جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ذو الجناحين • أشبه الناس بالنبي • سفير الإسلام الأول

تعرّف على سيرة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: نسبه، إسلامه المبكر، هجرته إلى الحبشة، دفاعه عن الإسلام أمام النجاشي، بطولاته في غزوة مؤتة، واستشهاده. مقالة شاملة بأقوال العلماء والمصادر الحديثية.

  • نسبه وأسرته

    جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من السادة الكرام ومن آل البيت النبوي الشريف، وهو ابن عمّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأخو الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. يجتمع نسبه مع النبي الكريم في عبد المطلب جدّهما المشترك، وهو ما جعل صلته بالنبوة وثيقة الأواصر، عميقة الجذور.

    نسبه الكامل: هو جعفر بن أبي طالب (واسمه عبد مناف) بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب. أمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وكانت من أوائل النساء اللواتي أسلمن، وكانت لها مكانة رفيعة عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه قام بتغسيلها لمّا توفّيت وألبسها قميصه.

    إخوته: نشأ جعفر في كنف بيت عامر بالفضل والشرف؛ فكان أخوه الأصغر علي بن أبي طالب الذي أسلم وهو غلام صغير ولم يفارق النبي صلى الله عليه وسلم، وأخوه عقيل بن أبي طالب الذي اشتُهر بعلمه بأنساب العرب. وقد كفل النبيُّ صلى الله عليه وسلم جعفراً في شبابه مخفّفاً عن عمّه أبي طالب الأعباء، كما كفل عليّاً.

  • إسلامه المبكر وفضل السبق

    يُعدّ جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من السابقين الأولين إلى الإسلام، وقد أسلم في أيامه الأولى، قبل أن يدخل دار الأرقم أو يعلن النبي صلى الله عليه وسلم دعوته جهاراً. وتشير الروايات إلى أنه أسلم بعد عليٍّ وزيد بن حارثة وأبي بكر الصديق، ليكون في الطبقة الأولى من المؤمنين.

    "أسلم جعفر وهو ابن عشر سنين، وقيل: ابن ثلاث عشرة، وكان من السابقين الأوّلين إلى الإسلام"ابن الأثير، أسد الغابة 1/286

    ولم يكتفِ جعفر رضي الله عنه بالإسلام السرّي، بل تحمّل الأذى في سبيل دينه، وعانى من قريش ما عانى سائر المستضعفين، حتى أذن الله له وللمسلمين بالهجرة إلى أرض الحبشة.

  • هجرته إلى الحبشة وموقفه أمام النجاشي

    . الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة

    لمّا اشتدّ أذى قريش على المسلمين، أذن النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين بالهجرة إلى الحبشة، قائلاً: "إنّ بها مَلِكاً لا يُظلَم عنده أحد". وكانت الهجرة الأولى عام الخامس من البعثة، شارك فيها اثنا عشر رجلاً وأربع نساء. ثم كانت الهجرة الثانية الأكبر، وكان جعفر بن أبي طالب على رأس هذه الرفقة أميراً عليهم، واستقرّ في الحبشة سنوات طويلة.

    ٢. خطاب النجاشي التاريخي

    لمّا أرسلت قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي ليردّ عليهم المهاجرين، قام جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه بمهمة الدفاع عن المسلمين خطيباً فصيحاً شجاعاً، وألقى خطابه التاريخي الذي عُدَّ من أبلغ خطب الصحابة في تاريخ الإسلام. وقد روت أم سلمة رضي الله عنها هذه القصة، وفيها قال جعفر للنجاشي:

    "أيّها الملك، كنّا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً..."السيرة النبوية لابن هشام 1/358، ومسند أحمد

    ثم تلا جعفر رضي الله عنه على النجاشي مطلع سورة مريم، فبكى النجاشي حتى اخضلّت لحيته، وبكت أساقفته حتى ابتلّت مصاحفهم، وقال النجاشي: "والله ما يزيد هذا على ما جاء به عيسى شيئاً". ورفض تسليم المسلمين، وردّ هدايا قريش.

    ٣. إقامته في الحبشة

    مكث جعفر رضي الله عنه وصحبه في الحبشة نحو عشر سنوات إلى أربع عشرة سنة بحسب الروايات، في كنف ملكٍ عادل أمين هو النجاشي أصحمة رحمه الله. وكان جعفر في هذه المدة سفيراً للإسلام، يُعلّم من أسلم في الحبشة ويمثّل المسلمين أفضل تمثيل.

