم من الأيام، عزمت على الهجرة.
خرجت وحدها من مكة، تمشي في طريق طويل بين الجبال والصحارى، وكان الطريق مليئًا بالمخاطر، لكنها كانت تثق بالله أكثر من خوفها من الطريق.
وبعد رحلة شاقة وصلت إلى المدينة المنورة، وهناك وقفت أمام رسول الله ﷺ، وقلبها مليء بالفرح، فقد حقق الله لها أمنيتها.
لكن القصة لم تنتهِ بعد.
فقد علم أخواها، الوليد وعمارة، بخروجها، فسافرا إلى المدينة، وطلبا من رسول الله ﷺ أن يعيدها إليهما، بحجة أن صلح الحديبية ينص على إعادة من يهاجر من مكة.
نظر الصحابة إلى رسول الله ﷺ، ينتظرون حكم الله.
أما النبي ﷺ فلم يتعجل، بل انتظر نزول الوحي.
وفجأة نزل جبريل عليه السلام بآيات من القرآن الكريم، قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ...﴾
[سورة الممتحنة: 10]
فرح المسلمون كثيرًا، فقد أنزل الله حكمًا خاصًا بالمؤمنات اللاتي يهاجرن إلى المدينة، وأمر ألا يُرجعن إلى الكفار إذا ثبت صدق إيمانهن.
وسأل النبي ﷺ أم كلثوم عن سبب هجرتها، كما كان يفعل مع المؤمنات المهاجرات، ليتأكد أن خروجها كان من أجل الإيمان بالله، وليس لسبب آخر.
فلما ظهر صدقها، بقيت في المدينة، ولم تُرجع إلى مكة.
ومن هنا اشتهرت السورة باسم سورة الممتحنة؛ لأنها تضمنت أمر الله بامتحان المؤمنات المهاجرات، وكانت أم كلثوم رضي الله عنها سبب نزول هذه الآية، كما ذكر المفسرون.
عاشت أم كلثوم بين المسلمين آمنة مطمئنة، وأكرمها الله بعد صبرها وثباتها، فتزوجت الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وعاشت حياة كريمة في المدينة المنورة.
وأصبحت قصتها مثالًا خالدًا لكل من يثبت على الحق، مهما كانت الظروف.
ماذا تعلمنا من قصة أم كلثوم؟
الهداية من الله وحده.
فقد نشأت أم كلثوم في بيت كان يعادي الإسلام، لكن الله شرح صدرها للإيمان.
لا يحكم على الإنسان بأهله.
فقد يكون الأب كافرًا، ويكون الابن أو الابنة من عباد الله الصالحين.
الصبر طريق النجاح.
فقد صبرت أم كلثوم سنوات حتى أذن الله لها بالهجرة.
من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه.
فقد تركت وطنها وأهلها ابتغاء مرضاة الله، فأكرمها الله في الدنيا، وخلّد قصتها في القرآن الكريم.
القرآن الكريم يبين للمؤمنين طريق الحق.
فنزلت آيات سورة الممتحنة لتحفظ حق المؤمنات، وتبين أن رابطة الإيمان أعظم من كل رابطة.
ومن يقرأ قصة أم كلثوم رضي الله عنها يدرك أن الله لا ينظر إلى نسب الإنسان أو أسرته، وإنما ينظر إلى قلبه وعمله، وأن من صدق مع الله، صدق الله معه، وجعل له من كل ضيق فرجًا، ومن كل خوف أمنًا.
وهكذا بقي اسم أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها مرتبطًا بسورة من سور القرآن الكريم، يتلوها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلى يوم القيامة، لتبقى قصتها درسًا في الثبات، والصبر، والإيمان بالله عز وجل.
ما هو رد فعلك؟