حكم تارك الصلاة وعقوبته في الدنيا والآخرة

تناول المقال حكم تارك الصلاة كما نص عليها الفقهاء مع ذكر عقوبته في الدنيا والآخرة

  • مقدمة

    الصلاة في الإسلام ليست عبادة فرعية أو سلوكًا تعبديًا اختياريًا، بل هي الركن العملي الأعظم بعد الشهادتين، والحدّ الفاصل بين الإيمان والكفر، وعنوان الصلة الحقيقية بين العبد وربه. ومن هنا جاءت خطورة تركها، وجاءت النصوص الشرعية وأقوال الصحابة والفقهاء متضافرة في بيان عِظَم جريمة ترك الصلاة، وما يترتب عليها من عقوبات في الدنيا والآخرة، وآثار مدمّرة على القلب والدين والمصير الأخروي.

  • منزلة الصلاة في الإسلام

    أقام الشرع الصلاة مقام العمود من البنيان، فلا قيام للدين بدونها، كما صح عن النبي ﷺ أنه قال:

    «رأسُ الأمرِ الإسلامُ، وعمودُه الصلاةُ، وذروةُ سنامه الجهادُ»
    رواه الترمذي وصححه.

    وجعلها الله تعالى أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة، كما قال ﷺ:

    «أولُ ما يُحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامةِ الصلاةُ، فإن صلحتْ صلحَ سائرُ عملِه، وإن فسدتْ فسدَ سائرُ عملِه»
    رواه الترمذي وحسنه، وأبو داود، والنسائي.

    وهذا يدل دلالة قاطعة على أن الصلاة ميزان القبول والرد لسائر الأعمال.

  • حكم تارك الصلاة في ضوء القرآن والسنة

    1. الأدلة من السنة النبوية

    جاءت نصوص صريحة لا تحتمل التأويل في بيان خطورة ترك الصلاة، منها قول النبي ﷺ:

    «إنَّ بينَ الرجلِ وبينَ الكفرِ أو الشركِ تركَ الصلاةِ»
    رواه مسلم.

    وقال ﷺ:

    «العهدُ الذي بيننا وبينهم الصلاةُ، فمن تركها فقد كفر»
    رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي وقال: حسن صحيح.

    وهذه الأحاديث نصٌّ صريح في أن ترك الصلاة ناقضٌ لعقد الإسلام عند جمع من أهل العلم.

    2. أقوال الصحابة رضي الله عنهم

    لم يُعرف عن الصحابة رضي الله عنهم اختلاف في تعظيم شأن الصلاة، بل كانوا يرون تركها كفرًا صريحًا، ومن أقوالهم:

    • قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
      «لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة».
    • وقال عبد الله بن شقيق رحمه الله:
      «كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ غيرَ الصلاة».
    • وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
      «من ترك الصلاة فقد كفر».

    وهذه النقول تبيّن إجماعًا عمليًا للصحابة على خطورة ترك الصلاة وكونها ليست كغيرها من الذنوب.

  • التفصيل الفقهي في حكم تارك الصلاة

    1. من ترك الصلاة جحودًا وإنكارًا

    اتفق الفقهاء إجماعًا على أن من أنكر وجوب الصلاة، أو جحد فرضيتها، فهو كافر خارج عن الملة؛ لأنه مكذّب لله ولرسوله ﷺ.

    2. من ترك الصلاة تكاسلًا مع إقراره بوجوبها

    وهذه هي محل الخلاف بين الفقهاء، وخلاصته:

    • مذهب الإمام أحمد، وهو قول جمهور أهل الحديث، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية:
      أن تارك الصلاة كفرًا أكبر مخرج من الملة، ولو تركها تكاسلًا.
    • مذهب مالك والشافعي:
      أنه يُقتل حدًّا لا كفرًا، لأنه ارتكب أعظم الكبائر.
    • مذهب أبي حنيفة:
      أنه يُحبس ويُعزّر حتى يصلي، ولا يُكفَّر.

    والقول الراجح عند كثير من المحققين:
    أن تارك الصلاة يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل، واختلفوا هل قتله ردة أو حدًا، وكل ذلك يدل على عِظم الجريمة وخطورتها البالغة.

  • عقوبة تارك الصلاة في الدنيا

    عقوبة ترك الصلاة لا تقتصر على الآخرة، بل تبدأ آثارها في الدنيا، ومن ذلك:

    1. ضيق الصدر والمعيشة

    قال الله تعالى:

    ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾
    سورة طه: 124.

    والصلاة أعظم الذكر، فمن أعرض عنها ابتُلي بضيق نفسي، وقلق داخلي، وإن توفر له المال أو الجاه.

    2. سقوط المنزلة والهيبة

    قال الإمام ابن القيم رحمه الله:

    «ومن عقوبات المعاصي: سقوط الجاه، والهيبة، والمنزلة من قلوب الخلق».

    فمن هان أمر الله عليه، هان على خلقه، وإن بدا في الظاهر عكس ذلك.

    3. قسوة القلب وذهاب البركة

    ترك الصلاة يميت القلب تدريجيًا، ويجعل الطاعة ثقيلة، والمعصية سهلة، ويُنزَع التوفيق من حياة العبد، فلا يبارك له في عمره ولا في عمله.

  • عقوبة تارك الصلاة في الآخرة

    1. الوعيد الشديد

    قال الله تعالى:

    ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾
    سورة مريم: 59.

    و"غيًّا" وادٍ في جهنم، نسأل الله العافية.

    2. الحرمان من شفاعة الصلاة

    الصلاة هي أول ما يُقبل من العمل، ومن ضيّعها حُرم خيرًا عظيمًا، وجاء يوم القيامة مفلسًا من أعظم أسباب النجاة.

    3. سوء الخاتمة

    من أعظم ما يُخشى على تارك الصلاة: سوء الخاتمة، لأن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على ترك الصلاة خيف عليه أن يُحشر على حاله.

  • الخاتمة

    ترك الصلاة ليس ذنبًا عاديًا، ولا تقصيرًا عابرًا، بل هو انهيار للهوية الإيمانية، وقطع للصلة بين العبد وربه، وبداية لمسار خطير في الدنيا، ومصير مظلم في الآخرة.
    ومن رحمة الله أن باب التوبة مفتوح، وأن الرجوع إلى الصلاة الصادقة كفيل بإعادة بناء الإيمان، وترميم القلب، واستعادة المعنى الحقيقي للحياة.

    ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾
    سورة الزمر: 53.

  • أهم المصادر والمراجع

    • القرآن الكريم
    • صحيح مسلم
    • سنن الترمذي
    • مسند الإمام أحمد
    • الزواجر عن اقتراف الكبائر – ابن حجر الهيتمي
    • الداء والدواء – ابن القيم
    • شرح العمدة – شيخ الإسلام ابن تيمية
    • فتاوى ابن باز
    • لقاءات الباب المفتوح – ابن عثيمين
    • موقع إسلام ويب
    • موقع الإسلام سؤال وجواب