غدير خُم: الموقع التاريخي، وخطبة النبي ﷺ، وموقف المسلمين من حادثة الغدير

تعرف على غدير خُم وموقعه التاريخي، وحديث «من كنت مولاه فعلي مولاه»، وأسباب خطبة الغدير، وموقف أهل السنة والشيعة من دلالتها.

 2

غدير خُم: الموقع التاريخي، وخطبة النبي ﷺ، وموقف المسلمين من حادثة الغدير

ما هو غدير خُم؟

غدير خُم موضع معروف بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، يقع بالقرب من الجُحفة، وهي من المواقيت المشهورة التي كان يجتمع عندها القادمون من الحج قبل تفرقهم إلى بلادهم.

وقد ذكره علماء البلدان والسيرة النبوية، ومنهم السمهودي في كتابه خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى، حيث أشار إلى وجود مسجد في ذلك الموضع نُسب إلى نزول النبي صلى الله عليه وسلم فيه أثناء عودته من حجة الوداع.

واكتسب غدير خُم مكانته التاريخية بسبب الحدث الذي وقع فيه بعد انتهاء حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة، وهو الحدث الذي عرف في كتب التاريخ والحديث باسم "حادثة غدير خُم" أو "حديث الغدير".

موقع غدير خُم الجغرافي

يقع غدير خُم بالقرب من الجُحفة بين مكة والمدينة، وكان مكاناً تتجمع فيه السيول والمياه، ولذلك سُمي غديراً.

وقد وصفه القاضي عياض بقوله:

"غدير يصب فيه عين وبين الغدير والعين مسجد للنبي صلى الله عليه وسلم."

كما ذكر السمهودي أن الغدير يقع على مقربة من الجحفة، وأنه كان معروفاً عند أهل الحجاز عبر القرون.

حادثة غدير خُم بعد حجة الوداع

بعد أن أتم النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع سنة عشر للهجرة، عاد مع عشرات الآلاف من المسلمين إلى المدينة.

وعندما وصل الركب إلى غدير خُم خطب النبي صلى الله عليه وسلم في الناس خطبة جامعة اشتملت على وصايا وأحكام وتوجيهات متعددة.

ومن أشهر ما ورد فيها قوله صلى الله عليه وسلم:

«من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه».

وقد روي الحديث من طرق كثيرة عن عدد من الصحابة، منهم:

  • زيد بن أرقم.

  • البراء بن عازب.

  • بريدة الأسلمي.

  • أبو سعيد الخدري.

  • علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

  • أبو الطفيل عامر بن واثلة.

ولذلك عدّه كثير من علماء الحديث من الأحاديث المشهورة الثابتة في فضائل علي رضي الله عنه.

سبب خطبة الغدير

من أهم المسائل التي تناولها علماء أهل السنة عند شرح الحديث بيان السبب الذي دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى إلقاء هذه الخطبة.

فقد ثبت في مسند الإمام أحمد وغيره من حديث بريدة رضي الله عنه أنه قال:

«غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت علياً فتنقصته، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير، فقال: يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه».

كما ذكر ابن إسحاق وابن كثير أن بعض الجنود الذين كانوا مع علي رضي الله عنه في اليمن وجدوا في أنفسهم شيئاً بسبب موقفه في توزيع بعض الأمتعة، فظهرت شكاوى بحقه عند العودة من اليمن.

ولذلك يرى عدد من علماء أهل السنة أن خطبة الغدير جاءت لإظهار فضل علي رضي الله عنه، وإزالة ما وقع في نفوس بعض الناس تجاهه.

معنى كلمة "مولى" في الحديث

يُعد لفظ "مولى" من الألفاظ العربية المشتركة التي تحتمل عدة معانٍ بحسب السياق.

ومن أشهر معانيها:

  • المحب.

  • الناصر.

  • الولي.

  • القريب.

  • السيد.

  • المعتِق.

  • المعتَق.

ولهذا السبب نشأ الخلاف بين المدارس الإسلامية في تفسير المقصود من الحديث.

تفسير أهل السنة لحديث الغدير

يرى جمهور أهل السنة أن الحديث ثابت وصحيح في أصله، وأنه من أعظم فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

لكنهم يرون أن المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم:

«من كنت مولاه فعلي مولاه»

هو وجوب محبة علي ونصرته وموالاته وبيان منزلته الرفيعة بين الصحابة.

ويستدلون على ذلك بعدة أمور، منها:

  • ورود الحديث في سياق الرد على من وجد في نفسه على علي رضي الله عنه.

  • عدم وجود لفظ صريح في الحديث يتضمن تعيين الخلافة.

