من أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي الشريف؟ الجذور التاريخية والتطور
تعرف على أصل وتاريخ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف منذ بدايته عند الفاطميين في القرن الرابع الهجري، مرورًا بانتشاره في العراق والعالم الإسلامي، وصولًا إلى العصر الحديث حيث تغيّر الغرض ليصبح نشاطًا اجتماعيًا وثقافيًا يذكّر بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، مع بيان الموقف الفقهي بين المنع والإباحة."

-
مقدمة
يُعَدُّ المولد النبوي الشريف من المناسبات الدينية والاجتماعية التي تحتل مكانة بارزة في وجدان كثير من المسلمين حول العالم، إذ يقام في العديد من الدول الإسلامية احتفالات تتنوع بين تلاوة السيرة النبوية، والمدائح، وإقامة الولائم، وتوزيع الحلوى، بل وتحويل المناسبة إلى طقس شعبي يشارك فيه الكبير والصغير. غير أن السؤال المحوري الذي يثار دائمًا هو: من أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي الشريف؟ وهل كان ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام؟
الإجابة تكشف عن بُعدٍ تاريخي وسياسي عميق، إذ إن هذه الممارسة لم تكن معروفة في القرون الأولى، وإنما ظهرت لاحقًا في ظل ظروف سياسية خاصة، ارتبطت بالدولة الفاطمية في مصر.
-
الجذور التاريخية لبداية الاحتفال بالمولد النبوي
1. الفاطميون (العبيديون) في مصر – القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)
أجمع المؤرخون على أن الدولة الفاطمية هي أول من نظّم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بشكل رسمي ومنهجي، وكان ذلك في القرن الرابع الهجري. فقد نقل المقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار أن الفاطميين لم يقتصروا على مولد النبي صلى الله عليه وسلم، بل جعلوا الاحتفالات متعددة تشمل:
- مولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
- مولد فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
- مولد الحسن والحسين رضي الله عنهما.
2. الأهداف السياسية للاحتفال
لم يكن الهدف من هذه الاحتفالات دينيًا خالصًا، بل ارتبط ارتباطًا مباشرًا بالسياسة:
- استمالة قلوب المصريين: كان المصريون بطبيعتهم ميالين إلى آل البيت، فاستغل الفاطميون ذلك لكسب ودّهم وتثبيت حكمهم.
- تعزيز شرعية الدولة الفاطمية: حيث أرادوا أن يظهروا كأنهم الممثل الشرعي لآل البيت، فجعلوا هذه المناسبات وسيلة لتقوية مكانتهم السياسية.
- كسب التأييد الشعبي: عبر المظاهر الاحتفالية الضخمة التي شملت توزيع الطعام والحلوى، وإقامة الولائم العامة، بما يضمن التفاف الناس حولهم.
3. المظاهر الاحتفالية عند الفاطميين
- إقامة مجالس لقراءة السيرة النبوية والمدائح.
- توزيع الطعام والحلوى بكثرة.
- إظهار البذخ والإسراف في المهرجانات.
- الاحتفالات العامة في شوارع القاهرة، مما جعل المناسبة حدثًا شعبيًا بامتياز.
- مولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
-
انتقال الاحتفال بالمولد إلى مناطق أخرى
1. العراق – عهد الملك المظفر أبو سعيد كوكبري (القرن السابع الهجري)
في مدينة إربل بالعراق، برز الملك المظفر (ت 630 هـ) كأول حاكم سني يحتفل بالمولد النبوي على نطاق واسع، وقد وصف ابن كثير في البداية والنهاية مظاهر هذا الاحتفال بأنها كانت عظيمة وباذخة، شملت إقامة الولائم وإنشاد المدائح النبوية وتلاوة القرآن.
2. انتشار الفكرة في العالم الإسلامي
بعد ذلك، انتشرت عادة الاحتفال بالمولد النبوي في كثير من الأقطار الإسلامية، خاصة عبر الطرق الصوفية التي أولت للمولد مكانة خاصة باعتباره وسيلة للتعبير عن المحبة والولاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ومع مرور الزمن، أصبح المولد تقليدًا سنويًا راسخًا في:
- مصر والشام.
- بلاد المغرب العربي.
- اليمن والحجاز.
- شبه القارة الهندية.
- مصر والشام.