  • عودته إلى المدينة وفرحة النبي به

    عاد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه إلى المدينة المنوّرة في العام السابع من الهجرة، في اليوم الذي أُعلن فيه عن فتح خيبر. وكان لقاؤه بالنبي صلى الله عليه وسلم من أشهر المشاهد العاطفية في السيرة النبوية:

    "لمّا قدم جعفر قبّله النبي صلى الله عليه وسلم بين عينيه، وقال: ما أدري بأيهما أنا أسرّ: بقدوم جعفر أم بفتح خيبر"رواه البيهقي في دلائل النبوة، وابن سعد في الطبقات الكبرى 4/33

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُحبّ جعفراً حبّاً شديداً، ويُعظّم مكانته، وهذا اللقاء يدلّ على مدى شوق النبي الكريم إليه.

  • شبهه بالنبي صلى الله عليه وسلم

    وصف النبي صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب بأنه أشبه الناس به خَلقاً وخُلقاً، وهذا من أعلى مناقب جعفر رضي الله عنه وأشرفها:

    "أمّا أنت يا جعفر فأشبهتَ خَلقي وخُلُقي"رواه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي، وأحمد في مسنده

    وقد نقل ابن عبد البر في الاستيعاب، والحافظ ابن حجر في الإصابة هذه الرواية وما في معناها، وقالوا إنه كان يُعدّ من أشبه أهل البيت بالنبي صلى الله عليه وسلم وجهاً وهيئةً وشمائلاً.

  • أخلاقه وفضائله

    الكرم والسخاء

    اشتُهر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه بالكرم والإيثار حتى سُمّي "أبا المساكين"؛ لأنه كان يُطعمهم ويُكرمهم ويجلس إليهم. وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخُلق العظيم:

    "كان جعفر يُحبّ المساكين ويجلس إليهم ويُحدّثهم ويُحدّثونه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكنّيه بأبي المساكين"ابن عبد البر، الاستيعاب 1/241؛ والذهبي، سير أعلام النبلاء 1/208

    الشجاعة والثبات

    كان جعفر رضي الله عنه آية في الشجاعة والإقدام، ولم يظهر ذلك أجلى مما ظهر يوم مؤتة حين أمسك بالراية وثبت ثبوتاً أذهل الأعداء. وقد دلّت شجاعته أمام النجاشي حين وقف وحيداً يدافع عن المسلمين أمام ملك عظيم وسفراء قريش على ثبات راسخ وصدق إيمان.

    العلم والفقه

    روى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل متعددة، منها أحاديث في الصلاة والزكاة والطهارة والأخلاق. وقد روى عنه ابنه عبد الله بن جعفر وأبو هريرة وعروة بن الزبير. وكان يُفتي في المسائل الشرعية ويُستشار فيها.

  • زواجه وأبناؤه

    تزوّج جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من السيدة أسماء بنت عُمَيس رضي الله عنها، وكانت هجرتهما معاً إلى الحبشة من أشهر صفحات الإيمان في الإسلام. ومن هذا الزواج المبارك وُلد لهما:

    • عبد الله بن جعفر: الصحابي الجليل المعروف بالكرم والسخاء الفائق، ويُلقَّب بـ"بحر الجود".
    • محمد بن جعفر: الصحابي الكريم الذي شهد الفتوحات الإسلامية.
    • عون بن جعفر: الصحابي الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ولمّا استُشهد جعفر رضي الله عنه، تزوّج الصدّيق أبو بكر أسماءَ بنت عُمَيس، ثم تزوّجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد أبي بكر.

  • غزوة مؤتة واستشهاده

    . تجهيز الجيش وتعيين القادة

    في السنة الثامنة من الهجرة، جهّز النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً لغزوة مؤتة رداً على قتل رسوله الحارث بن عُمَير الأزدي رضي الله عنه. وعيّن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة قادة بالتتابع:

    "أميرُكم زيد بن حارثة، فإن أُصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أُصيب فعبد الله بن رواحة"رواه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة، حديث 4261

    ٢. اندلاع المعركة وبطولة جعفر

    التقى الجيش الإسلامي المؤلّف من ثلاثة آلاف مقاتل بجيوش الروم وحلفائها البالغة مئة ألف أو مائتي ألف مقاتل بحسب روايات مختلفة. وحين استُشهد زيد بن حارثة، أمسك جعفر بن أبي طالب اللواء بيمينه، فقُطعت. فأمسك اللواء بشماله، فقُطعت. فاحتضن اللواء بعضُديه حتى قُتل رضي الله عنه، وكانت به ثنتان وتسعون جراحة بين طعنة وضربة.

    "وجدنا في جعفر بضعاً وتسعين جراحة بين طعنة برمح وضربة بسيف، كلّها في وجهه وصدره"رواه البيهقي في دلائل النبوة، وأحمد في المسند، وذكره ابن إسحاق

    ٣. الجناحان في الجنة

    لم يكتفِ الله عزّ وجلّ بالاستشهاد جزاءً لجعفر رضي الله عنه، بل أكرمه بكرامة لم تثبت لغيره بهذا النصّ الصريح:

    "رأيت جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة في الجنة"رواه الترمذي في مناقب جعفر، وصحّحه الحاكم في المستدرك 3/210

    وقد تواترت روايات الصحابة في أنّ الله عزّ وجلّ أبدل جعفراً جناحين من ياقوت يطير بهما في الجنة حيث يشاء، وهو أصل تلقيبه بـ"الطيّار" و"ذي الجناحَيْن".

