أبو الفضل العباس بن علي بن أبي طالب قمر بني هاشم ● حامل الراية ● سقّاء عطاشى كربلاء
سيرة شاملة لأبي الفضل العباس بن علي بن أبي طالب: نسبه، ألقابه، بطولاته يوم عاشوراء في كربلاء، شهادته، أقوال الأئمة والعلماء فيه، ومرقده المقدس — مستندة إلى المصادر التاريخية الأولية.
-
التعريف والمكانة
أبو الفضل العباس بن علي بن أبي طالب من أعلام آل البيت النبوي الشريف، وأبرز شخصيات تاريخ الإسلام في القرن الأول الهجري. جمع في شخصه بين جلال النسب الهاشمي القرشي، وعلوّ الهمة في نصرة الحق، وقداسة المقام الذي شهد له الأئمة الكرام بعظيم المنزلة عند الله.
وُلد في بيت النبوة والإمامة، ونشأ في حجر أبيه أمير المؤمنين الذي كان يُكرمه ويعتزّ به، حتى قال فيه قولته المشهورة: "إن ولدي العباس زُقَّ العلمَ زَقًّا". وكانت أمه فاطمة الكلابية (أم البنين) قد اختارها الإمام علي بناءً على مشورة أخيه عقيل الذي كان أعلم قريش بالأنساب، إذ قال له: "تزوّج أم البنين الكلابية، فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها."
وقد بلغت شهرة أبي الفضل العباس آفاق الأمة الإسلامية؛ فهو المواسي لأخيه الحسين في أشدّ المحن، وحامل لوائه يوم الطف، والساعي بالماء إلى عطاشى أهل البيت في صحراء كربلاء، والمستشهد دون ريب عن إيمان راسخ ويقين ثابت.
-
النسب والمولد
. سلسلة النسب الكاملة
العباس بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان. وبهذا النسب الصريح يلتقي نسبه بنسب رسول الله ﷺ في جدّهما عبد المطلب من جهة أبيه، فهو ابن عم رسول الله ﷺ من الدرجة الثانية.
٢. أمه أم البنين
أمه السيدة فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن وحيد العامرية الكلابية، المعروفة في التاريخ بكنيتها "أم البنين" نسبةً إلى أبنائها الأربعة الذين استشهدوا في كربلاء. تزوجها الإمام علي بعد وفاة السيدة فاطمة الزهراء، وكان اختيارها بناءً على مشورة عقيل الذي كان أبصر قريش بالأنساب. وقد بقيت أم البنين بعد استشهاد أبنائها تُقيم المجالس وترثي ولدها العباس وإخوته بقصائد حزينة بالغة التأثير، ومن أشهر ما رُوي عنها في رثاء العباس:
يا مَن رأى العباسَ كرَّ على جماهير النقا — وورَاءَهُ مِن أهلِهِ كمْ يصرعُ الخيلَ السُّقا
وكانت تخرج إلى البقيع فتُندب أبناءها حتى يبكي لبكائها القاسي والمارّة.
٣. مولده وطفولته
وُلد العباس يوم الثلاثاء في الرابع من شعبان سنة ست وعشرين للهجرة (646م) في المدينة المنورة، وكان أكبر أبناء أم البنين الأربعة. وعند استشهاد أبيه الإمام علي سنة 40 هـ كان في الرابعة عشرة من عمره، فنشأ بعدها في كنف أخيه الأكبر الحسن ثم الحسين. وروت المصادر أن الإمام علياً كان كثيراً ما يضمّه إلى صدره ويُقبّل ذراعيه باكياً، فإذا سألته أم البنين عن ذلك أخبرها أن هاتين الذراعين ستُقطعان في سبيل الله دفاعاً عن ريحانة رسول الله.
-
الألقاب والكُنى
. أبو الفضل
الكنية الأشهر التي اشتُهر بها على مر العصور، وقد أُطلقت عليه لما اتصف به من فضائل جمّة وخصال شريفة. وتجاوزت هذه الكنية حدود الاسم لتصبح رمزاً للإيثار والوفاء والبسالة في سبيل الحق، حتى أصبح ذكرها وحدها يستحضر في الأذهان صورة البطل الفدائي الذي آثر الموت على الاستسلام.
