لماذا سميت سورة الممتحنة بهذا الاسم؟ قصة أم كلثوم بنت عقبة ونزول آية الامتحان
تعرف على سبب تسمية سورة الممتحنة بهذا الاسم، وقصة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكيف نزلت آية الامتحان بعد صلح الحديبية، مع بيان الدروس الإيمانية والفقهية المستفادة من القصة.
جدول المحتويات
-
مقدمة
تعد سورة الممتحنة من السور المدنية العظيمة التي نزلت بعد صلح الحديبية، وقد اشتملت على أحكام مهمة تتعلق بالولاء والبراء، والهجرة، ومعاملة غير المسلمين، وأحكام النساء المؤمنات المهاجرات.
ويتساءل كثير من المسلمين: من هي الممتحنة؟ ولماذا سميت السورة بهذا الاسم؟ وهل المقصود امرأة بعينها، أم أن الاسم يشير إلى معنى عام؟
في هذه المقالة نستعرض القصة الصحيحة التي ارتبطت بسبب نزول الآية العاشرة من السورة، مع بيان سبب التسمية كما ذكره المفسرون، والدروس المستفادة منها.
-
هل اسم سورة الممتحنة توقيفي؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن أسماء سور القرآن توقيفية، أي أن النبي ﷺ سماها بوحي من الله تعالى، وإن كان بعض العلماء يرى أن بعض الأسماء اشتهرت عن الصحابة.
وسميت هذه السورة بـ "الممتحنة" - بكسر الحاء أو فتحها - وكلاهما صحيح عند أهل العلم:
- المُمْتَحِنة (بكسر الحاء): أي المرأة التي تُمتحَن ويُختبر صدق إيمانها.
- المُمْتَحَنة (بفتح الحاء): أي المرأة التي وقع عليها الامتحان.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ...﴾
[سورة الممتحنة: 10] -
من هي الممتحنة؟
ترتبط قصة السورة بالصحابية الجليلة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها، وهي من أوائل النساء اللاتي هاجرن إلى المدينة بعد صلح الحديبية.
وقد ذكر جمهور المفسرين، منهم ابن كثير والطبري والبغوي والقرطبي، أن الآية نزلت بسبب هجرتها إلى المدينة، وأنها كانت سببًا في استثناء النساء المؤمنات من شرط إعادة من يهاجر من مكة إلى المدينة.
-
من هو والدها عقبة بن أبي معيط؟
كان عقبة بن أبي معيط من أشد أعداء النبي ﷺ.
وقد ثبت في الصحيحين أنه وضع سَلَا الجزور على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد عند الكعبة، حتى جاءت فاطمة رضي الله عنها فأزالته عنه.
كما ثبت أنه شارك في إيذاء رسول الله ﷺ بألوان متعددة من الأذى.
أما ما يشتهر على ألسنة الناس من أنه "أشقى القوم"، فليس لقبًا ثابتًا له في حديث صحيح، وإنما ورد في حديث النبي ﷺ قوله:
«ألا أُحدِّثكم بأشقى الناس؟ رجلان: أُحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه حتى يبل منها هذه»
رواه الإمام أحمد وغيره، وصححه جمع من أهل العلم.لذلك فإن إطلاق لقب "أشقى القوم" على عقبة بن أبي معيط ليس ثابتًا في السنة.
-
إسلام أم كلثوم رضي الله عنها
نشأت أم كلثوم في بيت من أشد بيوت قريش عداوة للإسلام.
لكن الله تعالى شرح صدرها للإيمان، فأسلمت وكتمت إسلامها فترة خوفًا من أهلها.
ثم جاءت معاهدة الحديبية سنة ست للهجرة، وكان من بنودها أن من جاء من رجال قريش مسلمًا إلى المدينة يُرد إليهم.
وبعد الصلح خرجت أم كلثوم مهاجرة إلى رسول الله ﷺ.
-
ماذا حدث عندما وصلت المدينة؟
وصلت أم كلثوم إلى المدينة وحدها.
ثم لحق بها أخواها:
- الوليد بن عقبة.
- عمارة بن عقبة.
وطلبا من النبي ﷺ أن يعيدها إلى مكة تنفيذًا لشروط الصلح.
وهنا وقع الإشكال.
