حكم تقبيل يد العلماء والعارفين بالله وتقبيل رؤوسهم في الإسلام
حكم تقبيل يد العلماء والعارفين بالله في الإسلام، دراسة فقهية موثقة بالأدلة الشرعية وأقوال الأئمة، مع بيان حكم تقبيل الرأس والوجه والانحناء، وضوابط العرف الشرعي.
-
مقدمة
جواز تقبيل يد العلماء عند العلماء يُعدّ موضوع تقبيل يد العلماء والعارفين بالله وتقبيل رؤوسهم من المسائل التي يكثر السؤال عنها، لا سيما في المجتمعات الإسلامية التي اعتادت على صور متنوعة من مظاهر الاحترام والتوقير، كما هو شائع في بعض دول الخليج وغيرها. وتتجاذب هذه المسألة اعتبارات شرعية دقيقة بين تعظيم أهل العلم المشروع، وبين سدّ ذرائع الغلو والتشبه بالعبادات.
لذلك تهدف هذه المقالة إلى تقديم معالجة فقهية متكاملة للمسألة، تجمع بين النصوص الشرعية، وأقوال الأئمة، ومقاصد الشريعة، مع بيان الضوابط العملية للمسلم في هذا الباب. -
الأصل الشرعي في تعظيم العلماء وأهل الفضل
أصل تعظيم العلماء ثابت بالكتاب والسنة، قال الله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة الزمر: 9]وقال النبي ﷺ:
«ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه»
رواه أحمد (21693) وحسنه جماعة من أهل العلم.لكن هذا التعظيم منضبط بضوابط الشرع، فلا يُفضي إلى غلو، ولا يتخذ هيئة عبادة، ولا يخرق مقصود التوحيد.
-
حكم تقبيل يد العلماء والعارفين بالله
1. مذهب جمهور الفقهاء
ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز تقبيل يد العالم أو الصالح إذا كان ذلك:
- بسبب علمه أو ورعه أو صلاحه
- من غير خضوع زائد
- ومن غير اعتياد دائم
قال الإمام النووي رحمه الله:
«تقبيل يد الرجل لزهده، أو صلاحه، أو علمه، أو شرفه، أو صيانته، أو نحو ذلك من الأمور الدينية لا يكره، بل يُستحب، فإن كان لغناه، أو شوكته، أو جاهه عند أهل الدنيا فمكروه شديد الكراهة»
المجموع شرح المهذبوقال الزيلعي الحنفي:
«تقبيل يد العالم، أو يد السلطان العادل سنة»
تبيين الحقائق2. التفريق بين القِلّة والاعتياد
نبّه عدد من العلماء إلى أن الاعتياد الدائم على تقبيل اليد يفضي إلى الكراهة أو التحريم، لأنه:
- قد يورث الكبر في قلب المُقبَّل
- أو يفتح باب الغلو والتعظيم المذموم
وجاء في فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
«تقبيل اليد إذا كان نادرًا لا بأس به، أما إذا اعتيد دائمًا فيكره أو يحرم»
- بسبب علمه أو ورعه أو صلاحه
-
هل ورد تقبيل اليد في السنة؟
دليل جواز تقبيل يد العالم من السنة نعم، ورد ذلك في آثار صحيحة:
· روى أبو داود (5225) أن وفد عبد القيس:
«قَبَّلُوا يَدَ النَّبِيِّ ﷺ وَرِجْلَهُ»
وصححه جمع من أهل العلم.· وثبت أن بعض الصحابة قبّلوا يد النبي ﷺ تعظيمًا له لا عبادة، وهذا أصل القياس في جواز تقبيل يد أهل العلم على وجه الاحترام لا التعبد.
-
حكم تقبيل الرأس
تقبيل الرأس أخفّ من تقبيل اليد عند كثير من العلماء، ويُعدّ من صور الإكرام، خاصة:
- مع الوالدين
- مع العلماء الكبار
- عند اللقاء بعد غياب
لكن لا يُتخذ عادة دائمة، ولا يُقرن بانحناء أو خضوع زائد.
- مع الوالدين
-
حكم الانحناء عند السلام
الانحناء محرّم إذا كان على وجه التعظيم، لأنه يشبه الركوع، وهو عبادة لا تصرف إلا لله.
قال النبي ﷺ:
«أينحني له؟ قال: لا»
رواه الترمذي (2728) وقال: حديث حسن.ويُستثنى من ذلك:
- الانحناء لسبب عارض، كقصر المُسلَّم عليه أو عجزه
- بشرط انتفاء قصد التعظيم
- الانحناء لسبب عارض، كقصر المُسلَّم عليه أو عجزه
-
ماذا أفعل إذا رفض العالم تقبيل يده؟
إذا رفض العالم تقبيل يده تواضعًا أو ورعًا:
- يجب احترام رغبته
- ويُكتفى بالمصافحة والدعاء
- لأن مقصود الشريعة حفظ القلوب من الحرج والكبر
قال العلماء:
«ترك المندوب أولى إذا ترتب عليه أذى أو حرج»
- يجب احترام رغبته
-
العرف في بعض البلدان (كالخليج)
العرف لا يُحتج به إذا خالف الشرع، لكنه:
- معتبر إذا لم يصادم نصًا
- ويُراعى فيه القصد والضوابط
فإن خلا من الغلو، والانحناء، والاعتياد، فلا حرج، وإلا وجب تركه.
- معتبر إذا لم يصادم نصًا
-
خاتمة
يتبين من مجموع النصوص وأقوال أهل العلم أن:
- تقبيل يد العالم جائز أو مستحب أحيانًا
- ويُكره أو يُمنع عند الاعتياد أو قصد التعظيم الدنيوي
- ويحرم الانحناء والسجود ووضع الجبهة على اليد
- ويُراعى حال العالم وقصده، وحال الطالب وأدبه
والميزان الجامع في ذلك كله:
تعظيم بلا غلو، واحترام بلا عبادة، وتوقير منضبط بالتوحيد. - تقبيل يد العالم جائز أو مستحب أحيانًا
-
أهم المصادر والمراجع
- النووي، المجموع شرح المهذب
- النووي، الأذكار
- الزيلعي، تبيين الحقائق
- ابن باز، مجموع فتاوى ابن باز
- سنن أبي داود
- سنن الترمذي
- مسند الإمام أحمد
- النووي، المجموع شرح المهذب