٢. قمر بني هاشم
لُقِّب بـ"قمر بني هاشم" لحُسن صورته وجمال هيئته؛ إذ وصفته المصادر التاريخية بأنه كان وسيماً شامخ القامة جسيماً، يركب الفرس المطهّم وقدماه تكادان تخطّان الأرض من طول قامته وامتداد ساقيه. وكان جماله في منظره كضوء القمر بين النجوم، فضلاً عن كونه قمراً في معنى الشرف والسؤدد والرفعة.
٣. السقّاء وأبو قِربة
لُقّب بالسقّاء لما قام به من محاولة جلب الماء لعطاشى أهل البيت في كربلاء يوم عاشوراء، حين ضُرب الحصار على نهر الفرات. وقد شقّ صفوف الجيش المعادي مرات ليصل إلى المشرعة. ويُكنّى أيضاً بـ"أبي قِربة" إشارةً إلى تلك القربة المباركة التي حملها لأخيه ومن معه، وبقيت هذه الكنية علامةً على الإيثار الذي تمثّله في أعلى صوره.
٤. حامل الراية (حامل اللواء)
كان العباس حامل لواء الإمام الحسين في معركة كربلاء، وهو المنصب الذي لا يُعطى إلا للشجاع الأصيل ذي المكانة الرفيعة في المعسكر؛ إذ اللواء هو العلم الأكبر الذي يدل على معقد القيادة ومركز الفئة. وما دام اللواء عالياً في يد حامله ظلت الروح معنوية عالية في صفوف المقاتلين.
٥. حامي الظعينة
لُقّب بحامي الظعينة لدوره البطولي في حماية نساء أهل البيت وحراستهن طيلة مسيرة القافلة من المدينة المنورة إلى كربلاء، وخلال أيام الحصار المضروب عليهم. وكان مرجعهن في الأمن والطمأنينة، فما دام حياً لم تجرؤ عيون الأعداء أن تمتد إلى خيام أهل البيت بسوء.
٦. باب الحوائج
لقبٌ اشتُهر به في الوسط الإسلامي عبر القرون، لما اقترن اسمه بالتوسل وقضاء الحوائج لدى زوّار مرقده الشريف، وقد شاع هذا اللقب بين الشيعة والسنة معاً في العراق وإيران ولبنان والخليج.
-
دوره في واقعة الطف (كربلاء)
١. السياق التاريخي
في سنة 61 هـ (680م) خرج الإمام الحسين بن علي رافضاً البيعة ليزيد بن معاوية، مستجيباً لنداء أهل الكوفة الذين أرسلوا إليه المئات من الرسائل يدعونه إلى القدوم والأخذ بزمام القيادة. فتوجّهت القافلة الحسينية من المدينة إلى مكة ثم نحو العراق، وعلى رأسها الإمام الحسين مع أهل بيته وأصحابه، وكان العباس العمود الفقري لهذه القافلة قيادةً وحماية وحملاً للراية.
وفي الثاني من المحرم نزلت القافلة أرض كربلاء بعد أن اعترضها جيش الحر بن يزيد الرياحي ثم تدفّقت جيوش عمر بن سعد حتى بلغ عددها — بحسب روايات المصادر — ما بين عشرين وثلاثين ألف مقاتل في مواجهة نفر قليل من أهل البيت وأصحابهم لا يتجاوزون اثنين وسبعين فارساً ورجلاً. وأقام الجيش الأموي حصاراً خانقاً على شاطئ الفرات، يقطع الماء عن القافلة الحسينية.
٢. قيادته لمعسكر الحسين
كان العباس بن علي القائد الفعلي لجيش الحسين وصاحب لوائه وحاجب بابه، يُدبّر أمور المعسكر ويوزّع المهام ويُؤمّن الحراسة. وكانت المصادر التاريخية تصفه بأنه ما دام على قيد الحياة ظلت الأعين هادئة في الخيام، ولم تجرؤ قوات عمر بن سعد على الاقتراب من الخيمة الحسينية اقتراباً مُخيفاً. وقال المؤرخون إن سقوطه شهيداً قبيل سقوط أخيه الحسين كان هو الضربة الكبرى التي أسقطت المنعة عن المعسكر.