هل تدخل النساء في هذا الشرط؟
فنزل الوحي بحكم الله الفاصل.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ...﴾
[سورة الممتحنة: 10]فكانت هذه الآية استثناءً للنساء المؤمنات من شرط صلح الحديبية.
-
كيف كان امتحان المؤمنات؟
ليس المقصود بالامتحان تعذيبهن أو التشكيك في إيمانهن.
بل كان المقصود التحقق من صدق سبب الهجرة.
وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان يستحلف المرأة أنها:
- ما خرجت بغضًا لزوجها.
- ولا طلبًا للدنيا.
- ولا رغبة في رجل.
- وإنما خرجت حبًا لله ورسوله.
وقال مجاهد وعكرمة وقتادة نحو ذلك.
ولهذا قال تعالى:
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾
أي أن الامتحان يكون بحسب الظاهر، وأما حقيقة الإيمان فعلمها عند الله.
-
هل أعاد النبي ﷺ أم كلثوم إلى مكة؟
لم يعدها.
بل امتثل أمر الله تعالى بعد نزول الآية.
وهذا يدل على أن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى، وإنما ينتظر الوحي في الأحكام.
قال تعالى:
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[النجم: 3-4]
بمن تزوجت أم كلثوم رضي الله عنها؟
بعد هجرتها أكرمها الله تعالى.
وقد تزوجت عددًا من كبار الصحابة بعد وفاة كل زوج عنها، ومنهم:
- الزبير بن العوام على قول بعض أهل السير.
- عبد الرحمن بن عوف، وقد أنجبت منه.
- ثم عمرو بن العاص بعد وفاة عبد الرحمن.
- ثم زيد بن حارثة عند بعض أهل المغازي، إلا أن الروايات في ترتيب أزواجها مختلفة.
وأشهر الروايات الثابتة أنها كانت زوجًا لـ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأنها ولدت له.
-
الدروس المستفادة من قصة أم كلثوم بنت عقبة
1- الهداية بيد الله
فقد يخرج المؤمن من بيت مليء بالكفر والعداوة للإسلام.
قال تعالى:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
[القصص: 56]2- الصبر على الدين
تركت أهلها وبلدها، وسافرت وحدها ابتغاء مرضاة الله.
فاستحقت أن يخلد القرآن قصتها إلى يوم القيامة.
3- مكانة المرأة في الإسلام
أثبتت الآيات أن المرأة لها شخصية مستقلة في إيمانها واختيارها للدين، فلا يجوز إرجاعها إلى الكفار إذا ثبت إيمانها.
4- الوفاء بالعهود مع الالتزام بشرع الله
فالنبي ﷺ وفى بصلح الحديبية، فلما نزل الوحي باستثناء النساء عمل بحكم الله.
5- العبرة بالخاتمة
فوالدها كان من ألد أعداء الإسلام، لكنها أصبحت من خيرة الصحابيات.
وفي ذلك رسالة لكل داعية ألا ييأس من هداية أحد.
-
هل كل ما يُتداول عن القصة صحيح؟
انتشرت عبر وسائل التواصل روايات كثيرة تضيف تفاصيل لا تثبت في المصادر المعتبرة، مثل:
- تحديد عمر أم كلثوم عند الهجرة بـ16 أو 17 سنة.
- وصفها بأنها كانت من أعلم نساء مكة.
- أنها رفضت جميع خطاب قريش انتظارًا للهجرة.
- وصف عقبة بن أبي معيط بلقب "أشقى القوم".
وهذه التفاصيل لا تثبت بأسانيد صحيحة، ولذلك ينبغي الاقتصار على ما ثبت في كتب السنة والتفسير الموثوقة.
-
خاتمة
تبقى قصة أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها نموذجًا خالدًا للثبات على العقيدة والتضحية في سبيل الله. فقد غادرت أهلها ووطنها وحدها، غير عابئة بما قد تتعرض له من أذى، ابتغاء مرضاة الله ورسوله ﷺ، فجعل الله هجرتها سببًا لنزول آية تتلى إلى يوم القيامة، تحفظ حق المؤمنات، وتبين أن رابطة الإيمان مقدمة على كل رابطة.
وتذكرنا هذه القصة بأن الصدق مع الله لا يضيع، وأن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وأن الهداية فضل من الله يؤتيه من يشاء، مهما كانت البيئة التي نشأ فيها الإنسان.
-
أهم المصادر والمراجع
ما هو رد فعلك؟