-
الخلاف بين المؤرخين حول البداية الأولى
رغم أن أغلب المصادر تشير إلى أن الفاطميين هم أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، إلا أن بعض الباحثين يرون أن البداية الفعلية كانت في عهد الملك المظفر في القرن السابع الهجري. لكن عند التحقيق نجد أن:
- الفاطميون هم أول من أحدثه بشكل رسمي ومنظم.
- أما الملك المظفر فقد كان له السبق في نقله إلى المجال السني، مع تطوير مظاهره وجعلها جزءًا من الحياة العامة.
- الفاطميون هم أول من أحدثه بشكل رسمي ومنظم.
-
المولد النبوي في العصر الحديث
مع مرور الزمن تغيّر الغرض من الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، فلم يعد وسيلة سياسية كما كان في بداياته عند الفاطميين، بل أصبح في العصر الحديث مناسبة اجتماعية وروحية بامتياز. فالمولد اليوم يُنظر إليه على أنه ذكرى جامعة لإحياء ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، والتعبير عن محبته، والتذكير بسيرته العطرة وأخلاقه الكريمة.
كما تحوّل إلى نشاط اجتماعي وثقافي يعزز الروابط الأسرية والمجتمعية، حيث تُنظَّم خلاله الندوات الدينية والمحاضرات التوعوية، وتُطلق المبادرات الخيرية وتوزيع المساعدات على المحتاجين. وهكذا انتقل المولد النبوي من كونه أداة سياسية في التاريخ إلى كونه اليوم وسيلة تربوية وتوعوية لإحياء القيم الإسلامية ونشر الرحمة والمحبة بين الناس.
-
الموقف الفقهي من الاحتفال بالمولد النبوي
1. غياب الاحتفال في العصور الأولى
لم يُعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه الكرام، ولا عن التابعين، ولا عن الأئمة الأربعة أنهم احتفلوا بالمولد. ولذلك اعتبر عدد من العلماء أن هذه العادة بدعة محدثة لم تكن في القرون المفضلة.
2. أقوال العلماء في حكم المولد
- المانعون: مثل شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ) الذي قال: "اتخاذ مولد النبي عيدًا لم يفعله السلف، ولو كان خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منا" (اقتضاء الصراط المستقيم).
- المجيزون بشروط: مثل الإمام السيوطي (ت 911 هـ) الذي رأى أن الاحتفال بالمولد إذا كان يشتمل على تلاوة القرآن، ومدح النبي صلى الله عليه وسلم، وإطعام الطعام، ولم يتضمن محرمات، فهو عمل حسن يدل على محبة النبي.
- الوسطية: بعض العلماء أقروا الاحتفال من حيث المبدأ باعتباره عادة اجتماعية، لكنهم حذّروا من الغلو فيه أو إدخال البدع والمخالفات الشرعية.
- المانعون: مثل شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ) الذي قال: "اتخاذ مولد النبي عيدًا لم يفعله السلف، ولو كان خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منا" (اقتضاء الصراط المستقيم).
-
البعد الاجتماعي والثقافي للاحتفال
رغم الخلاف الفقهي، إلا أن المولد النبوي أصبح في المجتمعات الإسلامية مناسبة:
- روحية: يتم فيها استحضار السيرة النبوية وتعزيز محبة الرسول صلى الله عليه وسلم.
- اجتماعية: حيث يلتقي الناس في أجواء مبهجة، وتُوزَّع الحلوى والأطعمة.
- ثقافية: أصبحت المناسبة جزءًا من التراث الشعبي في كثير من الدول الإسلامية، حيث تُقام الموالد الشعبية والأناشيد والابتهالات.
- روحية: يتم فيها استحضار السيرة النبوية وتعزيز محبة الرسول صلى الله عليه وسلم.
-
الخلاصة
يمكن القول إن أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي الشريف هم الفاطميون في مصر خلال القرن الرابع الهجري، وكان الهدف سياسيًا بامتياز لتعزيز نفوذهم وكسب تأييد الناس. ثم انتقل الاحتفال إلى العراق في القرن السابع الهجري على يد الملك المظفر الذي طوّره بشكل كبير، وبعد ذلك انتشر في بقية أنحاء العالم الإسلامي.
ورغم أن هذه العادة لم تكن معروفة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ولا في زمن الصحابة، إلا أنها أصبحت اليوم تقليدًا واسع الانتشار، يثير جدلاً بين من يراه بدعة لا تجوز، ومن يراه وسيلة مشروعة للتعبير عن المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.