٣. رفض الأمان الشخصي
لما أرسل عبيد الله بن زياد أماناً للعباس وإخوته من أمه عن طريق شمر بن ذي الجوشن الكلابي — الذي كان من قبيلة أم البنين وكأنه يستغل هذه الصلة — رفض العباس وإخوته هذا الأمان رفضاً قاطعاً. وتذكر المصادر أن الحسين قال لإخوته: "أجيبوه وإن كان فاسقاً، فإنه بعض أخوالكم"، فقال العباس وإخوته: "لا حاجة لنا في أمانه، لعن الله من يطلب الأمان منكم ويترك أخانا الحسين وحيداً!" وكان هذا الرفض تعبيراً عن موقف عقدي وأخلاقي لا مجرد نخوة قبلية.
٤. دبلوماسية ليلة التاسع
في ليلة التاسع من المحرم، حين زحف جيش عمر بن سعد مستعجلاً القتال، وجّه الإمام الحسين أخاه العباس قائلاً له: "ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غد، وتدفعهم عنا العشية؛ لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني كنت أحبّ الصلاة وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء." فقام العباس بهذه المهمة الدبلوماسية ونجح في إقناع الجيش بتأجيل القتال ليلةً كاملة، قضاها المعسكر الحسيني في العبادة والتهيؤ للقاء الله.
٥. يوم عاشوراء: محاولة السقاية
في صبيحة يوم العاشر من المحرم اشتعلت معركة الطف. وحين اشتدّ العطش بأهل المعسكر وبالأطفال خاصةً، توجّه العباس نحو شاطئ الفرات شاقّاً صفوف الجيش. وقد اختلفت الروايات التاريخية في تفاصيل ما جرى على النحو الآتي:
أ. رواية المصعب الزبيري في نسب قريش (ت: 236هـ): قال المصعب الزبيري: "والعباس بن علي، ولده يسمّونه السقّاء ويُكنّونه أبا قِربة؛ شهد مع الحسين كربلاء، فعطش الحسين، فأخذ قربةً واتبعه إخوته لأبيه وأمه بنو علي — وهم عثمان، وجعفر، وعبد الله — فقُتل إخوته قبله، وجاء بالقربة يحملها إلى الحسين مملوءةً، فشرب منها الحسين، ثم قُتل العباس بن علي بعد إخوته مع الحسين." [نسب قريش، ص79، دار المعارف، 1953م]
ب. رواية الشيخ المفيد في الإرشاد (ت: 413هـ): ذكر الشيخ المفيد أن الحسين والعباس ذهبا معاً نحو الميدان، غير أن الجيش تدخّل بينهما وأُصيب الحسين فعاد إلى الخيام، فيما واصل العباس قتاله حتى أُثخن بالجراح وسقط شهيداً. [الإرشاد، الشيخ المفيد، مؤسسة آل البيت]
ج. رواية الخوارزمي في مقتل الحسين (ت: 568هـ): أورد الخوارزمي أن العباس برز إلى الميدان يرتجز، وبعد أن أبلى بلاءً حسناً وقتل عدداً من الأعداء سقط شهيداً، فجاء إليه الحسين ووقف عند رأسه قائلاً قولته الشهيرة: "الآن انكسر ظهري وقلّت حيلتي وشمت بي عدوّي." [مقتل الحسين، الخوارزمي، ج2، ص30]
د. الجمع بين الروايات: يمكن الجمع بين هذه الروايات بأن العباس قد توجّه إلى الفرات وحمل الماء في القربة، لكنه أُصيب في طريق العودة فسقط دون أن يصل، ثم جاء إليه الحسين فوجده في آخر رمق. وهذا ما يجمع روايتَي الزبيري (وصول الماء) ورواية الشيخ المفيد (المعركة والإصابة).
٦. استشهاده
استشهد العباس بن علي في اليوم العاشر من المحرم سنة 61 هـ على شاطئ نهر العلقمي قريباً من الفرات. وتُجمع المصادر على أنه أُصيب بالسهام والرماح، وأن يديه قُطعتا في المعركة، وهو ما أشارت إليه زيارته المأثورة عن الإمام الصادق: "المقطوعة يداه." ولما وقف الحسين على رأسه قال منتحباً: "الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوّي." وبقي جسده الشريف في مكان استشهاده على شاطئ العلقمي، ولهذا يبعد مرقده اليوم نحو ثلاثمائة متر عن مرقد الحسين.