  • حزن النبي وتعزية آل جعفر

    لمّا علم النبي صلى الله عليه وسلم باستشهاد جعفر بن أبي طالب، بكى حزناً عليه، وهو الذي قلّما يبكي. وقد أظهر من التأثر الإنساني الصادق ما يدلّ على عظيم حبّه لجعفر:

    "خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل جعفر فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنهم قد شُغلوا"رواه أبو داود في السنن كتاب الجنائز، والترمذي وحسّنه

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أصحابه باستشهاد جعفر وزيد وابن رواحة قبل أن يصل الخبر، ورُئيت الدموع في عينيه الشريفتين وهو يخبرهم. وقد صنع المسلمون لآل جعفر طعاماً ثلاثة أيام، وهذه السنّة أصلٌ للعلماء في استحباب إرسال الطعام لأهل الميت.

  • عمره وقبره ومكان استشهاده

    اختلف العلماء في عمر جعفر رضي الله عنه يوم استُشهد، والأشهر أنه كان في الثالثة والثلاثين من عمره، وقيل الحادية والثلاثين، وقيل إحدى وأربعين. واستُشهد رضي الله عنه في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة النبوية.

    أمّا قبره الشريف فيقع في قرية مؤتة بالأردن في محافظة الكرك، وقد بُني على موضع استشهاده مسجد باسمه، ويؤمّه كثير من الزوار والمسلمين. ولا تزال تلك الأرض المباركة تشهد على تضحية الصحابي الجليل في سبيل نصرة دين الله.

  • أثره في الإسلام وتراثه

    رواياته الحديثية: روى جعفر رضي الله عنه أحاديث عدة تناقلها أئمة الحديث، من أبرزها أحاديث في صلاة التسبيح ومسائل الصيام والزكاة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روى عنه ابنه عبد الله بن جعفر الطيار، والصحابي الجليل أبو هريرة، وعروة بن الزبير.

    أثره في ذريّته: خلّف جعفر رضي الله عنه ذريّة مباركة؛ فكان ابنه عبد الله بن جعفر من أشهر الصحابة كرماً وجوداً، وقيل إنه ورث كرم أبيه فزاد عليه. وقد تزوّج عبد الله بن جعفر من زينب بنت علي بن أبي طالب فجمع بين بيتين هاشميين كريمين.

    الأثر الفقهي: من الآثار العملية لاستشهاد جعفر رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصنع الطعام لآل جعفر، فأصبح ذلك أصلاً فقهياً يستند إليه جمهور العلماء في استحباب إرسال الطعام لأهل الميت في الأيام الأولى من المصيبة.

  • خاتمة

    جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حياةٌ مضيئة في صفحات السيرة النبوية؛ جمع بين أصالة النسب وعراقة الإيمان، وبين فصاحة الخطيب وشجاعة الفارس، وبين كرم الجواد وحكمة السفير. أسلم فصبر، وهاجر فصمد، وخطب فأبلغ، وقاتل فاستشهد. إنّه نموذج حيّ على ما يُنتجه الإيمان الصادق من أخلاق راسخة ومواقف خالدة. فرضي الله عنه وأرضاه، وجمعنا به في مستقرّ رحمته مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.


    اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله الطيّبين الطاهرين وأصحابه الكرام أجمعين.

  • المصادر والمراجع

    1.    ابن هشام، عبد الملك: السيرة النبوية، تحقيق السقا والأبياري وشلبي، دار المعرفة، بيروت.

    2.    ابن سعد، محمد: الطبقات الكبرى، دار صادر، بيروت، ج4.

    3.    ابن عبد البر، يوسف: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، ج1.

    4.    ابن الأثير، عز الدين: أسد الغابة في معرفة الصحابة، دار الفكر، بيروت، ج1.

    5.    ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة، دار الكتب العلمية، بيروت، ج1.

    6.    الذهبي، محمد بن أحمد: سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج1.

    7.    الترمذي، محمد بن عيسى: سنن الترمذي، أبواب المناقب، باب مناقب جعفر بن أبي طالب.

    8.    البخاري، محمد بن إسماعيل: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة.

    9.    الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين، دار الكتب العلمية، ج3.

    10.                  البيهقي، أحمد بن الحسين: دلائل النبوة، دار الكتب العلمية، بيروت.

    11.                  النووي، يحيى بن شرف: تهذيب الأسماء واللغات، دار الكتب العلمية.

    12.                  أحمد بن حنبل: مسند الإمام أحمد، مؤسسة الرسالة، تحقيق شعيب الأرنؤوط.