  • أن كبار الصحابة لم يفهموا من الحديث النص على الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

  • انعقاد إجماع الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

تفسير الشيعة الإمامية لحديث الغدير

أما الشيعة الإمامية فيرون أن حديث الغدير نص صريح على ولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن في ذلك اليوم إمامة علي وخلافته على المسلمين بأمر من الله تعالى.

كما يربط كثير من علماء الإمامية بين حادثة الغدير وقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: 67].

ويرون كذلك أن قوله تعالى:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]

نزل بعد إعلان ولاية علي رضي الله عنه.

في المقابل يرى جمهور علماء أهل السنة أن آية:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾

نزلت يوم عرفة أثناء حجة الوداع، كما ثبت في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

هل يعد يوم الغدير عيداً؟

تختلف نظرة المسلمين إلى يوم الغدير تبعاً لاختلافهم في تفسير الحادثة.

عند الشيعة الإمامية

يعد الثامن عشر من ذي الحجة عيداً دينياً كبيراً يعرف باسم "عيد الغدير"، وتقام فيه الاحتفالات والزيارات والعبادات الخاصة بهذه المناسبة.

وقد وردت في كتبهم روايات كثيرة في فضله وخصوصيته.

عند أهل السنة

لا يعد أهل السنة يوم الغدير عيداً شرعياً، لأن الأعياد الشرعية عندهم هي:

  • عيد الفطر.

  • عيد الأضحى.

  • يوم الجمعة.

ويرى علماء أهل السنة أن تخصيص يوم الغدير بعبادات أو احتفالات معينة لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة.

غدير خُم في المصادر التاريخية

تناولت كتب التاريخ الإسلامي حادثة الغدير وأشارت إلى الاحتفال بها في بعض العصور.

فقد ذكر الإمام الذهبي في كتاب العبر في خبر من غبر أنه في بعض السنوات أقيمت احتفالات بيوم الغدير في بغداد زمن الدولة البويهية.

كما أوردت كتب التاريخ حوادث متعددة وقعت بسبب الخلاف حول هذه المناسبة، ومنها ما ذكره ابن كثير وغيره من وقوع منازعات بين بعض المنتسبين إلى السنة والشيعة في بغداد.

وقد انتقد العلماء من الطرفين تلك الفتن، وعدّوا إثارة النزاعات بين المسلمين بسبب الخلافات التاريخية أمراً مذموماً.

مكانة علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند المسلمين

رغم الخلاف في تفسير حديث الغدير، فإن المسلمين يتفقون على علو مكانة علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

فهو:

  • ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم.

  • زوج فاطمة الزهراء رضي الله عنها.

  • أبو الحسن والحسين رضي الله عنهما.

  • أحد السابقين إلى الإسلام.

  • أحد العشرة المبشرين بالجنة عند أهل السنة.

  • رابع الخلفاء الراشدين.

وقد وردت في فضله أحاديث كثيرة صحيحة، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم:

«أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي».

أهم الدروس المستفادة من حادثة غدير خُم

يمكن استخلاص عدد من المعاني المهمة من هذا الحدث التاريخي، منها:

  • بيان فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

  • التأكيد على محبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

  • وجوب احترام الصحابة وعدم الطعن فيهم.

  • أهمية فهم النصوص في ضوء سياقاتها وأسباب ورودها.

  • الحذر من التعصب الذي يؤدي إلى الفرقة بين المسلمين.

  • ضرورة التفريق بين ثبوت النص وبين الاختلاف في تفسير دلالته.

خاتمة

تُعد حادثة غدير خُم من أشهر الوقائع في أواخر العهد النبوي، وقد اتفق المسلمون على أصل وقوعها وثبوت حديث «من كنت مولاه فعلي مولاه»، بينما اختلفوا في دلالته ومعناه. ويرجع هذا الخلاف إلى تفسير لفظ "المولى" وفهم سياق الخطبة ومقاصدها.

ويبقى المتفق عليه بين المسلمين جميعاً هو محبة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وتعظيم مكانته، فهو من كبار الصحابة وأحد أعلام الإسلام الذين تركوا أثراً عظيماً في تاريخ الأمة.

أهم المصادر والمراجع

  1. مسند الإمام أحمد بن حنبل.

  2. صحيح البخاري.

  3. صحيح مسلم.

  4. البداية والنهاية لابن كثير.

  5. العبر في خبر من غبر للذهبي.

  6. تاريخ الإسلام للذهبي.

  7. فتح الباري لابن حجر العسقلاني.

  8. منهاج السنة النبوية لابن تيمية.

  9. خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى للسمهودي.

  10. تهذيب الأحكام للطوسي.

  11. الأمالي للشيخ الصدوق.

  12. الغدير في الكتاب والسنة والأدب لعبد الحسين الأميني.

ما هو رد فعلك؟

like

dislike

love

funny

angry

sad

wow