-
الصفات والسمات الشخصية
. الشجاعة والبسالة
اشتُهر العباس بالشجاعة الفائقة التي ورثها من أبيه أمير المؤمنين علي المعروف بفارس الإسلام الأول، ومن أجداده الأشاوس في بني عامر من جهة أمه. وكان أبوه قد اختار أم البنين تحديداً بوصية عقيل: "تزوّج أم البنين الكلابية، فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها." وقد ظهرت شجاعته يوم الطف في مواجهة آلاف المقاتلين وهو يشق صفوفهم وحيداً طلباً للماء.
٢. الجمال والهيبة
وصفته المصادر التاريخية بجمال نادر وهيبة تأخذ الألباب، حتى لُقّب بـ"قمر بني هاشم". وكان طويل القامة جسيماً، يركب الفرس ورجلاه تكادان تخطّان الأرض من طول قامته.
٣. العلم والفقه
لم يكن العباس مجرد بطل ميدان، بل كان عالماً فقيهاً فاهماً لشرع الله وسيرة رسوله ﷺ. وشهد له أبوه بأنه "زُقَّ العلمَ زَقًّا"، وهو وصف يدل على الإفاضة في تلقي العلم ابتداءً من الصغر. ونشأ بعد وفاة أبيه في كنف أخويه الحسن والحسين اللذين كانا مرجع العلم والفقه في عصرهما.
٤. الوفاء والإيثار
الوفاء والإيثار من أبرز سمات أبي الفضل؛ فقد رفض الأمان الشخصي المُقدَّم إليه مباشرةً وآثر البقاء مع أخيه في أعسر الظروف. ويُروى أنه لما وصل إلى الفرات وغرف الماء بيده ليشرب تذكّر عطش الحسين وأطفال أهل البيت فصبّ ما في يده وحمل القربة إليهم مؤثِراً إياهم على نفسه.
٥. الانضباط والطاعة
اتّسم العباس بالطاعة الكاملة لأخيه الحسين إيماناً وتسليماً لا تملّقاً. فحين طُلب منه جلب الماء للأطفال آثر ذلك على البراز في الميدان، وحين أُذن له بالقتال قاتل ببسالة المؤمن المتيقّن. وشهد على هذا الانضباط دوره في ليلة العاشر حين استطاع بحكمته ودبلوماسيته أن يُؤخّر القتال ليلةً كاملة.
-
مرقده الشريف في كربلاء
يقع مرقد أبي الفضل العباس في مدينة كربلاء المقدسة في العراق، ويبعد نحو ثلاثمائة متر عن مرقد أخيه الإمام الحسين. وسبب هذه المسافة الفاصلة أن العباس استشهد على شاطئ نهر العلقمي بعيداً عن خيام الحسين، فدُفن في مكان استشهاده. ويتجلى المرقد بقبة ذهبية شامخة ومناور مزدانة بالكاشي الإسلامي الأصيل.
وقد تعرّض المرقد للتدمير مرات عدة عبر التاريخ، وكان من أشدّها ما حدث عام 1991م إبان الانتفاضة الشعبانية، ثم أُعيد ترميمه وتطويره بعد عام 2003م ليصبح من أبرز المعالم الإسلامية في العراق، ويقصده الملايين من الزوّار سنوياً في موسمَي عاشوراء وأربعين الإمام الحسين.
-
ذريته وعقبه
اتفق أصحاب التاريخ والتراجم على أن نسل أبي الفضل العباس انحصر في ابنه عبيد الله بن العباس، الذي أعقب الحسن بن عبيد الله الذي اشتهر بالعلم والفضل وأعقب بدوره خمسة أبناء: الفضل، والحمزة، وإبراهيم، والعباس، وعبيد الله. وقد تزوّج عبيد الله بن العباس من زينب بنت الحسين بن علي بن عبد الله بن جعفر الطيار. وكان الإمام علي بن الحسين (السجّاد) كلما رأى عبيد الله بن العباس يبكي ذاكراً موقف أبيه البطولي يوم الطف.